قلتم سياحة؟
حادثتان تناولتهما وسائل الإعلام الوطنية في الأيام الأخيرة، أكدتا أن القناطير المقنطرة من الدولارات قد لا تكفي لأن تجعل الجزائر بلدا يشبه البلدان المتوسطية، أو على الأقل المجاورة له سياحيا، وتتحد الدولة والشعب في بناء هذا الحاجز الإسمنتي غير المزيف، مع سبق الإصرار والترصد.
-
الحادثة الأولى هي تناول الصحافة أحداثا وقعت لدى جيراننا التونسيين، عبر شهادات عائدين من الخضراء، أجمعوا على أن إرهاصات الثورة وجراحاتها لم تندمل، من باب نقل المعلومة من دون أي خلفيات إشهارية لمنتوج سياحي جزائري، الإعلاميون هم أكثر الناس إدراكا أنه يعيش موتا كلينيكيا، ومع ذلك تحركت الديبلوماسية التونسية، وراسلت كل وسائل الإعلام الجزائرية، حتى لا يضيع قرابة المليون ونصف مليون سائح جزائري، تعوّدوا على صرف ملايين الدولارات في المنتجعات السياحية التونسية، كما تنقل أصحاب الفنادق والوكالات السياحية بقوة إلى مختلف المدن الجزائرية، دفاعا عن بترول تونس، الذي منه يُصرف على الدبلوماسيين.
-
أما الحادثة الثانية، فتدخل في إطار الحراك المجنون الذي تعرفه الجزائر، فيضرب في غير الزمان وفي غير المكان المحددين، كما حدث في مدينة القالة السياحية، التي لا تفصلها عن مدينة طبرقة التونسية إلا مسافة نصف ساعة، حيث أحرق المواطنون مقري الدائرة والبلدية، وعلقوا لافتة عملاقة “لا أهلا فيها ولا سهلا لكل من “تسوّل” له نفسه التفكير في السياحة في المدينة، لأن موسم الإصطياف عبر شواطئ المدينة الساحرة قد ألغي نهائيا”، ومع ذلك لم يتحرك مسئولو المدينة الذين انتخبهم الشعب من رئيس بلدية وبرلمانيين، ليدافعوا عن مدينتهم إعلاميا، ولن نقول ميدانيا، ولا حتى المسئولين الذين عينتهم الدولة على رأس القالة، التي كان يحج إليها أهل طبرقة منذ ثلاثة عقود، فصار لطبرقة مطار دولي وميناء دولي، وأكثر من عشرة فنادق خماسية النجوم، والعشرات من المنتجعات السياحية، وليس للقالة حتى مقر بلدية، بعد أن أحرقته السلطة بالبيروقراطية والمواطنون بالبنزين والنار.
-
المشكلة ليست في قطاع السياحة عندنا، الذي يسكن فنادقه الصراصير والعناكب، ويُنفّر عماله السواح من جلدهم، وليس من بلدنا، وإنما في دبلوماسيتنا في الخارج، التي حوّلت مقرات السفارات التي تصرف الجزائر عليها من ريع النفط ـ وليس السياحة ـ إلى فنادق فوق النجومية، ولم نسمع على مدار عشريتين عن فاكسات أرسلتها سفاراتنا لصحف فرنسية وأمريكية وعربية، كانت تتحدث عن جحيم في جيجل السياحية، ومصاصي الدماء في التاسيلي السياحية، وكتائب الموت في تيبازة السياحية، فكانت السنوات تمر، وأرقام السياحة ترتفع في كل البلدان المتوسطية، بما في ذلك قبرص ومالطا، ولن نكشف سرا إذا قلنا إن فرنسا بلغت رقم ثمانين مليون سائح عام 1998 في لهيب نارنا التي ساهم الإعلام الفرنسي في تأجيجه، وبلغت الشقيقة تونس رقم العشرة ملايين سائح، مع بداية الألفية الحالية، بفضل المواطنين والمغتربين الجزائريين الذين وصلتهم رسائل الموت الإعلامية من كل مكان، فلم يفهموا لماذا لا يسلب شاطئ واحد في أكثر من ألف ومئتي كيلومتر من الساحل الجزائري اهتمام الجزائريين قبل الأجانب، بينما تتحوّل اللاذقية ونابل ونيس وبرشلونة وصقلية إلى شواطئ قبل أن تكون مدنا، ولا يفهمون لماذا لا تسلب مدينة أثرية رومانية في أكثر من خمسين موقعا اهتمام الجزائريين، بينما تتحوّل بعلبك وجرش وقرطاج إلى كنوز ثقافية، تُدرّ على بلدانها الثروة والسمعة الطيبة.
-
في كل البلدان المتوسطية، تحولت السياحة إلى صناعة لا يختلف ريعها عن ريع صناعة السيارات والمواد الكهرومنزلية، أما في الجزائر، فهي لم تبلغ مرحلة الفطام أو الثقافة.. والجنين دائما في حاجة إلى ماء وأوكسجين وحليب.. وأيضا حنان الأمومة والأبوة؟