الرأي
قطاع المياه: هيئة الضبط، حاجة ملحة

قطاع المياه عند مفترق طرق: استثمارات تاريخية في مواجهة تحديات مستمرة في مجال الحوكمة

بقلم: مصطفى كمال ميهوبي
  • 24
  • 0

ليست المياه مجرد مسألة تقنية؛ إنها مسألة حوكمة واستدامة وإنصاف. على سبيل المثال، كشف يوم 8 أبريل 2026 عن أزمة حادة في التزود بالمياه الصالحة للشرب في مدينة عنابة. حيث ترتبط هذه الأزمة بأمور شتى منها عمليات التوقف لأغراض الصيانة في محطة تحلية المياه في كودية الدراوش. كما أنها أيضًا تتعلق بنقص خزانات التخزين اللازمة لمنح الاستقلالية ودوام الخدمة في التزويد بالمياه الصالحة للشرب عن طريق المياه الجوفية والسطحية من مياه السدود المجاورة لتزويد المدينة. لهذه الأسباب تذكرنا هذه الظروف مرة أخرى بضرورة إقامة نظام إدارة وتحكم دائمين.

تُبرز الإجراءات الحالية النقائص إدارة هذه الخدمة العمومية الخاصة بالمياه تتجلى في ضعف التنسيق بين قطاعات المياه والطاقة. يضاف إلى ذلك عدم موثوقية البيانات المائية وتشتتها. إذ أنه لا يمكن لقطاع المياه أن يتحمل أي عدم استقرار أو عدم يقين تنظيمي. تلكم هي الأهمية القصوى والاستراتيجية البالغة التي تستحق أن توليها السلطات العمومية من أجل التنفيذ الفعال لمشاريع التنمية الهيكلية والوطنية التي تهدف إلى ضمان إمداد السكان بالمياه الصالحة للشرب بشكل مستمر.

لا يتعلق الأشكالية فقط بتعيين فريق قيادي، مهما كانت كفاءته، على رأس القطاع، بل إن العنصر الحاسم هو وضع استراتيجية متسقة وإنشاء آليات إدارة ملائمة لضمان مرونة الأنظمة المائية.

في هذا الصدد، يجدر التذكير بأنه خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تم استثمار ما يقارب 65 مليار دولار في مشاريع تنمية الموارد المائية، مثل السدود ومحطات تحلية المياه ومحطات المعالجة ومحطات الضخ، وغيرها من مشاريع التحويلات الكبرى، لا سيما خلال السنوات الخمس الأخيرة على الرغم من الجهود التي بذلتها الدولة والأهمية التي توليها لهذا القطاع بهدف ضمان الأمن المائي، لا تزال هناك أوجه قصور تتسم بالضعف الهيكلي في البنية التحتية المائية في بعض مناطق البلاد.

في الواقع، يعاني القطاع من غياب سلطة مستقلة مكلفة بضمان الوفاء بالالتزامات وتقييم الأداء وحماية حقوق المستعملين. إذ تقع هذه المهمة على عاتق هذه الهيئة التنظيمية الجديدة ذات مهام موسعة لقطاع المياه وتشكل حجر الزاوية في بناء الإصلاح المرتقب.

الاستقرار والاستدامة التنظيمية: ركائز أساسية للإدارة المستدامة للموارد المائية.

منذ عام 2021، عرف القطاع تغيرات شتى، منها تعاقب عدة وزراء على رأس القطاع، ما يعادل متوسط مدة خدمة أقل من سنة لكل وزير شغل المنصب، كما شهد القطاع ذاته تعديلات عديدة في الهيكل التنظيمي المركزي للقطاع. أمام هذه الظروف، يجدر التساؤل عن مدى إمكانية فرض تحقيق أهداف الأداء الجيد على المتعاملين العموميين مع قطاع المياه على مدى سنوات، في حين أن السلطة المشرفة تعدل استراتيجيتها مع كل تغيير يحدث في قمة هرم القطاع؟

إن إعادة تنشيط مهمة هيئة الضبط، المكلفة بمهام موسعة بشكل كبير مقارنة بالإطار التنظيمي الذي وُضع من خلال المرسوم التنفيذي لعام 2008، لتشكل الاستجابة المؤسساتية الأساسية لرفع القيود في مجال الحوكمة.

يجب أن تستند هذه المهمة على فلسفة يتم تحديدها بوضوح، حيث تكمن عليها التحسين المستمر والمواظبة لإدارة القطاع العام للمياه. وبفضل تنظيم مرن وموجه نحو النتائج، يحدد هذا النظام باستمرار الصعوبات المحتملة والمتوقعة ويقدم إلى الوزارة اقتراحات التعديلات اللازمة بعد التدقيق لتجنب أي مخاطر تتعلق بالتعطيل وتوقف الخدمة العمومية للمياه الصالحة للشرب، بالإضافة إلى الاستخدامات الأخرى مثل الفلاحة والصناعة.

وتُعد هذه الهيئة بمثابة الحلقة المفقودة في مجال حوكمة المياه، لتكون الهيئة التنظيمية لضبط القطاع، ولها وضع المعايير الدنيا في مجال المرونة. فهي تفرض على مديري ومصممي محطات تحلية المياه وضع مخططات وأجهزة مرنة تهدف إلى ضمان الاستقلالية في إمدادات المياه، فضلاً عن وضع سيناريوهات بديلة لتجنب أي طارئ، مثل الانقطاع في التزويد بالمياه، على غرار الاضطرابات الناتجة عن انقطاع المياه لأكثر من 48 ساعة.

وتتمثل المهمة الأولى الموكلة إلى هذه الهيئة التنظيمية في وضع إطار يهدف إلى التحسين المستمر للخدمة العمومية. ويشمل هذا الإطار معايير الأداء مثل معدل الهدر للمياه في شبكات التوزيع، واستمرارية الخدمة العمومية لتزويد الساكنة بالمياه، فضلاً عن قدرة البنية التحتية على الصمود في مواجهة المخاطر الناجمة عن التغيرات المناخية.

يمكن أن تقترن هذه المعايير من خلال وضع آليات لعقوبات متدرجة حسب المخالفات المثبتة. وستتولى هذه الهيئة التنظيمية، إلى جانب الحفاظ على الذاكرة المؤسساتية التي تكمن في المخطط الوطني للماء (PNE) والمخطط التوجيهي لتهيئة الموارد المائية (PDARE)، وكذلك قواعد البيانات، ومستوى أداء المتعاملين التابعين للقطاع من مؤسسات اقتصادية، بهدف تجنب نقطة الانطلاق كلما حدث تغير في هرم سلطات القطاع. والهدف النهائي من هذه الخطوة هو تجنب البدء من الصفر بعد كل تعديل في التسلسل الهرمي.

المهمة الثانية: تتمثل في إطلاق وتقديم مقترحات لتعديل الإطار التنظيمي المعمول به والمخصص للتحسين المستمر للخدمة العمومية للمياه. بالإضافة إلى الصلاحيات المنصوص عليها في المرسوم التنفيذي رقم 08-303 المؤرخ 27 سبتمبر 2008، المتعلق بهيئة سلطة الضبط للخدمة العمومية للمياه وتشمل هذه الصلاحيات مراقبة جودة الخدمة ودراسة ومعالجة الشكاوى المقدمة، فضلاً عن تحليل التكاليف والأسعار.

كما يتعين على الهيئة ضمان تطبيق معايير الأداء وتحديثها. وإلزام المتعاملين بالالتزام بالقواعد السارية، وضمان امتثالهم لها مع تطبيق العقوبات في حالة عدم الامتثال.

علاوة على ذلك، تضمن مراقبة تطور نسبة هدر المياه في الشبكات وجودة الخدمة والالتزام بمواعيد إصلاح الأعطاب. وتمثل هذه المعايير مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية  (KPI) التي لم تعد مجرد طموحات، بل أصبحت فعلياً التزاماً تعاقدياً قابلاً للتحقق منه علناً.

وبهذه الطريقة، تضطلع هيئة الضبط بدور الوسيط بين الأداء الفعلي لمتعاملي القطاع: الجزائرية للمياه والمؤسسات الفرعية لتوزيع المياه والتطهير، الديوان الوطني للتطهير، الوكالة الوطنية لسدود التحويلات، الديوان الوطني للسقي….الخ والتعليمات والتوجيهات العامة الصادرة عن الوصاية.

المهمة الثالثة: تتمثل في الحفاظ على الذاكرة المؤسساتية، التي غالبًا ما تتأثر بسبب التغييرات المتتالية داخل الهرم الإداري نتيجة لذلك فإن فرقها الدائمة وقواعد بيانات الأداء الخاصة بها تكسب مزيدا من الاستقرار والانتظام، على الرغم من التغييرات الماضية التي قد تحدث.

الجدول رقم 1: مؤشرات الأداء الرئيسية (KPI) التشغيلية للشبكة

المؤشر التعريف الهدف الوطني التكرار
مؤشر الخسائر الخطيILP/

 (Linear Loss Index)

م³/كم/يوم من هدر الماء في الشبكة < 8 م³/كم/يوم شهري
معدل فقدان المياه غير المحصلة/ TPNR(Non Revenue Water ) النسبة المئوية للمياه المنتجة الغير المفوترة < 20 % خلال 7 سنوات ثلاثي
مؤشر الأعطاب الخطي/ILC

 (Linear Break Index)

عدد حالات الكسر/100 كم/سنة. < 30 سنوي
معدل تجديد الأنابيب /TRC

(Pipe Replacement Rate)

النسبة المئوية للخطوط المجددة/السنة. > 1,5 % سنوي
معدل عدد المشتركين TCC/ (Counting rate for subscribers) النسبة المئوية للمشتركين المزودين بعدادات > 95 % سنوي

الجدول رقم 2: مؤشرات الأداء الرئيسية (KPI) لجودة الخدمة المقدمة للمستخدم

المؤشر التعريف الهدف الوطني التكرار
مؤشر استمرارية الخدمة /ICS

( Service Availability Index)

ساعات التزود بالمياه/اليوم 20 ساعة/يوم لمدة 5 سنوات. شهري
معدل مطابقة الجودة/TQE

. (Qualitative Compliance Rate)

نسبة التحاليل المطابقة لمعايير منظمة الصحة العالمية. > 98 % شهري
متوسط وقت إصلاح الأعطال/DMRI (Average Time Taken to Resolve Incidents) عدد الساعات بين التبليغ والإصلاح. < 48 ساعة شهري
معدل الاستجابة للشكاوى /TRR

(Complaint response rate)

النسبة المئوية للشكاوى التي تمت معالجتها في الآجال المحددة > 90% ربع سنوي
معدل التغطية /TDS

(Coverage rate)

النسبة المئوية للسكان الموصولين بالشبكة. > 98 % سنوي

 

الجدول رقم 3: المؤشرات الرئيسية للأداء المالي والاستدامة

المؤشر التعريف الهدف الوطني التكرار
معدل تحصيل الفواتير /TRF

(Invoice recovery rate)

النسبة المئوية للفواتير التي تم تحصيلها فعليًا. > 90 % ثلاثي
نسبة المصروفات الاستثمارات /RCI

Expenses/Investments Ratio)

النسبة المئوية للإيرادات المخصصة للتجديد > 15 % سنوي
تكلفة التشغيل للوحدة /CEU

(Unit Operating Cost)

DA/م³ منتج وموزع مرجع وطني سنوي
معدل النجاعة الطاقوي /TEE

(Energy Efficiency Rating)

كيلوواط ساعة/م³ منتج تخفيض بنسبة 10٪/5 سنوات سنوي

الاستعانة بمؤشرات الأداء الرئيسية (KPI): أدوات أساسية للحوكمة الحديثة لخدمة العمومية للمياه

في هذا الصدد يوصى بتصميم معيار مقارنة بين وحدات الجزائرية للمياه (ADE) حيث يتم تنفيذه من خلال نشر تقرير مقارن (Benchmarking)للأداء عبر البلديات والولايات، مما سيعزز إرساء ديناميكية التنافس البناء بين المجتمعات المحلية. وسيتم تقييم أداء جميع الوحدات وفقًا لذلك.

وستُزوَّد هيئة الضبط موسعة الصلاحيات بآليات الوساطة وتسوية الاختلافات بين مختلف المتعاملين من شأن الإدارة النظامية للخدمة العمومية للماء عن طريق استخدام مؤشرات الأداء الرئيسية (KPI) أن تشجع الانتقال إلى إدارة قائمة على الأداء.

تتوفر بلادنا على الموارد البشرية واللوجستية والتقنية والمالية الضرورية لرفع التحدي. وتتوفر على الكفاءات والإطار التشريعي والتنظيمي ولا سيما القانون المياه رقم 05-12 المؤرخ 4 اوت 2005، والمرسوم التنفيذي رقم 08-303 المؤرخ 27 سبتمبر 2008والمتعلق سلطة ضبط الخدمات للمياه، اللذان أرسيا أسس الحوكمة القطاعية الحديثة.

من باب التذكير لقد وضع تقرير فريق العمل الوزاري المشترك، الصادر في يناير 2021، خارطة طريق لإعادة تنظيم وهيكلة المؤسسات العملياتية في قطاع الري. لتشكل هذه الإنجازات لبنة وأساساً متيناً يمكن البناء عليه في خطوات المراحل والاستراتيجيات المستقبلية للقطاع.

إن إعادة تفعيل مهمة سلطة الضبط، ذات الصلاحيات الموسعة وتوفير إمكانات في مستوى استقلالية فعلية تعد حاجة ماسة ومستعجلة لتحقيق إدارة متكاملة، مؤهلة ضروري وعاجل للغاية. في الواقع، تزداد الحاجة إلى ذلك يوماً بعد يوم.

تهدف إعادة تفعيل مهام سلطة الضبط ذات المهام الموسعة إلى ضمان تحقيق خدمة عمومية مستدامة ذات معايير دولية ومنصفة لفائدة كل الساكنة والتنمية المستدامة للبلاد.

أستاذ باحث، (وزير سابق)

البريد الإلكتروني: k.mihoubi@ensh.dz

مقالات ذات صلة