الشروق العربي
صيحة الشروق

قراءة في أزمة القراءة

عمار يزلي
  • 339
  • 0

من البداية، لا نفترض، بل نؤكد، أننا من الصنف الذي لا يقرأ كثيرا، إن لم يكن لا يقرأ بالمطلق، فهو يقرأ مرغما لا مختارا. السبب تاريخي ومعقد، مرتبط بمدى تعقد البنى الذهنية للشعوب، المرتبط هو الآخر بتعقد المناخ والجو والجغرافيا والتضاريس: العرب، يميلون إلى التسطيح بتسطح الأرض وبساطة الألوان عندهم: السماء زرقاء والرمال صفراء، فتنشط الذاكرة بالبساطة والفراغ ونقاوة المكان، وينتشر الحفظ والرواية الشفهية والفطنة والبداهة والقصص والحكايات والسرديات والعنعنة، فيما تتعقد البنية الذهنية والبصرية في المجتمعات الجبلية والغابية، ذات التضاريس الوعرة وتداخل وتعدد ألوان الطبيعة، عبر الفصول الأربعة، فتشتغل حاسة البصر وباقي الحواس، وتتعقد تلافيف الجمجمة، بتعقد التضاريس. عندها، تكون الذهنية أقرب إلى البحث والاكتشاف المادي والملموس المتجسد، والعقلانية، وما ينجر عن ذلك من مسببات العقل العلمي الغربي والشرقي، على حد سواء. هذا، لا يعني أن العرب لا يميلون إلى العقل أو العلم، فما أنتجه العرب والمسلمون يضاهي، وأكثر، ما أنتجه الغرب، لكن الحضارة العربية الإسلامية، التي علمت القراءة للقراء، وعلمت الفنون والموسيقى والفن والأدب، ونقلت الفلسفة إلى الغرب، عبر تعامل العرب مع الفلسفة الإغريقية، بدا فيها المسلمون هم ناشرو الحضارة العربية الإسلامية. وهذا، بفعل تأثير المسلمين، خاصة من غير العرب، من الأعاجم لاسيما الفرس. الفرس التاريخية العريقة، صاحبة التأثير العقلي والفلسفي والفني. معظم الفلاسفة العرب كانوا من أصول فارسية، والأقلية فقط عرب، لكون العرب اختصوا بالعلوم النقلية، فيما اختص غير العرب بالعلوم العقلية والفنون. الرسم السينما الزخرفة العمران الموسيقى في الإسلام، كلها من أصول وتأثير فارسي وتركي.

القراءة، عندنا، مرتبطة بالحفظ والسرد، والسماع أكثر من القراءة الورقية. لهذا السبب التاريخي، حتى المثقفون والمتعلمون، ومن عليهم ولهم القراءة، تجدهم مقلين قراءة: يقرؤون، لكن قلة منهم يقرؤون اليوم ولا يحبون القراءة.

المشكل عالمي، نعم، ويطرح بشدة أمام عالم المتغيرات الرقمية وتعدد وانتشار وسائط التواصل الاجتماعي، التي ألهت وبدلت مفهوم القراءة، من القراءة والسماع إلى المشاهدة والسماع. تكاسل القراء عن القراءة عالميا، أمر ليس خاصا بنا، كعرب ومسلمين ودول نامية، بل هي ظاهرة كونية، مردها إلى هذا السبب: طغيان الصورة وسهولة التصفح واستهلاك الصورة مع الصوت والكتابة في آن واحد: ثلاث غايات تتحقق للمتصفح المبحر، من دون تعب ولا ملل، وفي سرعة تسابق الزمن، والزمن صار يبدو أقل والوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك، فانقطع القراء عن تصفح الجرائد والكتب الورقية، إلا ما خلا من حالات بحث أو مطالعة عابرة أو متخصصين، لكن الكل يشكو من قلة الوقت وسرعة تدفقه، والقراءة الورقية مضيعة للوقت ومهدرة للطاقة. فلتكن القراءة البصرية اليوم عنوانا للقراءة القديمة، عنوانا يتجدد، فليس كل من لا يقرأ لا يتثقف، والقراءة عبر الخط والورقة،

هي سمة مرحلة هي في طور الأفول والتراجع. قد لا تنقطع، إنما لن تعود كما كانت من قبل، حتى في الغرب.

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!