الرأي

قراءة في أفكار المؤرخ محمد العربي الزبيري

محند أرزقي فراد
  • 1384
  • 0

انتقل إلى رحمة الله منذ أيام قليلة، المؤرخ المجاهد محمد العربي الزبيري، المنتمي إلى جيل الكبار في مجال الكتابة التاريخية الوطنية. فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان. إنا لله وإنّا إليه راجعون.

نبذة عن حياته

وُلد د. محمد العربي الزبيري في سيدي عقبة (ولاية بسكرة) سنة 1940م، ودرس في مدينتي سكيكدة وقسنطينة. شارك في الثورة التحريرية، وقضى أيامها الأخيرة في تونس. وقد أخبرني أنه كان ضمن أمانة كريم بلقاسم. ثم تعرّف على السيّد محمد خيضر (أحد قادة الثورة) أيام إشرافه على الحزب في مطلع الاستقلال. حصل على شهادات علمية في الآداب والتاريخ من جامعة الجزائر.

كان الدكتور محمد العربي الزبيري -رحمه الله- ناقدا متمسّكا بسلطة العلم والقلم، جريئا في طرح أفكاره الخاصة بقراءة تاريخنا قراءة موضوعية تنسجم مع قواعد علم التاريخ وتتماهى مع الوطنية الصادقة. وقد تكون هذه الميزة سببا في معاناته من التهميش الموجِع، من دون مراعاة مكانته العلمية المرموقة التي أثْرت المكتبة الجزائرية بكتب تاريخية عديدة، عالج فيها موضوعات المقاومة الجزائرية في القرن 19م، والثورة التحريرية الكبرى، والساحة السياسية في عهد الاستقلال، بأساليب أكاديمية موضوعية، من دون مجاملة لأيّ جهة كانت.

أثرى المكتبة الجزائرية بعشرات المؤلفات التاريخية، ميزتها أنها تعكس قراءة جزائرية وفق مقاربة علمية من أجل تخليص تاريخنا من القراءة الاستعمارية المشوِّهة لماضينا المجيد. ويكمن أن أذكر بعضها في عجالة على النحو التالي:

علاقتي بالدكتور الزبيري

عرفته في مطلع سبعينيات القرن الماضي في جامعة الجزائر المركزية، ودرستُ على يده في قسم التاريخ قبل أن ينتقل إلى إدارة حزب جبهة التحرير الوطنيّ. أتذكر أن الدكتور الزبيري كان يملأ الأسماع والأبصار في تلك الفترة، بفضل مواظبته على التأليف والمشاركة في النشاط الثقافي الكثيف الذي ميّز أجواء العاصمة آنذاك، ثم بحكم إشرافه على اتحاد الكتاب الجزائريين. واستمرّ التلاقي بيننا في فضاءات الثقافة المختلفة خاصة في “منبر الحوار” لجريدة “الحوار”، وكنت ضمن الحضور يوم تكريمه من طرف هذه الجريدة المذكورة سنة 2018م.

اقتنيتُ مؤلفاته الصادرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ثم شرّفني في السنوات الأخيرة بإهداء بعض كتبه الجديدة، ومنها:

كان آخر لقاء معه يوم تقديمي لكتاب الأستاذ بشير فريك (قراءة في مذكّرات ابن شهيد) بمقر المكتبة الرئيسية لبلدية باب الزوار التي يشرف عليها السيد عبد القادر جمعة، وذلك يوم 20 فيفري 2024م.

تأثره برواد التنظير التاريخي الجزائريين

الملاحظ في كتابات الدكتور محمد العربي الزبيري أنه متأثرٌ بأفكار محمد الشريف ساحلي، ومولود قاسم نايت بلقاسم التجديدية في مجال تنظير التاريخ، فقد أخذ عن الأوّل فكرة Décolonisation de L′histoire (تطهير التاريخ من القراءة الاستعمارية)(1)، وأخذ عن الثاني تبجيله للوعي التاريخي، وبعض المصطلحات الفكرية التي أنتجها، كـ”الاستدمار” بدل الاستعمار، والإنيّة التي تعني الهوية، علما أن بين الرجلين صداقة متينة. ويتجلى هذا التأثر الفكري بوضوح في قوله:«هكذا ينتظر من مدرسة التاريخ الوطنية أن تعيد النظر في جميع المصطلحات والمفاهيم التي تعتبر مفاتيح الكتابة وإعادة الكتابة، فإذا كانت مزوَّرة كما هو شأن معظمها الآن، فإن الاستنتاجات والأحكام تكون خاطئة ومن ثم لا يمكن للتاريخ أن يؤدي مهمته على أحسن وجه. لكن مدرسة التاريخ الوطنية لكي تقوم بدورها تصحيحا وإنتاجا، في حاجة قبل كلّ شيء إلى أستاذ أو أساتذة لهم تلاميذ يؤمنون بقدرتهم على التغيير والإبداع وعلى التصدي لعمليات التشويه والتحريف والتزييف التي قامت بها ولم تتوقف مدرسة التاريخ الاستعمارية. بعبارة أكثر دقة، فإنها تحتاج إلى أكاديميين يمتلكون المنهجية وغير قابلين للاستدمار الفكري.»(2).

أهمية الوعي التاريخي في إعادة بناء الدولة

 لا شك أن إعادة بناء الدولة الجزائرية بعد استرجاع السيادة الوطنية، مشروعٌ كبير يتطلب جهودا مضنية في قطاعات عديدة كالاقتصاد، والتربية والتعليم والتكوين، والسياسة، والصحة، وغيرها من مجالات الحياة. غير أن الدكتور محمد العربي الزبيري يضيف عنصرا هاما إلى شروط النهضة، يندرج ضمن تكوين الموارد البشرية، ألا وهو “الوعي التاريخي” المنجِب للوطنية الصادقة، فرغم أهمية التكوين العلمي في نهضة الأمم، فهو – في نظر المؤرخ محمد العربي الزبيري- بحاجة ماسّة إلى دعمه بالوعي التاريخي الذي يعدّ حصنا حصينا للضمائر الحيّة، والوطنية العالية التي تجعل الفرد يتفانى في خدمة وطنه، بوَحْيٍ من ضميره الذي يستحضر التضحيات الجسام التي قدّمها الأجداد من أجل حرية الوطن وسيادته، فيتحاشى كل الانحرافات بوعي كبير.

ولتجسيد الوعي التاريخي على أرض الواقع، يقترح المؤرخ د. محمد العربي الزبيري تأسيس مدرسة تاريخية جزائرية وطنية تعمل على تحرير عقول الجزائريين من أفكار المدرسة التاريخية الاستعمارية ومن مصطلحاتها التحقيرية المُهينة لماضينا الزاخر بالأمجاد، واستبدالها بقراءة تاريخية موضوعية جزائرية الروح (3). ويرى أستاذنا الزبيري المتأثر بالمدرسة التاريخية الألمانية القويّة، أنه من الواجب التعامل مع تاريخنا بتبجيل كبير يلامس التقديس، مستشهدا بمقولة الفيلسوف الألماني “فيخته” التي جاء فيها: «إن التاريخ كالإنجيل، يُكتب ويُقرأ ويُدرس بنفس التقديس والإجلال.»(4).

حاجة المجتمع إلى الفكر النقديّ

من الإنصاف أن لا نختزل الدكتور محمد العربي الزبيري في مهنة التدريس فقط، فهو أيضا مثقفٌ يتجاوز أحيانا مجال تخصّصه المهنيّ، ليمارس وظيفة النقد البنّاء بقلمه من أجل ترقية الممارسة السياسة، فضلا عن ترقية العلوم الاجتماعية والإنسانية بالدعوة إلى تزويدها بمصطلحات علمية جديدة، تخلّصها من التبعية الأجنبية ومن مساوئ مصطلحات القراءة التاريخية الغربية المجحفة بتاريخنا الزاخر بالأمجاد والبطولات عبر التاريخ، وأكّد على ذلك بقوله: «… إن غضّ الطرف عن بقاء أساتذة العلوم الاجتماعية والإنسانية في حالة التّبعية الدائمة لما يصدر عن المدارس الأجنبية ومدرسة الاستدمار السابق على وجه الخصوص، سوف يحول بيننا وبين القدرة على تكوين الإنسان وفقا لمتطلبات الإنيّة والأصالة الضروريتين لتوفير شروط تحقيق الأمن الفكري.»(5).

وقد أعاب الزبيري على النخب الجزائرية تقوقعها في أطر تخصّصها، ونأيها عن تعاطي النقد المؤسس من أجل تلافي الانحراف السياسيّ، فكما أن الأدب لا يتطوّر إلاّ بالنقد الأدبيّ، فكذلك لا يتطور المجتمع السياسي إلّا بالنقد السياسيّ من لدن النخب الواعية. وأدّى هذا الخلل الفكري إلى تخلّي النخب عن دورها الطلائعي، ومن ثم صارت منفصلة عن جماهير المجتمع، وشرح ذلك بقوله :« وبديهيّ أن حالة التبعية تلك، هي التي قادت بالتدريج إلى انتشار المسخ الثقافي وعودة الهيمنة الأجنبية من جديد. كما أنها هي التي ولّدت تلك المواقف الغريبة لدى الكتّاب والأدباء والدارسين والباحثين الذين بدل الإبداع الحقيقيّ، صاروا يتستّرون بضرورة الانعزال عن السلطة، ممّا أدّى إلى عزل بعضهم عن بعض، وعزلهم جميعا عن جماهير الشعب الواسعة، التي كان من المفروض أن يلتحموا بها وأن يتفاعلوا معها بحثا عن أفضل الوسائل التي تجعل منهم طلائع الأمة، والتي تكسبهم ثقة الناس وتمكّنهم من تأدية دورهم كهمزة وصل بين الشعب وقياداته المختلفة.»(6). وتتّضح هذه الفكرة أكثر في قوله: «لا يمكن أن يكون عارفا بنفسه من يحتاج إلى لغة غيره للتعبير عن بعض حاجاته، ومن لا يعرف من بلده سوى مسقط رأسه، ولا يهتم بما يجري في دواليب الحكم، بل لا يعرف حتى نوع نظام الحكم الذي ينتمي إليه، ولا يفرّق بين هذا الأخير وبين السلطة بجميع أنواعها.»(7).

غياب الوعي التاريخي لدى الطبقة السياسية

من جهة أخرى أعاب د. محمد العربي الزبيري على مسيّري الشؤون العامة وتدبير مؤسسات الدولة، القيام بمهامهم من دون إلمام بـ”الوعي التاريخي” الضروري لقيادة الأمّة نحو برّ الأمان، ولبناء مستقبل زاهر يستجيب لتطلعات الجماهير التوّاقة إلى الرّقي والازدهار، يتجلى ذلك في قوله: «… هل يمكن أن تحدث نهضة فكرية في بلادنا من دون العودة إلى التراث الوطني، يُستنطق بكلّ شجاعة قصد توظيف إيجابياته وسلبياته حتى تكون الانطلاقة سليمة، أصيلة، ومن أرضية صلبة؟ الإجابة على مثل هذا السؤال ليست بالأمر الهيّن، خاصة ونحن نعلم أن جلّ الفاعلين في نظام الحكم يرفضون لأسباب متعدّدة إعادة الربط مع الماضي، لجهلهم بأن إدارة الظَّهر لكنوزه الثمينة والمتنوّعة، يترتّب عنه حاضر مشوّش، ومستقبل غير مضمون. لكنّنا مع ذلك نؤكّد أن نجاح أيّ نهضة فكرية، مرهون بمدى القدرة على إعادة كتابة التاريخ، لأن الأمم لا تتكوّن إلاّ من طينة تاريخها الغابر. وحينما تُفقد الذاكرة فإنها (أي الأمّة) تتعرّض للذوبان في غيرها، وهو الأمر الذي حاربته أطراف الحركة الوطنية في الجزائر مدّة مائة واثنتين وثلاثين سنة.»(8).

جهوده الفكرية لدحض المصطلحات التاريخية الاستعمارية

 بذل المؤرخ محمد العربي الزبيري جهودا فكرية ليدحض بالحجة العلمية، افتراءات المدرسة التاريخية الاستعمارية ومصطلحاتها الكاذبة، التي لا تزال تؤثر في أذهان بعض شبابنا في غفلة من نخب المجتمع، فقد أشاعت فرنسا المعتدية أن قوات الاحتلال الفرنسي قد جاءت سنة 1830م لتأديب الداي، إثر تعرّض قنصلها دوفالDeval Pierre للإهانة، ثم تعود وتنسحب. ووصفت فرنسا الفترة العثمانية من تاريخنا بكونها “احتلالًا تركيًّا”، كما أدرجت المدرسة التاريخية الاستعمارية نشاط الأسطول البحري الجزائري في تلك الفترة ضمن “القرصنة”، واعتبرت بحارته “قراصنة خارجين عن القانون”!

من الطبيعي أن يتصدّى المؤرخ محمد العربي الزبيري لهذه الأكاذيب، فبيّن بالحجة والدليل أن الدولة التركية القومية الطورانية لم تظهر إلاّ سنة 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك. أما الإمبراطورية العثمانية التي كانت الجزائر ضمنها روحيا ورمزيا، فهي امتدادٌ للخلافة الإسلامية التي لم يكن الحكم فيها خاضعا للعرقية. وأكّد أن وجود عائلات في سدة الحكم خارج أوطانها كان أمرا عاديا في ذلك الزمن، واستدلّ على ذلك بتأسيس إدريس السنوسي الجزائري مملكته في ليبيا ظلت قائمة إلى سنة 1969م(9). كما أشار في هذا السياق أيضا إلى عدد من عائلات أوروبية حكمتْ وسادت خارج أوطانها، قائلا: «والتاريخ الأوروبي كذلك حافل برؤساء الدول والملوك والأباطرة الذين ينتسبون إلى بلدان غير البلد الذي يسيّرون شؤونه، وعلى سبيل المثال فقط نذكر العائلة الحاكمة في اسبانيا اليوم، والتي هي فرع من عائلة “البوروبون” الفرنسية. وعائلة نابليون إيطالية الأصل التي أعطت فرنسا الإمبراطور بونابرت والإمبراطور نابليون الثالث. ثم هناك الجنرال ديغول محرّر فرنسا من الاحتلال الألماني، فهو من أصل إيرلندي ولا يُخفي ذلك. وهاهو ساركوزي ينتخب رئيسا للجمهورية الفرنسية وهو من أصل مجري.» (10).

أمّا مصطلح “القراصنة”، فقد دحضه بإبراز حقيقة نشاط الأسطول البحري الجزائري المتمثل في “الجهاد البحري” لإنقاذ مسلمي الأندلس، و«للدفاع عن بلاد المغرب الإسلامي التي كانت محطّ أطماع إسبانيا والبرتغال على وجه الخصوص.»(11).

وبالنسبة لطبيعة العلاقات بين الدولة العثمانية والإيالة الجزائرية، فقد كانت روحية ورمزية، تتمتع فيها الجزائر بهامش كبير من الحرية والسيادة، بدليل أن دايات الجزائر كانوا كثيرا ما يتّخذون مواقف إزاء الدول الأوروبية مخالفة لمواقف الدولة العثمانية، وأعطى الدكتور محمد العربي الزبيري مثالا على ذلك، ذاكرا موقف داي الجزائر الداعم للثورة الفرنسية، في حين كان السلطان العثماني ضمن التكتل الدولي المحاصِر لفرنسا (12). كما أورد الدكتور الزبيري تصريح الحاج أحمد باي حاكم قسنطينة الذي قاوم الاحتلال الفرنسي بشراسة ورفض مغادرة التراب الجزائري: «ليس لي وطنٌ غير الجزائر، ليس لي دينٌ غير الإسلام، وليس لي لغة غير العربية.»(13).

أما بهتان المدرسة التاريخية الاستعمارية التي رضع منها الجنرال ديغول، الناكرة لوجود الدولة الجزائرية عبر التاريخ، فقد ردّ عليه الدكتور الزبيري ردّا مفحما، جاء فيه: «ليست الجزائر كيانا حديث النشأة، فمنذ أيّام ماسينسا المؤسس الأول للدولة النوميدية، ويوغرطا رائد المقاومة ضد السيطرة الرومانية، أخذ الإطار الجغرافي يتحدّد في معالمه الكبرى، وبدأ الطابع الوطنيّ يبرز ويتأكّد باستمرار خلال التطور الذي شهدته الجزائر في حقبة من التاريخ تزيد عن عشرين قرنا.»(14).

مصطلح “الحركة الوطنية” نتاج المقاومة الشعبية الجزائرية

جاء ضمن أكاذيب الاستعمار الفرنسي الهادفة إلى تزييف تاريخنا المجيد، أن إصلاحات الدولة الفرنسية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى، كانت سببا في ظهور الحركة الوطنية الجزائرية في التراب الفرنسي أوّلا قبل انتقالها إلى الجزائر. ومازالت هذه المقاربة الاستعمارية الخاطئة تدرَّس في مناهج مدارسنا. وحينما يعود المرء إلى ديوان تاريخ الجزائر، سيتأكد أن الحركة السياسية الوطنية قد بدأت مباشرة مع نزول جيش الاحتلال الفرنسي بشبه جزيرة سيدي فرج في شهر جوان 1830م. ويُعدُّ حمدان بن عثمان خوجة في رأي الدكتور محمد العربي الزبيري: «من ألمع وجوه المقاومة السياسية في بلادنا» (15)، إذ قدّم مذكرة احتجاج للدولة الفرنسية سجّل فيها جرائم جيشها في الجزائر سمّاها “المرآة”، وكانت جهوده هذه سببا في تشكيل “اللجنة الإفريقية” وإرسالها إلى الجزائر للتحقيق في جرائم جيش الاحتلال، وقد اقتنعت هذه اللجنة بصحَّة ما ورد فيها، لكن الحكومة الفرنسية غضّت النظر عن جرائم جيشها الغازي الذي ضرب بتعهُّداته للجزائريين عرض الحائط. وكتب الدكتور محمد العربي الزبيري في هذا السياق ما يلي: «والحقيقة أن الحركة الوطنية الجزائرية قد وُلدت مباشرة مع وقوع الاحتلال الفرنسي. ولقد رفعنا هذا الشعار منذ تأسيس المركز الوطني للدراسات والبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر1954م، وهو اليوم واقع مقبول ومتّفق عليه، بل إن الدراسات الأكاديمية ذاتها قد تبنّته وهي تجري في معظمها طبقا لذلك. إن إرجاع تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية إلى سنة ثلاثين وثمانمائة وألف، أمر طبيعيّ لأن الاعتداء وقع على الوطن في ذلك التاريخ، ومباشرة بعد اتفاق الخامس يوليو1830 بدأت المقاومة بأوجهها المتعدّدة، إذ كانت سياسية وعسكرية ثم اجتماعية واقتصادية، وكلّ هذه الأوجه هي مكوّنات الحركة الوطنية، وهو واقع يكذّب الإدّعاءات التي تحدّد لها تواريخ أخرى، ويكذّب كذلك المزاعم التي تجعل الهجرة إلى فرنسا هي منبتها.»(16).

دعوته إلى إعادة ترجمة بيان أوّل نوفمبر 1954

من أعماله الفكرية الجديرة بالذكر، دعوته إلى إعادة النظر في ترجمة بيان أول نوفمبر 1954م إلى العربية، بعد أن لاحظ أن الترجمة الأولى التاريخية يكتنفها بعض الخلل، منها على سبيل المثال كلمةRestauration التي تُرجمت بكلمة “إقامة”، والصواب في رأيه أن تُترجم بعبارة “إعادة بناء الدولة”، لأن الدولة الجزائرية كانت قائمة قبل تعرّضها للعدوان الفرنسيّ سنة 1830م. وقد حظي بيان أول نوفمبر 1954م باهتمام الدكتور محمد العربي الزبيري، فخصّص له دراسة تفصيلية (39 صفحة) أبرز فيها أهمية البيان المستوحى من روح الحركة الوطنية الاستقلالية. وبعد أن أدّت الترجمة الأولى دورها في سياقها التاريخي رغم نقائصها، اقترح إعادة ترجمة البيان إلى العربية بطريقة علمية دقيقة، تتوافق مع النص الأصلي المكتوب باللغة الفرنسية، وهذه فقرة من اقتراحه: «… بهذا الصدد ارتأينا أن نورد على سبيل المثال مجموعة من الكلمات التي أدى سوء ترجمتها إلى تغيير المعنى المتوخى منها، وتباعا أضعف النص وأحدث خللا فيه؛ ففي الصفحة الأولى هناك: Proclamation التي عُرّبت بـ: “الإعلان” بدلا من “البيان”. ثم:Programme التي عُرّبت بـ: “المشروع” بدلا من “البرنامج”. و:vues Le bien fonde′ de nos التي عُرّبت بـ:”مقوّمات وجهة نظرنا الأساسية” بدلا من “صواب رؤيتنا”. و: Apres des décades التي عرّبت: “بعد مراحل من الكفاح”، بدل من :”بعد عقود”. و: Les problèmes mineurs التي عُرّبت بـ: “المشاكل الثانوية” بدلا من: “المشاكل الصغيرة”. أمّا في الصفحة الثانية، فهناك إغفال ترجمة نصف جملة بأكملها إلى جانب Les compromissions التي عُرّبت بـ: “التنازلات” بدلا من “الشبهات”. وLes patriotes التي عُرّبت بـ: “المواطنين” بدلا من “الوطنيين”. وفي الصفحة الثالثة إغفالات أخرى إلى جانب: Les édits et les décrets التي عُرّبت بـ: “الأقاويل” و”القرارات” بدلا من: “الأوامر السلطانية” و”المراسيم”. و: La charte التي عُرّبت: “وثيقة” بدلا من “الميثاق.»(17).

كان الدكتور محمد العربي الزبيري -رحمه الله- ناقدا متمسّكا بسلطة العلم والقلم، جريئا في طرح أفكاره الخاصة بقراءة تاريخنا قراءة موضوعية تنسجم مع قواعد علم التاريخ وتتماهى مع الوطنية الصادقة. وقد تكون هذه الميزة سببا في معاناته من التهميش الموجِع، من دون مراعاة مكانته العلمية المرموقة التي أثْرت المكتبة الجزائرية بكتب تاريخية عديدة، عالج فيها موضوعات المقاومة الجزائرية في القرن 19م، والثورة التحريرية الكبرى، والساحة السياسية في عهد الاستقلال، بأساليب أكاديمية موضوعية، من دون مجاملة لأيّ جهة كانت.

وقد أكّد الدكتور الزبيري أن هذه الأخطاء ليست شكلية كما يتصوّر البعض، فهي تجعل الناس يسيئون فهم جوهر البيان الذي أحسن محررّوه بالفرنسية، اختيار المصطلحات والمفاهيم السياسية الدقيقة التي تتماهى مع عظمة الثورة، وكتب في هذا السياق: «…فالتساهل مع هذه الأخطاء، هو الذي سمح بالخلط بين: “الحصول على الاستقلال”، و”استرجاعه”، وبين “إقامة الدولة الجزائرية”، و”إعادة بنائها”. كما أنه هو الذي غيّب بالتدريج التعابير والمصطلحات الثورية في أدبيات جبهة التحرير الوطني.»(18).

ورغم أهمية اقتراحه، لم يأخذ به أهل الحل والعقد كما قال، وهو ما جعله يشعر بالخيبة والإحباط، ويرحل عنّا وفي حلقه غصّة وفي قلبه حسرة.

جذور الأزمة السياسية في الجزائر

 كتب المؤرخ محمد العربي الزبيري كثيرا عن الأزمة السياسية في الجزائر التي حالت دون نجاح الحكومات المتعاقبة في إعادة بناء الدولة الجزائرية بمعايير نوفمبرية (19). ويرى أن جذور الأزمة لا تعود إلى مؤتمر الصومام ولا إلى اتفاقيات إيفيان كما يتصوّر البعض، بل تعود إلى طبيعة النظام السياسي الذي أقيم غداة الاستقلال سنة 1962م؛ فمؤتمر الصومام (1956م) كان ناجحا في رأيه، إذ استطاع أن يدعم الثورة بمؤسسات سياسية جسّدت مبدأ القيادة الجماعية، ونظّم المجاهدين المسلحين في هيئة عسكرية حديثة تنجسم مع طبيعة النشاط العسكري، وقال في هذا السياق: «لقد كان مؤتمر “وادي الصومام” محطة أساسية في تاريخ الثورة الجزائرية، هيكلَها ووحّد قواعدها انطلاقا من بيان أوّل نوفمبر، ثم وحّد فيها الرتب العسكرية من دون أن ينقص من منظومة أفكارها. لكن المناهضين بكلّ أنواعهم حاولوا ومازالوا يحاولون الاستنقاص من قيمة المؤتمر، لأن منطقة الأوراس يومها لم تتمكن من المشاركة في الأشغال بسبب استشهاد قائدها مصطفى بن بولعيد، ولأن مندوبية الخارج لم تشارك أيضا، بحجّة عدم توفير أسباب النقل إلى مكان الاجتماع، وفي الواقع فإن الحجّتين مردودتان، لأن الاستشهاد في حكم الله، ولأن المسؤولين عن التنظيم لم يكن في إمكانهم توفير وسائل النقل للجميع، خاصة وأن مكان انعقاد المؤتمر قد تغيّر مرّات عديدة.» (20).

أما اتفاقيات إيفيان فلا لبس ولاغضاضة فيها لأنها أكّدت في رأيه: «أن الدولة الجزائرية تمارس سيادتها المطلقة في الداخل والخارج، وفي جميع الميادين، خاصة منها الدفاع الوطنيّ والسياسية الخارجية.» (21).

الملاحظ في كتابات الدكتور محمد العربي الزبيري أنه متأثرٌ بأفكار محمد الشريف ساحلي، ومولود قاسم نايت بلقاسم التجديدية في مجال تنظير التاريخ، فقد أخذ عن الأوّل فكرة Décolonisation de L′histoire (تطهير التاريخ من القراءة الاستعمارية)(1)، وأخذ عن الثاني تبجيله للوعي التاريخي، وبعض المصطلحات الفكرية التي أنتجها، كـ”الاستدمار” بدل الاستعمار، والإنيّة التي تعني الهوية، علما أن بين الرجلين صداقة متينة.

وعليه، يعود السبب الرئيسيّ في رأي الدكتور محمد العربي الزبيري إلى إخفاق الحكومات المتعاقبة، في إعادة بناء الدولة الجزائرية على أسس بيان أول نوفمبر، إلى الانقلاب على الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي كانت تطفح بكفاءات سياسية كبيرة من آفاق سياسية متنوعة، ذات تجربة واسعة في الممارسة السياسية، وإلى تهميش القادة الكبار الذين أوصلوا ثورة نوفمبر إلى برّ الأمان، من أوزان محمد بوضياف، وحسين آيت أحمد، وكريم بلقاسم، ومحمد خيضر، بل أكثر من ذلك تمّت تصفية القائدين الأخيرين في ظروف غامضة(22)، وتمّ إسناد المسؤولية إلى أناس لم يتخّرجوا من مدرسة الحركة الوطنية، وقال في هذا السياق: «ولِمَنْ يعود بالدرس والتحليل لما حدث ومازال يحدث في الجزائر، يتأكّد من أن نظام الحكم الذي جاء بعد الانقلاب المذكور، إنّما هو من فَتح الأبواب واسعة أمام الغزو الثقافي وعودة الاحتلال الفرنسيّ يعشِّش ويفرّخ في جميع الميادين، حتى أن الإنسان لا يصدّق أن البلاد قد تخلّصت من الهيمنة الأجنبية، وأن الاحتلال الفرنسيّ لم يعد موجودا، خاصة عندما ننظر إلى الدوائر العليا التي لم تعد تخفي انتماءها إلى فرنسا، والتي أصبحت لا تتحرّج في إسناد مناصب المسؤولية إلى كلّ من تُشتمّ فيه رائحة التبعية والقبول، وذلك في جميع الميادين، وهو الأمر الذي صار يدفع الأجيال الصاعدة إلى التكلّف خوفا من التهميش.» (23).

من الطبيعي أن يتصدّى المؤرخ محمد العربي الزبيري لهذه الأكاذيب، فبيّن بالحجة والدليل أن الدولة التركية القومية الطورانية لم تظهر إلاّ سنة 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك. أما الإمبراطورية العثمانية التي كانت الجزائر ضمنها روحيا ورمزيا، فهي امتدادٌ للخلافة الإسلامية التي لم يكن الحكم فيها خاضعا للعرقية. وأكّد أن وجود عائلات في سدة الحكم خارج أوطانها كان أمرا عاديا في ذلك الزمن.

المصالحة الوطنية

كان الدكتور محمد العربي الزبيري- الذي يقرأ الواقع بعين المؤرخ- مؤيّدا لفكرة “المصالحة الوطنية”، لكنه تعمّق في ذكر حيثيات الأزمة ولم يختزلها في كونها إجراء أمنيًّا فقط، بل أعاد جذورها إلى المعطيين الثقافي والسياسيّ، فهو مُدركٌ بحكم وعيه التاريخي أن الظلم من قِدَم للظلم جلَّاب كما أخبرنا عبد الرحمن بن خلدون. نستشفّ ذلك من قوله: «… فالمصالحة الوطنية الجزائرية لا تعني فقط تعايش تيارات سياسية مختلفة المشارب الفكرية أو متناقضة في بعض الأحيان، كما أنها لا تتوقف عند رفع حالة الطوارئ المفروضة على المجتمع منذ سنوات عديدة، وإزالة مظاهر الاضطهاد والاستبداد والملاحقة التي يعاني منها آلاف المعبّرين عن معارضتهم، بل إنها عملية إستراتيجية شاملة تستهدف الإنسان والمجتمع في آن واحد، وترمي – زيادة على كل ما ذكرنا- إلى توفير العوامل المعنوية والمادية التي تتيح للمواطنات والمواطنين فرصة التصالح مع ذواتهم، وإمكانية الحصول على ضمانات اجتماعية وثقافية واقتصادية ضرورية لتحقيق المستقبل الأفضل، في إطار دولة القانون. إن المصالحة الوطنية التي تنتظرها جماهير الشعب الواسعة، تبدأ من قبول الآخر بجميع علاّته، وإعمال الرأي بدل العنف للتحاور معه باعتباره طرفا كامل الحقوق والواجبات.» (24). ثم خلَص إلى اقتراح علاج مؤداه: «ومن هذا الباب فإن المصلحة الوطنية تقتضي من أصحاب الحلّ والربط في البلاد، أن يولوا عناية كبيرة لتنشيط الحياة الثقافية والفكرية، انطلاقا من إعادة نشر إنتاج السّلف وتوظيفه بمنهجية علمية تجعله أساسا متينا لعهد جديد، يكون متميّزا بتحرير المواهب وتشغيل العقول وتنشيط الذهنيات وتخليصها من عُقد النقص، زيادة إلى إخصاب الأفكار، وما إلى ذلك من عوامل الرقي والتقدم والاستقرار والاعتماد على النفس.» (25).

لقد رحل أستاذنا الدكتور محمد العربي الزبيري رحمه الله عنّا وفي قلبه حسرة، جرّاء عدم إنزال التاريخ منزلته المرموقة في المجتمع، وتتجلى هذه الحسرة في قوله: «إنني أخجل من نفسي عندما يُبدي المتعلمون والمسؤولون في بلدي جهلهم بتاريخهم ولا يستطيعون سرد مراحله بكلّ طلاقة.»

الخاتمة

وما هذا المقال إلاّ غيضٌ من فيضِ أفكار الدكتور المؤرخ محمد العربي الزبيري المسكون بالوعي التاريخي وحبّ الوطن، كتبتُه بعُجالة في سياق التأبين. لقد رحل أستاذنا عنّا وفي قلبه حسرة، جرّاء عدم إنزال “التاريخ” منزلته المرموقة في المجتمع، وتتجلى هذه الحسرة في قوله: « إنني أخجل من نفسي عندما يُبدي المتعلمون والمسؤولون في بلدي جهلهم بتاريخهم ولا يستطيعون سرد مراحله بكلّ طلاقة.» (26).

ومن المنتظر أن ترعى الجامعة الجزائرية في المستقبل كتاباته الفكرية الهادفة إلى تخليص تاريخنا من القراءة الاستعمارية ومصطلحاتها المشوِّهة له، وإلى تعميم الوعي التاريخي الضروري لنهضة الوطن.

الهوامش

1- Mohamed chérif Sahli, Décoloniser L′histoire,enterprise algérienne de presse,1986,P.121.

2- محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء، كوكب العلوم، الطبعة الأولى، 2021م، ص.14

3- نفسه، ص.24.

4- محمد العربي الزبيري، مقاومة الحاج أحمد باي واستمرارية الدولة الجزائرية، كوكب العلوم، طبعة 2023، ، ص. 33.

5- محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء، ص.23.

6- نفسه، ص.23.

7- محمد العربي الزبيري، أسباب فشل نظام الحكم في إعادة بناء الدولة الجزائرية، دار بهاء الدين للنشر والتوزيع، 2021، ص.24.

8- – محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء ص.17.

9- محمد العربي الزبيري، مقاومة الحاج أحمد باي واستمرارية الدولة الجزائرية، ص.148.

10- نفسه، ص.147 .

11- نفسه، ص.149.

12- محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء، ص.26.

13- محمد العربي الزبيري، مقاومة الحاج أحمد باي واستمرارية الدولة الجزائرية، ص.147.

14- نفسه، ص.37.

15- حمدان بن عثمان خوجة، المرآة، تقديم وتعريب وتحقيق محمد العربي الزبيري، sned، 1975م.ص.29.

16- محمد العربي الزبيري، مقاومة الحاج أحمد باي واستمرارية الدولة الجزائرية، ص.241.

17- محمد العربي الزبيري، حزب جبهة التحرير الوطنيّ من الشرف إلى العلف، دار الأمة، 2014م، ص.286.

18- نفسه، ص.286.

19- محمد العربي الزبيري، أسباب فشل نظام الحكم في إعادة بناء الدولة الجزائرية.

20- ، نفسه، ص.46.

21- محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء، ص.140.

22- نفسه، ص.163.

23- نفسه، ص.140.

24- محمد العربي الزبيري، أسباب فشل نظام الحكم في إعادة بناء الدولة الجزائرية، ص.17.

25- نفسه، ص.19.

26- محمد العربي الزبيري، الزعيم الكبير وصغار الزعماء، ص 34.

مقالات ذات صلة