الجزائر
اثنان منهم تخرجا من الجامعة

قصة نجاح أربعة أبناء مصابين بالعمى يعيشون في فقر مدقع بسكيكدة

الشروق أونلاين
  • 48
  • 0

عندما وصلنا بلدية بين الويدان، بولاية سكيكدة، بحثا عن السيد رابح مغشوش، البالغ من العمر 65 سنة، فاجأنا السكان بإطلاق اسم عمي رابح والد العميان الأربعة، دلّونا بسرعة إلى بيت قصديري سقفه من ألواح وأبواب لا تغلق إلا بأسلاك، أسرة متكونة من 9 أطفال رافقها الفقر، فالأب بدون مهنة مستقرة لكن ألمه الأول هو وجود أربعة أبناء مصابين بالعمى منذ ولادتهم، 3 ذكور وفتاة، وهم: كمال 32 سنة وهلال 30 سنة وناجح 28 سنة وربيحة 25 سنة.

العائلة، بكل أفرادها، تعيش في غرفة واحدة. وجدنا كلا من ناجح وربيحة، كلاهما ذو مستوى السنة الثالثة ثانوي شعبة آداب، يتمتعان بثقافة عالية جدا. قطعنا عنهما خلوتهما فوجدناهما متفائلين بغد أفضل.

أما هلال فوصف حياته بابتلاء من الله: “نحن صابرون وشاكرون لله، ولدنا الأربعة بدون نور البصر ولكن الأهم أن تملك البصيرة، قهرنا الظلام والحرمان وتحدينا الإعاقة”، مشيرا إلى شقيقه البكر كمال، الذي يحمل شهادة ليسانس في علم الاجتماع، تخرج منذ عامين من الجامعة، والآخر هلال  ليسانس في الإعلام والاتصال تخرج منذ 3 سنوات، وكلاهما يشاركان في كل المسابقات على أمل الظفر بوظيفة

أما ربيحة فتقول: “منذ الصغر اعتمدنا على أنفسنا”.. كانت ربيحة تتحرك في أرجاء الغرفة الصغيرة التي تعرف كل ركن فيها، لترينا أين تضع حاجاتها المهمة، خاصة لوحة براي. تقوم بكل الأعباء المنزلية كأية فتاة مبصرة ثم تواصل القول: “نريد حياة كريمة، منزلا لائقا، في فصل الشتاء الغرفة تتحوّل إلى مسبح لأن مياه الأمطار تتسرب إليها، وفي فصل الصيف تنقلب إلى جحيم، فالقصدير يعكس الحرارة”.

تدخلت الأم مسعودة، لتؤكد أنهم كل عام يشترون ما قيمته ألفا دج من “الباش” لتغطية السقف. العائلة لا تتسول بإعاقة أطفالها الأربعة لكنهم يريدون مناصب عمل على الأقل للمتخرجين من الجامعة بتفوق ولو تحت بند تشغيل الشباب ولا يحكم عليهم بالإعدام الاجتماعي بعدم تكوين أسرة أو مستقبل وتقتصر حياتهم على انتظار منحة الإعاقة التي لا تتعدى 4 آلاف دج.

يوميات الأربعة، وإن كان يسودها الملل أحيانا، في منطقة نائية ومحرومة إلا أنهم يعيشون بالمطالعة وسماع الراديو الذي أصبح الصديق الأول، خاصة حصص التاريخ والمحاضرات وسماع الآيات القرآنية وأحيانا متابعة المسلسلات التاريخية أو المتعلقة بالسيرة النبوية في التلفزيون لكن بالسمع فقط، والأماكن والشخصيات تجسد كما قالت ربيحة في خيالنا.

تركنا منزل المرضى الأربعة نجاح وربيحة وكمال وهلال، وهم يحدثوننا عن العبقري طه حسين والداعية سيد كشك وهيلن كيلر الكاتبة الأمريكية وأبي العلاء المعري، وقبل كل هذا القرآن الكريم،  العروة الوثقى. وختم كمال لقاءنا بقراءته: “إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.

مقالات ذات صلة