جواهر

قليلا من الرأفة بالأسرة

جواهر الشروق
  • 2350
  • 4

يبدو أن سياسة الصّدمات التي‮ ‬تتّبعها حكومتنا‮ (‬الرشيدة‮) ‬مع رعاياها من الرجال والنساء على حدّ‮ ‬سواء لا‮ ‬يبدو لنهايتها مخرج‮..‬

لكن الجديد في‮ ‬هذه السياسة‮ – ‬إن كانت حقا سياسة‮ – ‬هو فتح بؤرة صراع،‮ ‬بلدنا في‮ ‬غنى عنه بصدق‮.. ‬صراع بين المرأة والرجل كما لم‮ ‬يشهد له مثيلا مجتمعنا من قبل‮.‬

فالمرأة عندنا هي‮ ‬الأم‮ – ‬قبل كل شيء‮ – ‬التي‮ ‬كرّمها ديننا الحنيف والتي‮ ‬ينقض إسلام الواحد منا إن تجرّأ على تعنيفها فما بالك بضربها‮ – ‬شلّت‮ ‬يد من ضرب أمّه‮- ‬وهي‮ ‬البنت التي‮ ‬شرف والدها من شرفها،‮ ‬وهي‮ ‬الأخت التي‮ ‬شرف أخيها شرفها‮. ‬وهي‮ ‬في‮ ‬النهاية الزوجة التي‮ ‬لا تستقيم العشرة الزوجية من دونها‮…‬

فالعلاقة بين الرجل والمرأة في‮ ‬المجتمع الجزائري‮ ‬خير من مثيلتها في‮ ‬أمم الغرب قاطبة التي‮ ‬يحلم ببلوغ‮ ‬درجتها المستلبون فكريا من أبناء جلدتنا‮. ‬مايزال الرجل في‮ ‬وفاق مع والديه وزوجته وأبنائه دون إغفال بعض التجاوزات من الرجال نحو النساء،‮ ‬وبعض التجاوزات الأخرى من النساء نحو الرجال‮.. ‬وكان حريا بحكومتنا أن تنشئ لجانا مشتركة لدراسة وإيجاد العلاج المناسب لمثل هذه التجاوزات ورأب صدعها بدل الاستثمار في‮ ‬تكبيرها وتوسيع رتقها حتى‮ ‬يصعب اندمالها وتكون للمجتمع مستقبلا مثل السرطان،‮ ‬العلاج الوحيد له هو الكيّ‮ ‬والقطع‮..‬

طفح الكيل‮.. ‬عمّمت الحكومة الخدمة الوطنية على الرجال دون النساء اللائي‮ ‬ميّزتهن حتى في‮ ‬مجالس الرجال بنسبة معينة في‮ ‬شكل كوطات‮ ‬غير عابئة بشرع رباني‮ ‬ولا قانون إنساني‮.. ‬ديدنها ليس المساواة المطلقة بين الرجال والنساء،‮ ‬ولكن تغليب النساء على الرجال حتى‮ ‬يستعر الصراع‮.. ‬ولفائدة من؟

علم ذلك عند من أقرّ‮ ‬القانون أو صادق عليه أو سعى في‮ ‬تطبيقه

ولأنه سبق لي‮ ‬أن تقلدت منصب القضاء ولم‮ ‬يسبق لي‮ ‬أن خضعت‮ ‬يوما لأمر فوقي‮ ‬يصادم حريتي‮ ‬ويمس باستقلالي‮ ‬كقاض شعاره الحق ولا شيء‮ ‬غيره،‮ ‬حتى‮ ‬غادرته منشرح الصدر وخالي‮ ‬البال،‮ ‬أعرض على من في‮ ‬قلبهم بعض اللبس حول صلاحية التعديلات الأخيرة على قانون العقوبات فيما‮ ‬يخص المرأة‮. ‬فأقول‮: ‬لقد كنت‮ ‬يوما قاضيا في‮ ‬إحدى محاكم الوطن في‮ ‬ثمانينيات القرن الماضي‮ ‬فعُرض عليّ‮ ‬أمر زوجين بتهمة قيام الزوج بضرب زوجته محدثا لها عجزا طبيا‮.. ‬حاولت الإصلاح بينهما وطلبت من الزوج الاعتذار لزوجته عمّا بدر منه من تعنيف لا‮ ‬يقرّه شرع ولا قانون،‮ ‬لكن الزوج ركب رأسه فطلبت من الزوجة الصفح عن زوجها حفاظا على مستقبل العشرة الزوجية وعلى الأولاد‮ – ‬وكان لهما أولاد‮ – ‬لكن الزوجة رفضت الصفح وأصرّت على عقاب زوجها‮..‬

فكانت القاطعة وحكمت بحبس الزوج لفترة جرّاء إساءة ضرب زوجته العنيف وإيذائها‮ ‬غير المشروع‮.. ‬بعد فترة من تلك الواقعة رجع الزوجان مرّة أخرى أمامي‮ ‬في‮ ‬دعوى طلاق رفعها الزوج نفسه ضد زوجته‮. ‬سألتهما في‮ ‬جلسة صلح عقدتها خصّيصا‮ ‬يومها لأجل ذلك‮: ‬لقد سبق لكما أن حضرتما أمامي‮ ‬قبل فترة من أجل الضرب والجروح العمدية،‮ ‬أليس كذلك؟

أجاب الزوج‮: ‬وقد أدخلتني‮ ‬سيّدي‮ ‬القاضي‮ ‬السجن بسبب ضربي‮ ‬زوجتي‮ ‬وها أنذا اليوم أطلب الطلاق‮.. ‬فقلت للزوجة‮: ‬وما ردّك على طلب زوجك؟ انفجرت باكية وقالت‮:‬‭ ‬أرفض الطلاق‮.. ‬لا أريد تيتيم أولادي‮.. ‬قلت لها‮: ‬كان حربا‮  ‬بك أن تستذكري‮ ‬هذا الأمر‮ ‬يوم طلب منح الصفح عن ضرب زوجك لك‮.. ‬حاولت استعطاف الزوج حفاظا على أبنائه فقال‮: ‬كيف أعيش سيدي‮ ‬القاضي‮ ‬مع زوجة تسبّبت في‮ ‬إدخالي‮ ‬السجن؟ وكان الطلاق‮.‬

لاشك أن هذا التعديل الذي‮ ‬أدخل على قانون العقوبات‮ ‬غير دستوري‮ ‬وغير شرعي‮ ‬وآثاره لن تتأخر في‮ ‬الظهور قريبا‮.. ‬سيتوسّع الشرخ بين الزوجين وسيكثر تحرّش الذكور بالإناث وستمتلئ المحاكم بالقضايا من هذا القبيل كما امتلأت بقضايا مشابهة بعدما سنّت قوانين مشابهة،‮ ‬وستمتلئ السجون أكثر،‮ ‬في‮ ‬انتظار إصلاح جذري‮ ‬لحال الأسرة بما‮ ‬يوافق الشرع الحنيف الذي‮ ‬يطالب بعض أبناء جلدتنا ذكورا وإناثا باستبعاده كلّية من حياة الناس‮..‬

فمتى نثوب لرشدنا ونتّبع هدي‮ ‬نبيّنا في‮ ‬إصلاح أمرنا بدل الجري‮ ‬وراء السراب‮.‬

مقالات ذات صلة