منوعات
يقدمها كتاب "المقدّس في الدساتير العربية" للباحث بوسعدية:

قراءة في حضور الدين والهوية داخل النص الدستوري العربي

الشروق أونلاين
  • 54
  • 0

بمناسبة انطلاق الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، يقدّم الكاتب والباحث الجزائري محمد سعيد بوسعدية مؤلفه الجديد “المقدّس في الدساتير العربية”، الصادر في إطار اهتمامه بقضايا القانون الدستوري وتطور المؤسسات السياسية وعلاقة الدين بالسلطة.

ويأتي هذا العمل ليضيف مقاربة مقارنة إلى المكتبة العربية، من خلال دراسة حضور المسائل الدينية والهوياتية في الدساتير العربية، وما تعكسه من تصورات بشأن طبيعة الدولة ومصادر شرعيتها ومرجعياتها القانونية والثقافية، ومقارنتها مع دساتير إسلامية غير عربية وأخرى عالمية منتشرة في القارات الخمسة.

يحمل الكتاب عنوانا يفتح بابا واسعا للتساؤل حول العلاقة بين المقدّس والدستور: فكيف تنتقل المرجعيات الدينية والهوياتية من المجال الاجتماعي والثقافي إلى نصوص قانونية-دستورية تؤسس المبادئ العامة للدولة وتحدد بعض ثوابتها؟ وما الوظائف التي يؤديها هذا الحضور الديني في بناء الشرعية الدستورية وتوجيه الاختيارات التشريعية؟

لا يتعامل المؤلف مع المقدّس باعتباره مفهوما دينيا خالصا، وإنما ينطلق في فصل تمهيدي من تأصيل لغوي وتاريخي وأنثروبولوجي يساعد على فهم دلالاته وتحولاته، مع التمييز بين المقدّس والمحرم والمحظور والمدنس والنجس، والانتباه إلى أن أشكال التقديس قد تتجاوز المجال الديني لتشمل رموزا وقيما وهويات جماعية. وحتى رموز وطنية كالعلم على سبيل المثال. ومن هذا المدخل المفاهيمي، ينتقل البحث إلى دراسة الدساتير العربية بمنهج وصفي وتحليلي وتاريخي ونقدي، مستكشفا الكيفية التي تُدرج بها النصوص التأسيسية المرجعيات الدينية والهوياتية ضمن البناء الدستوري للدولة.

1- الدين والهوية في صلب النصوص الدستورية

يتناول الكتاب عددا من المسائل التي تحتل موقعا بارزا في النقاش الدستوري العربي، من بينها النص على الإسلام دينا للدولة، ومكانة الشريعة الإسلامية في التشريع الوني، والعلاقة بين المرجعية الدينية والقانون الوضعي، فضلا عن قضايا اللغة والهوية الوطنية والأوقاف والمؤسسات الدينية والزكاة والأحوال الشخصية والقسم وشروط الترشح، وغيرها من الأحكام المتصلة بالدين والموروث الثقافي والاجتماعي. وتكتسب هذه المسائل أهميتها من كونها لا تعبر عن هوية الدولة وفقط، ولكن تتصل أيضا بتحديد الإطار المرجعي الذي تتحرك ضمنه المؤسسات الدستورية والتشريعية، وبطبيعة العلاقة بين المكونات الدينية والهوياتية من جهة، ومبادئ التنظيم القانوني والسياسي من جهة أخرى.

ويعتمد المؤلف مقاربة مقارنة تشمل كل الدول العربية بما فيها السلطة الفلسطينية والصحراء الغربية المحتلة، وذلك من خلال دراسة دساتيرها وتتبع تطور أحكامها ذات الصلة بالمقدس، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والسياسية والاجتماعية لكل تجربة. ولا تقتصر الدراسة على رصد المواد الدستورية وتحليلها ونقدها، وإنما تهتم أيضا بظروف نشأة الدساتير ومسارات إعدادها، وبالفاعلين السياسيين والاجتماعيين الذين أسهموا في تشكيل مضامينها، وهو ما عبر عنه الباحث بصناعة الدساتير.

قد نُظّمت الفصول 23 وفق ترتيب أبجدي للدول العربية باللغة الأنكليزية، بما يتيح للقارئ الرجوع إلى كل تجربة على حدة، ثم الانتقال في الفصل النهائي إلى المقارنة العامة التي تستخلص أوجه التشابه والاختلاف بين النماذج الدستورية العربية المدروسة، والتساؤل عما إذا كان ظاهرة المقدس عربية خاصة أم منتشرة في عديد الدساتير بالقارات الخمسة.

2- من النص القانوني إلى فهم الدولة والمجتمع

تتمثل إحدى نقاط الاهتمام في هذا العمل في الجمع بين التحليل القانوني للنصوص وقراءتها في سياقاتها التاريخية والسياسية. فالدستور، في هذه المقاربة، ليس مجرد وثيقة تحدد اختصاصات السلطات العامة وتنظم عمل مؤسسات الدولة، وإنما هو أيضا نص تأسيسي يكشف عن التصورات التي تتبناها الدولة بشأن هويتها ومرجعياتها ومصادر شرعيتها. ومن ثم، يتيح الكتاب النظر إلى الحضور الديني في الدساتير العربية بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية. كما يفتح المجال للتساؤل عن حدود العلاقة بين الاعتراف الدستوري بالمرجعية الدينية ومتطلبات التشريع الحديث والحقوق والواجبات المتعلقة بالمواطنة، وعن الكيفية التي تتفاعل بها الثوابت المعلنة مع التحولات التي تعرفها المجتمعات العربية.

ويأتي هذا المؤلف امتدادا لمسار بحثي اشتغل فيه الباحث محمد سعيد بوسعدية على القانون الدستوري والمؤسسات التشريعية والإسلام السياسي، من خلال مؤلفات تناولت تطور المؤسسة التشريعية في الجزائر، والتحولات التي عرفتها الدساتير الجزائرية، وتجربة احتواء الإسلام السياسي من قبل السلطة. ويعكس الكتاب الجديد انتقالا من دراسة المؤسسات والحركات السياسية إلى فحص أحد الأسس المرجعية التي تؤطر عمل الدولة وتحدد ملامح هويتها الدستورية .

ومع انطلاق الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، يضع “المقدّس في الدساتير العربية” بين أيدي الباحثين والمهتمين بالقانون الدستوري والفكر السياسي وقضايا الدين والدولة مادة للمقارنة والنقاش، سعيا إلى تعميق فهم العلاقة بين النص الدستوري والمرجعيات الدينية والهوياتية في العالم العربي، بعيدا عن الاكتفاء بالأحكام العامة أو القراءات المجردة من سياقاتها.

للإشارة، فإن الكتاب صادر عن دار نشر مؤسسة أوكسجين، ويتم عرضه بجناح فلسطين في الرواق ” C29 “. ق.ث

مقالات ذات صلة