الجزائر
"الشروق" تنقل قصص مقتفي الأثر بصحراء الأغواط

“قصاصي الجرة” كشفوا خدعة هتلر فتوعد بتحويلهم إلى صابون

الشروق أونلاين
  • 14708
  • 29
الشروق
صحفي الشروق رفقة الرق محمد

يعتقد كثير من الناس أن هامش صدق توقعات مقتفي الأثر، ضئيل إلى حد ما، معتبرين ذلك مجرد إيحاءات وخزعبلات لا طائل منها، ولا يعتدّ بها في كل الأحوال، ولئن فنّد ذلك الواقع المعاش في كثير من المحطات، ومعلوم أن بدو العرب خصوصا انفردوا بهذا الفن دون غيرهم، سلاحهم في ذلك الفطنة والذكاء ودقة الملاحظة، وبها بلغوا مراتب راقية، بعد تخليدهم لوقائع يرقى أحايين كثيرة إلى مستوى الخوارق والأساطير.

 

يحتل مقتفو الأثر في البوادي، أو كما يطلق عليهم باللهجة الدارجة

 قصّاصي الجُرّةمكانة كبيرة، نظير ما يقومون به من أعمال خيرية، تساهم بالقسط الوافر في استقرار مجتمعاتهم، من خلال الكشف عن أسرار مختلف الأنشطة المشبوهة المحيطة بمناطق تواجدهم، ومعلوم أيضا أن أشهرقصّاصي الجرّةبولاية الأغواط، يمثلهم أعضاء فرقةالسبيعاتمن عرشالمخاليفببلدية سيدي مخلوف، يستدعون كلما كانت الحاجة إلى خدماتهم، ويتميزون بمهارات خاصة، تمكنهم من الكشف عن المراد، وتحديد الأثر المقتفى بشكل سليم، معتمدين في ذلك على الملاحظة، والموهبة، والخبرة المكتسبة، المتوارثة أبا عن جد، والجميل في كل هذا أن المعنيين كانوا سندا قويا لثورة التحرير الكبرى، قبل مساهمتهم في مكافحة الإرهاب، باستغلالهم من قبل قوات جيش التحرير وسليله الجيش الوطني الشعبي في المناطق الساخنة إبان ثورة التحرير وخلال عشرية الدم.

 

“قصاص الجُرّة” يميز الأعمى من البصير والرجل من المرأة

فن من الفنون وواحد من الأساليب المؤدية لاكتشاف حوادث غامضة في المجتمع البدوي، على غرار حوادث السرقة مثلا، وما زاد من أهمية ذلك، طبيعة الأراضي البور خاصة الصحراوية منها، التي تحتفظ بأثر أقدام الإنسان والحيوان، بسهولة تامة، لطبيعتها الرملية، وقيافة الأثر هي الاستدلال بآثار الأقدام والحوافر وغيرها.

وفي ذلك ذكر لناالهاشمي.حأحد المشهورين في اقتفاء الأثر، أنه يمكن تمييز الرجل من المرأة والحامل من غيرها والأعمى من البصير، وحتى بالنسبة للمواشي يمكن التمييز بين آثار الكبش أو الشاة، وإن كانت عرجاء أو حامل من عدمه.

 كما أن البدوي بالفطرة، حذر، فضولي، يتجه بتفكيره دائما إلى ملاحظة الآثار الجديدة، ومنها وقع أقدام الحيوانات المختلفة، المفترسة منها كالضباع والذئاب، بغية القضاء عليها، دفعا لخطورتها عليهم وعلى مواشيهم، ويروي الأوائل، أن البدوي يعشق الصيد بالفطرة، ويفتخر أمام أقرانه بمهاراته في ذلك، ولترقية أدائه في هذا الفن القديم المتجدد، تراه يدقق النظر والملاحظة في آثار الحيوانات التي يصطادها كالأرانب والغزال وطائر القطا والحبّار والسمان والحجل وغيره.

 

الناقة تلامس الأرض بلطف وقدم الذئب الذكر أكبر من الأنثى

لا تعترض أهل فن القيافة أية صعوبات، في معرفة آثار الحيوانات بشتى أنواعها، حيث يمكن التمييز بين آثار أقدام الجمل من الناقة. فمثلا قَدم الجمل تترك آثارا غائرة على الأرض، بينما قدم الناقة تلامس الأرض بلطف ملحوظ، فضلا عن مؤشرات أخرى، أما الأعور من الإبل، فيميزونه بكونه يسير دون تمييز إلى الجهة التي تكون باتجاه العين العوراء، وحينها يمكنه أن يلامس الحجر أو يصطدم بالشجر أو بغيره، كما أنه يلتهم الحشيش فقط، من جهة العين السليمة.

وللمقتفي قدرة كبيرة على معرفة الناقة إذا كان أحد ثدييها محلوبا من عدمه، حيث أن الناقة تباعد رجلها التي يلامسها الثدي غير المحلوب، عكس الرجل التي هي من جهة الثدي المحلوب، ويميزون جنس فصيلة الذئاب من منطلق أن قدم الذئب الذكر أكبر من قدم الأنثى، في حين يميز البدو، بين آثار أقدام الغزال المتجه إلى المرعى، من الغزال الذاهب إلى النوم، والأمر ذاته بالنسبة للأرانب، من خلال تمييز حركات السير المتثاقلة أو المتسارعة.

 

قصص الحاج الهاشمي المثيرة

تنطلق عملية قص الجرة، بداية من التعرف على آثار الأقدام المحيطة بمكان السرقة على سبيل المثال، من قبل الذين احترفوا هذا العمل، بعد تمرس طويل، يتم بفعله ترسيخ الصورة في أذهان هؤلاء، وما أقلهم في وقتنا الحالي، لكونهم يعدّون على رؤوس أصابع اليد الواحدة، بينهم اثنين من عائلة حدبي، التي كان يمثلها المرحوم مخلوفالشانبيطالأشهر على الإطلاق بذات المنطقة، التي غادرها إلى جوار ربه قبل أكثر من ثمان سنوات، ثم تأتي مرحلة مقارنتها، بآثار أقدام الأشخاص المشبوهين أو المشكوك في أمرهم، وفي ذلك قصص وحكايات كثيرة، رواها سي الهاشمي، بينها أنه اقتفى أثر 65 رأسا من الماشية لصاحبها الحاج البشير بمنطقة تسمىبين الجبلينبالقرب من الطريق الوطني رقم 23، فتمكن بداية من تسجيل بعض القرائن والأدلة والمؤشرات، منها أن بين القطيع كبش طاعن وشاة عرجاء، وهو ما حقّقه صاحب القطيع حسب الرواية.

 وبعد فترة من السير على الأقدام سمع سي الهاشميالذي سلمه صاحب القطيع مبلغ 1000 دج نظير خدماتهثغاء شاة غير بعيدة عن المكان، كانت دليلا كافيا، للوصول إلى المكان المطلوب بعد رحلة بحث طويلة، لتتم استعادة القطيع، الذي ضاعت بعض رؤوسه، وما يحزّ في نفس سي الهاشمي، ويجعله لا يتمالك نفسه، هو اكتشافهأكثر من مرةبأن السارق يكون في الغالب من معارف الضحايا المقربين، مثلما حدث له مع أحدهم كشف له أن شقيقه هو من سرق ماله، وتلك صدمة ذات وقع كبير، مبديا أسفه واستيائه، من عدم تعاطي السلطات الأمنية الجزائرية، مع ما يقومون به من خدمات، على النقيض تماما مما كان يلقاه سابقوهم، من أفراد السلطات الاستعمارية آنذاك، التي أخضعت الأوائل منهم لاختبارات وتجارب قاسية وصعبة، بعدها رسّمت نتائجهم في القيافة، أدلة موثقة يعتدّ بها.

ومما ذكره سي الهاشمي، أن عرش الشعانبة بولاية غرداية يحترف هو الآخر عملية القيافة بجدارة، ومن تجاربه أيضا، كشفه لقاتل أحدهم على يد رفيقه، بالقرب من منطقة سيدي بوزيد، وهذا فقط من خلال ملامح وجه أخ القاتل، الذي انهار معترفا لمصالح الأمن المختصة إقليميا وقتها، مشيرا بأن الجاني الذي هو شقيقه، يأتي في الليل ويأخذ معه كل صباح الماء والمؤونة، ويعود أدراجه إلى الجبل، وهكذا دواليك، وهو ما وقف عليه عناصر الدرك شمال الولاية.

روى أيضا بأن هناك موّال بمنطقة بسكرة رافقه ذات مرة بطلب منه، وأمكنته خبرته من ترسيخ آثار الأقدام، بمحيط المكان الذي طالته السرقة، وبناء على شكوك الضحية، قام بمطابقتها بآثار أقدام المشكوك فيه، حينها لم يتوان لحظة يقولفي كشف الفاعل، الذي انهار معترفا باستيلائه على مبلغ 150 مليون سنتيم ملك الضحيةكما أنه اكشف يضيف الحاج الهاشمي أن أحدا سرق أموال ومذياع خاله، من ملامح وجهه لا أكثر، رغم استبعاد الأمر من الضحية، وإنكار الفاعل انكارا شديدا، وبعد الإصرار والمواجهة، اعترف وأرجع المسروقات، وتلك فصول من حكاية عمر صاحبها يزيد عن 82 سنة قضاها بين سيدي بوزيد، وسيدي مخلوف، منها 47 سنة بالأولى، لم يشترط فيها مبلغا نظير خدماته.

كما أنه لم يتعرض لأية مضايقات أو متابعات، ومن الخدع التي كشفها خلال مسيرته، هي إقدام بعض عصابات السرقة، على وضع ما يعرف بالفرتالة رزمة من القش على قدمي البعير أو البقر أو الحمير لمحو الآثار، إلى جانب انتعال الأحذية بالمقلوب، إلا أن هاته الخدعة لم تكن لتنطلي عليه وعلى المهرة من مقتفي الأثر.

 

حكاية الحاكم الفرنسي والثمانون عقربا

ما أثار دهشتنا حقيقة أن سي الهاشمي وفي بحر حديثه ادعى أنه باستطاعته جمع ما لا يقل عن 80 عقربا في اليوم، لكونه يجيد قيافة آثارها، ويعرف مكان اختبائها جيدا، وهو على استعداد للتعاقد مع المخابر التي تهتم بذلك وفق اتفاقية عمل رسمية، خاصة وأن المنطقة معروفة بحركة الحشرات السامة في الفصول الحارة، بينها العقرب خاصة، ليعود بنا إلى حكاية قبل الثورة، لواحد من أوائلهم يدعىعود روحوكان يحسن القيافة، حيث أن الحاكم الفرنسي، منع حصانه من شرب الماء لفترة معينة، وأراد أن يختبر المعني عن سبب ركون حصانه وانعدام حركته، فقامعود روحوبفحص الحيوان جيدا، ليخلص في النهاية، إلى أنه لا يعد كونه عطشان لا أكثر.

وفي امتحان ثان، مشى الحاكم حافيا في بستانه وادعى تعرضه للسرقة، وطالب من المعني اقتفاء آثار السارق، فلم يقم بأية حركة غير تفحّص آثار الأقدام، وعلى المباشر قال لهالسارق حسب خبرتي لم يسرق من قبل، كما أنه لم يمش في حياته حافيا، وبالمقارنة أرى أن الآثار ليست سوى لشخصك وليست لغيرك، فما كان من الحاكم إلا الاعتراف بنباهة وفطنة المعني وصدق وأهمية ما يقوم به.

 

التومي دليل الجيش ووريث “الشانبيط”

المدعو (التومي. ح) 58 سنة، الذي استقبلنا ببشاشته المعهودة وروحه المرحة، ورث القيافة عن خاله المرحوم مخلوفالشانبيطالأشهر على الإطلاق، روى لنا عدة أساطير كونه واحد من رجال الدفاع الذاتي منذ منتصف تسعينيات القرن الفائت، وكيف أنه كان دليلا يقود إلى اكتشاف آثار الإرهابيين ومواقع القنابل التقليدية كما الحال مع المدعو الرق محمد، الذي ما زال على نفس الحال هو الآخر إلى غاية يومنا هذا، وعن تجربته يقول التومي، بأن له فراسة تمكنه من تحديد السارق من ملامحه، مشيرا إلى أن عمله يتطلب منه بداية، التعرف على أثار أقدام الشخص المشكوك فيه، وهنا يؤكد بأن هامش الخطأ لديه معدوم بقدرة قادر.

بعد ذلك يقارن الآثار المرسومة في ذاكرته بما يلاحظ من آثار الشخص محل الشك أو غيره ممن تقع عليه عينه حتى ولو بعد مدة طويلة، ولكثرة نشاطاته في ذات المجال، أصبح الأمر بسيطا لديه إلى درجة كبيرة، ومما يذكره مؤخرا أن شخصا تعرّض قطعيه للسرقة بالصحراء جنوب الأغواط، فاستدعى للقيام بالقيافة لفائدة الضحية، فدلّه المعنيون على من يتهمونهم، وبمقارنة وربط الأحداث فقطحسب قوله نفى تهمة السرقة عن المشكوك فيهم، رغم إلحاح الضحية، والغريب أنه أصر على أن السارق هو الراعي نفسه، وعند التحقيق، تبين أن الراعي فعلا كان متواطئا مع عصابة مختصة في سرقة المواشي.

صاحبنا الذي نفى أن تكون هناك مقدرة لأي كان باقتفاء الآثار على البلاط، مثلما يدعي البعض، قدم خدماته بكل من بوسعادة والمسيلة وبغالبية بلديات ولاية الأغواط، خلال كشف سرقات عديدة للغنم والأبقار وغيرها، وفي عمله مع الجيش، اقتفى عشرات المرات آثار الإرهابيين، رغم محاولات التمويه التي يقومون بها بمناطق عدة. ولعل تفوّقه كان سببا مباشرا في التهديدات التي تلقاها في وقت ما حسب قوله، حتى أن أحدهم كتب على باب منزله، عبارة يطلب فيها من محدثنا التومي الابتعاد عن طريقهم.

 

الرّق يقود عناصر الجيش إلى مخابئ الإرهابيين

كان شاهدا على اغتيال رائد ورقيب أول بتاريخ 26 أكتوبر 1995، بمنطقة السكلافة بتراب بلدية وادي مزي المتاخمة لجبال القعدة الشهيرة، إثر انفجار قنبلة تقليدية كان الحاج محمد الرّق قد أرشدهم إليها وإلى خطورتها حسب قوله رغم صعوبة اكتشافها، إلا أن ذلك لم يكن ليحد دون تقدم الضحيتين نحوها، وحتى المعني أصيب إثر سقوطه بسبب قوة الانفجار، ولم يكن الحادث آخر عهد له بالأعمال الإرهابية، فقد شهد حسب قوله عدة مواجهات نارية، كما ساهم في إرشاد عناصر الجيش إلى أماكن الإرهابيين في جبال القعدة ومناطق لزرق وبوكحيل وجبل السحاري وغيرها من المناطق، وقد ركز جهوده كلها باتجاه محاربة الإرهاب بعد أن شارك في ثورة التحرير وساهم في دحر المستعمر الغاشم من منطلق أنه التحق بصفوف الجيش من 1957 إلى غاية 1959 قبل الانتقال إلى الولاية السادسة حتى سنة 1963، تحت قيادة العقيد محمد شعباني، نافيا قيامه بالقيافة لفائدة الأشخاص، مذكرا بأن منطقة تواجده بتراب سيدي مخلوف، حارب أهلها الإرهاب بحمل السلاح واقتفاء الأثر.

ومما يروى عنالمخاليف، كشفهم لخدعة هتلر، لما استعان بهم الاستعمار الفرنسي، في الحرب ضد النازية، وفيما يذكر، أن الزعيم الألمانيهتلرأبدى سخطا واستياء مما قام بهالمخاليفمن خلال كشفهم لتحركات الجنود الألمان، خاصة بعد تفطنهم للحيلة التي أقدموا عليها، بانتعالهم للأحذية بالمقلوب، في محاولة لتغليط العدو بالسير إلى الخلف، ولعله أدرك خطورتهم، ما جعله يشدّد على ضرورة القضاء عليهم، وقال قولته المشهورةغير المؤكدةالمتداولة في المنطقةسأجعل من المخاليف قطعا من الصابون، وهؤلاء حسب الروايات كان لهم دور ريادي في حرب العصابات التي قادتها فرنسا وكذا حرب الهند ـ الصينية.

مقالات ذات صلة