“قصعة الثريد” الليبية!
لم يحدث في التاريخ الحديث، وأن تداعت الأمم من آكلات الأرض، وشاربات النفط، على قصعة دولة حرّة، كما يحدث الآن في البلاد الجارة ليبيا، فكلما لاح أملٌ للتسوية، إلا وأرادوا لها ألما آخر، حتى تحوّلت الحلول المقترَحة إلى مشاكل جديدة، في بلدٍ يزخر بخيرات لا عدّ ولا حصر لها، وهو في حجم قارة لا تغيب عنها شمس الثروة، وجد نفسه من دون أن يدري تحت وصاية بلاد، بعضها لا تجمعه بليبيا لا تاريخ ولا جغرافيا، تُستعرض فيه أنواع الأسلحة الجديدة وتقوم الجماعات المسلحة ببروفات قتالية على أرضه ولكن بالسلاح الحي.
يشهد التاريخ على أن ليبيا كانت دائما بلادٌ للسلام، تغيرت من مملكة إلى جماهيرية إلى جمهورية وحافظت على سلمية مسارها، وحتى ثورة المختار التي اندلعت في وجه البطش الإيطالي كانت توصف بالحرب “الراقية” التي أجبر فيها الأبطال على أن يحوّلوا نورهم إلى نار. وعندما سنحت فرصة البناء في أرض تقارب مساحتها مليوني كيلومتر وبتعدادٍ سكاني يزيد عن ستة ملايين نسمة وبثروة نفطية ومعدنية ضخمة، تجعلها على بُعد لمح البصر لتكون واحدة من أغنى بلاد المعمورة، تداعت الأمم من كل القارات، بين متدخل ووصيّ وحاشر أنفه، وصارت اللغة الوحيدة التي يسمعها الناس من ليبيا لا تتحدث سوى النار التي ألهبت أبناء هذا البلد المجاور، الذي كان دائما داعما للجزائر، وكانت الجزائر داعما له.
من زمن حكم الملك إدريس السنوسي ومرورا بزمن معمر القذافي ووصولا إلى حكومة الوفاق الحالية، احتفظت الجزائر دائما بعلاقات مبنية على احترام الجار، ولم يحدث في تاريخ البلدين وأن شعر الليبيون بأي وصاية أو تدخُّل من جيرانهم المتواجدين غرب البلاد، والأعداد الكبيرة من الليبيين الموجودين بالجزائر في مختلف المجالات لا يعتبرون أنفسهم غرباء، لأن أهل الدار أشعروهم بذلك، فصارت ليبيا توأما حقيقيا للجزائر، إذا اشتكى عضوٌ تداعت له بقية الأعضاء بالسهر والحمى، ولم تكن أبدا في نظر الجزائر مثل القصعة التي لا ينظر إليها إلا آكل، متفتحة شهيته لالتهام ما فيها.
تسع سنوات مرّت على نهاية حكم معمر القذافي، بعد ثورةٍ قادها شبانٌ ليبيون كانوا يريدون أن يعيشوا حرية الرأي والإبداع ويتمتعوا بثرواتهم ويستثمروا فيها، لبناء ليبيا الأحلام، وهي مدة طويلة كانت كافية لأن يضع الليبيون بلادهم على سكة الانطلاقة كما تمنوا، ولم يكونوا يدرون بأن الطامعين في قيادة هذا القطار لا يُحصون ولا يُعدّون من كثرتهم، وبدلا من أن تسير القاطرة إلى الأمام أو إلى اتجاهٍ ارتضاه الطامعون، أخذ عدة اتجاهات، وللأسف جميعها تقود إلى الجحيم، بسبب إصرار الطامعين والمتربِّصين الذين أقنعوا أنفسهم بأن ليبيا هي قصعة الثريد الدسمة الموعودة، التي سيموتون جوعا إن لم يأكلوا منها.