-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بنايات هشة وقنوات صرف متصدعة ونفايات متراكمة

قصبة الجزائر.. الإهمال يطمس حضارة عمرها خمسة قرون

الشروق أونلاين
  • 13144
  • 0
قصبة الجزائر.. الإهمال يطمس حضارة عمرها خمسة قرون
الشروق

عند زيارتك أي بلد أجنبي يدعوك الجميع إلى زيارة مدنهم العريقة، وهم يفتخرون عندما يحدثونك عنها.. يدافعون عنها ويتألمون لألمها، لأنها تاريخهم العريق وماضيهم ومستقبلهم، وهي مكسبٌ سياحي بامتياز، تعتمد عليه الدول على غرار تونس والمغرب وحتى فرنسا وتركيا والإمارات لتحقيق مداخيل هامة بالعملة الصعبة، وإذا كانت هذه حال المدن القديمة في هذه الدول، فما هي حكاية قصبة الجزائر التي لم يبق منها غير الأطلال؟.

ينتابك شعورٌ لا يوصف وأنت تهمُّ بالولوج إلى أزقة القصبة، كما ترتفع نسبة الأدرينالين في الدم وتتسارع دقات القلب، كلما تعمقت في شوارعها وبناياتها العتيقة. يرحل بك الزمن إلى العهد العثماني. رائحة التاريخ تعبق المكان، تحضنك عندما تضع قدميك فيها وأنت تمشي بأزقتها الضيقة. تحتويك بحب لا متناهٍ وتعود بك إلى زمن “حايك المرمة” و”سروال الشلقة” و”البابوش الجلدي” و”صندوق العروسة”.. صوت المطرقة يستفزك لمغازلة القصبة، فلا صوت يعلو على صوت مطرقة النحاس… كيف لا وهي حضارة المحروسة وتاريخها، في كل أزقتها تروي حكاية وطن وشعب تحدى العالم وأخرج الاستعمار من بابه الضيق. إنها “القصبة” يتبادر إلى ذهنك وأنت تزورها أنك تلامس الوجه الحقيقي للعاصمة القديمة تحت مخيلة التاريخ الذي لن يموت بسهولة، فحكايته ما تزال تتداول على أسطحها بكل بيت و”دويرة”.

 

مسؤولون يديرون ظهورهم للقصبة

بُنيت القصبة منذ أكثر من 2000 سنة على يد الرومان الذين سموها “ايكوزيوم”، وأعاد الأمير بولوغين بن زيري بن مناد الصنهاجي بناءها منذ بضعة قرون، وبعد دخول العثمانيين إلى الجزائر في 1517 أحدثوا ثورة في الهندسة المعمارية للمدينة واتخذوها عاصمة لهم.

وكانت القصبة عبارة عن حصن يُغلق ليلا ولها 7 أبواب من جهاتها الأربع، أهمُّها “باب عزون” و”باب الجديد” و”باب الوادي” و”باب الجزيرة”، وحسب العرف الذي كان سائدا آنذاك، فإنه لا يمكن لزائر الجزائر إلا أن يحط رحاله بالقصبة لاستنشاق جرعة من التاريخ والتعرُّف على الفن الشعبي أو ما يعرف بـ”البوقالات” التي تحمل خواطر شعرية كـ”الفأل” للنسوة، وتحتوي القصبة على أكبر تجمُّع عمراني لمبان يعود تاريخ بنائها إلى قرون مضت، وخير شاهد على ذلك هو قصر مصطفى باشا، وقصر دار الصوف، ودار عزيزة بنت السلطان، وقصر الرياس، وقصر الداي حسين، وقصر خداوج العمياء… وغيرها من القصور التي بقيت شاهدة على حضارة كبيرة شيّدها العثمانيون بالجزائر طيلة 3 قرون.

 لكن الواقف على حالها اليوم، يدرك جيدا أن المسؤولين المتعاقبين على عاصمة البلاد قد أهملوها أيّما إهمال، رغم أنها صُنفت ضمن التراث العالمي من طرف اليونسكو في سنة 1992، ورغم ذلك فهي الآن تصارع قهر الزمان ولامبالاة المسؤولين ووعودهم باسترجاع بريقها في كل مرة وبقي ذلك كلاما ملَّ من سماعه أبناؤُها، وما تزال تتخبط في معاناتها لوحدها، فلا وزارة الثقافة رمَّمتها ولا ولاية الجزائر باشرت في ذلك، وعندما تلامس جدرانها تحس بصراخها وأنينها يصدحان بعبارة “أناشد الجميع فهل من مغيث؟”. 

أثناء تجوّلنا في القصبة فوجئنا بالكمِّ الهائل من النفايات المتراكمة. قنوات الصرف الصحي متصدِّعة، وبنايات هشة تكاد تسقط على ساكنيها.. وجدنا حيا شعبيا شبه فارغ بمعظم أزقته، يكسر المارة ذلك الصمت بين الحين والآخر.. حتى الأطفال لم تعد عتبات الأبواب تغريهم وتحتضن شملهم بألعابهم وأحلامهم، وجدنا كل شيء ولكن لم نجد “طعم” القصبة، تحدثنا إلى إحدى الساكنات بالقصبة فقالت: “تقاليد الجزائر زالت بزوال القصبة… كذبوا علينا وقالوا ستسترجع بريقها.. ربي وكيلهم”، أما عمي أعمر الذي وُلد في القصبة، فقال “القصبة سيندمون عليها بعدما غدر بها المسؤولون”، وأضاف “في كل حملة انتخابية يستغلون القصبة، ولكن بعد تولِّيهم المنصب يتناسونها”، وحسب المعلومات التي تحوزها “الشروق”، فإن مسجد كتشاوة الذي تبنَّت ترميمَه شركة تركية سيسلّم بعد 6 أشهر.

 

منحرفون يحوِّلون الأزقة العتيقة إلى أوكار للفساد 

كسر بعض الشباب صمت القصبة بعدما حوَّلوها إلى وكر سرِّي وملاذ لارتكاب كل ما يسيء إلى حرمتها، حيث ذكرت العديد من العائلات التي التقتها “الشروق” أنهم في كل مرَّة يطلبون من السلطات توفير الأمن ووضع حد لبعض الظواهر الدخيلة عنها التي يقودها شبانٌ غرباء.

أردنا توديع القصبة العريقة بطريقتنا الخاصة فلم نجد كلاما يليق بمقامها سوى الدعاء لها من أعماق قلبنا بأن تعود إلى سابق ما كانت عليه، وأن يلتزم المسؤولون بوعودهم التي أطلقوها للتكفل بها وترميمها.

 

ملف القصبة في أياد أمينة

اتصلنا بمصالح ولاية الجزائر للاستفسار عن ملف ترميم القصبة، فأكد رئيس ديوان والي العاصمة، محمد عمراني، أنه على سكان القصبة الاطمئنان لأن الملف في أياد أمينة، وأضاف أن والي العاصمة عبد القادر زوخ أعطى تعليمات صارمة لاسترجاع بريق القصبة وهو متابع يومي لهذا الملف.

 وأضاف، عمراني، أنَّ ملفَّ ترميم القصبة خصصت له الحكومة غلافا ماليا قدره 23.8 مليار دينار، وأضاف أن الملف في آخر الروتوشات لتحويله من وزارتي الثقافة والمالية إلى ولاية الجزائر واستكمال التحويل المالي والإداري، وأردف أن الوالي عيَّن مدير التجهيزات العمومية بركون محمد، وهو أحد الإطارات، لمتابعة الملف ومهمة إعادة دراسة ترميم بعض المواقع المهمة والنظر في الورشات التي تشهد عمليات الترميم، كما عيَّن الوالي زوخ إطارا برتبة مفتش سعيد قلال مكلفا بمتابعة الملف.

وشرعت الولاية حاليا بترميم قصر حسن باشا و6 منازل تاريخية ومسجد البراني وملاحقه، وكذا هناك مكاتب دراسات لمباشرة عمليات ترميم مسجد الداي ودار البارود وكذا وضع شبكة لتصريف المياه على امتداد 1.6 وكذا ردم الشبكات الكهربائية، وهناك مناقصة من أجل ترميم قصر الباي.

وقال رئيس ديوان زوخ إن هناك جدول أعمال مضبوطا لترميم ما ينبغي ترميمه من حي القصبة العتيق تشرف عليه مكاتب سبق لها أن أخذت على عاتقها ترميم ولايات كبرى على غرار العاصمة وتلمسان وقسنطينة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!