قرّرنا الإنجليزية… فهل نلتفت إلى واقع العربية في المدرسة؟
الآن وقد وضعت معركة دحرجة الفرنسية في مستوى الابتدائي أوزارها لصالح تقديم الإنجليزيّة، على أمل تصعيدها مستقبلاً إلى الطور المتوسط باعتبارها لغة أجنبية ثانية، ولقي قرار السلطات العمومية ترحيبًا من المجتمع الجزائري بمختلف مكوّناته النخبوية والقطاعية، خاصة المنتمين منهم إلى التعليميْن العامّ والعالي، تقديرا لأهمية هذه اللغة الحيّة في عصر العولمة، فإنه صار حريًّا بنا العودة إلى الواقع التربوي والجامعي والاجتماعي، لمعاينة حال اللغة العربية أولا حتى لا نضيع وسط الانتقال اللغوي.
إذا كنّا نتقاسم مبدئيًّا الموقف مع المنتصرين لأولوية الإنجليزية على الفرنسية في كافة المستويات التعليمية، مع مراعاة شروط التحول اللغوي التدريجي وفق رؤية بيداغوجية علميّة، فإنّ الواقع يفرض تبديد الكثير من نقاط الظلّ، بل وتصحيح تصوُّرات خاطئة عن علاقة اللغات الأجنبية بالتعليم والإبداع وتقدّم الدول.
إنّ اللغة الأجنبية، أيًّا كانت، ليست وحدها مفتاح عبور مضمون نحو التقدم والإزدهار، إنما هي جسر تواصل إنساني وتحصيل علمي في أحسن الأحوال، وعندما تتحوّل إلى وعاء ثقافي لتشكيل الوجدان والفكر والسلوك تصبح أداة تغريب واستلاب.
إذا كان هناك من يعتقد أنّ إحراز النهضة مرهونٌ أساسا بلغةٍ أجنبية، فإنّ سلم التنمية الصادر سنويّا عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي يدل على أن البلدان الأقل تنمية في العالم هي التي تستعمل لغةً أجنبية، لغةَ عمل أو لغة رسمية، بينما الأفضل على مؤشرات التنمية هي تلك التي تستعمل لغتها الأم، بل تندر فيها المدارس الأجنبية، على غرار النرويج وفنلندا والدانمارك.
بالمقابل تبقى البلدان الإفريقية والعربية مثلا متخلفة، رغم تبديل غالبيتها للُغتها باللسان الأجنبي، خاصة الفرنسي، وتدريسه في مراحل مبكرة والتعليم به، في وقت يتقدم فيه الكيانُ الصهيوني واليابان والصين وكوريا الجنوبية وغيرهم كثير بلغاتهم الأمّ، باعتبارها الوحيدة القادرة على تفتيق الإبداع في أفرادها، ويُستثنى من ذلك الحالات الشاذّة من مخترعين وعلماء.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ حلّ أزمة المنظومة التربوية لن يكون بتقرير لغة أجنبية ما أو تقديمها أو تأخير أخرى، لأنّها قضية جزئية محدودة، قياسًا بحالة المدرسة الجزائرية التي لا تزال تبحث عن الإصلاح الشامل.
إنّ سرد هذه المعطيات ليس للاعتراض على إدراج الإنجليزية في الطور الابتدائي ولا لتقديم خدمة مجانية لبقاء الفرنسية المتهالكة، بل لنقول إنّ الوضع المعقّد يفرض التفكير العميق لتأمين نجاح الانتقال اللغوي في الجزائر، وفي الآن ذاته العمل بفعالية على ترقية اللغة العربية، حتى لا نضيّع المزيد من الوقت في تجارب متعثّرة.
كما يتحتم على وزارة التربية مراجعة مقررات العربية ومناهجها ومعاملاتها وتكوين أساتذتها في اتجاه التمكين لها وسط الناشئة، خاصة في ظل تشوه اللسان وحروف الكتابة بانتشار وسائط التواصل الاجتماعي، ما أدّى إلى انحدار استعمال الفصحى حتى داخل الأقسام التربوية ومدرجات الجامعة.
صحيح أن ترسيخ اللغة العربيّة وترقيتها في الفضاء العام مسؤولية مشتركة بين كل المؤسسات العموميّة ذات الصلة، خاصة دور الإعلام بكل أشكاله، وهو حاليا يساهم في تلويثها بصورة استفزازية، من دون أي تدخل من الجهات الرقابية والضبطية، لكن يبقى الدور الأساسي منوط بالتعليم العام، لأنّه الحاضنة الأولى في التنشئة الاجتماعية.