الشروق العربي

قطعة من الأندلس في تلمسان.. سر شجرة الفضة وطيورها المغردة بالريح

فاروق كداش
  • 1812
  • 0

جوهرة معمارية تفتن كل من رآها، بأسوارها المنيعة وبيوتها بديعة الصنع.. هي قلعة وقصبة وقصر في آن واحد… قطعة فريدة من زمن الوصل في الأندلس.. الشروق العربي جالت في قصر المشور العتيق، وأنصتت لأسرار نقلتها الفوارة والزليج والقرميد الأخضر.

شيَّد قصر المشور أو القصر الملكي الزياني من طرف يغمراسن بن زيان، بمركز تلمسان، وهذا في أوائل القرن الثالث عشر، ليكون سكنا له ولأهله ومقرا لدواوينه وخزائنه، خاصة بعدما ضاق به القصر المرابطي القديم الذي كان موازيا للجامع الأعظم.

تعد قلعة المشور من أجمل وأعظم ما خلفه الزيانيون في تلمسان، حيث تميزت القلعة المنيعة بأسوارها العالية ومحيطيها الخارجي مربع الشكل، الذي يحتل 4000 متر مربع من المساحة، زينته أبراج عالية تحوز بداخلها قصرا ملكيا كبيرا والعديد من الدور والحدائق والنافورات. به بابان، الأول داخلي اسمه باب المشور، والثاني خارجي يسمى باب التويتة.

تقول الكثير من المصادر التاريخية، إنّ هذه القلعة أسّسها المرابطون على عهد يوسف بن تاشفين، خلال الحصار الذي ضربوه على مدينة أغادير من أجل السيطرة عليها، وذلك في القرن الحادي عشر للميلاد، وهناك من يقول إنّ بني زيان الذين بنوه في القرن الرابع عشر للميلاد، وبحسب بعض المؤرخين، فإنّ كلمة “المشور” تعني الشورى والمشاورات أو المكان الذي يعقد فيه السلطان أمير المسلمين اجتماعاته مع وزرائه وكتّابه وضُبّاطه لمناقشة شؤون الدولة. وتضمُّ القلعةُ قصرَ المشور، وهو القصر الوحيد المتبقّي من أربعة قصور كانت تشكّل في ما مضى قلعة المشور، وهي “دار الملك” و”دار أبي فهر” و”دار السرور” و”دار الراحة”. وقد بنى هذه القصور البديعة الأمير أبو تاشفين المتشبع بالثقافة الأندلسية. وقد عرف هذا الأمير بسياسة التعمير والتشييد والزخرفة، وقد استدعى أمهر الصناع والبنائين من الأندلس.

شجرة من فضة

تميزت القصور التي شيدها أبو تاشفين بالجمال إلى درجة أن أحدها زين بشجرة من الفضة. وقد وصفه محمد التنسي قائلا: “كانت عنده شجرة من فضة على أغصانها جميع أصناف الطيور الناطقة، وأعلاها صقر، فإذا استعمل المنفاخ في جذعها وبلغت الريح موضع الطيور، صوتت بمنطقها المعلوم، فإذا وصلت الريح موضع الصقر، صوت، فانقطع صوت تلك الطيور كلها”.

قصر المواسم

يتميز هذا القصر بكونه مبنيا بطريقة ذكية جدا، فهو مكون من جناحين خُصّصا لإقامة الملك، الأول جناح صيفي مبني بالطين ليبقى باردا ومنعشا على مدار الفصل، وجناحٌ شتوي مبنيٌّ بالحجارة لتدفئة المكان طيلة أيام البرد والشتاء، وتعتمد هذه الهندسة المعمارية السابقة لأوانها على حسابات دقيقة للشروق والغروب.

للجناح الصيفي ممر سري، يسلكه الملك عند الخروج لأداء الصلاة في المسجد الكبير، للتخفي من أعين الفضوليين، كما كان منفذ طوارئ في أزمنة الحروب..

الملاحظ في زخرفة قصر المشور البديعة، جملة تتكرر في كل جدار وفي جميع الغرف والأجنحة، وهي “العزُّ القائم بالله.. الملك القائم بالله”.

منارة دينية داخل منارة معمارية

تضم قلعة المشور مسجدا، وقد بني قرنا بعدها من طرف أبي حمو موسى الأول… المئذنة ذات تصميم مربع الزوايا ويتوجها “منور”. زينت واجهاتها الأربع بزخارف مصنوعة من الآجر والزليج. غطي الجزء السفلي بلوح مستطيل تحيط به مربعات من زليج ذي بريق معدني محفوفة بنقوش كتابية بخط نسخي على سطح نباتي. ويتوسطه عقد ذو فصوص متشابكة وأركانه مزينة بالزليج، وهي المئذنة الوحيدة التي يزينها زليج لامع بتلمسان.

وقد شارك في نهضة تلمسان الثقافية والحضارية بشكل كبير، حيث استقبل عددا كبيرا من العلماء الكبار الذين درسوا فيه ورابطوا للوعظ والإرشاد، وتخرّجت على أيديهم أجيالٌ من طلبة العلم والأدباء والمحدّثين. وما يُؤكد دور هذا الجامع الريادي في الحركة الفكرية والعلمية لتلمسان قُربه من قصور الأمراء والسلاطين الذين عُرفوا في تلك الفترة بتقريب العلماء والفقهاء وأهل العلم والأدب.

مقالات ذات صلة