قمة الجدّ في موضوع لهو!
لا يمكن اعتبار اهتمام الجزائريين بكل فئاتهم وأطيافهم، بعالم الكرة، في الأيام الأخيرة بهذه الطريقة الهستيرية، و”حرصهم” بكل جوارحهم، على ضرورة محاسبة كل الذين تورّطوا في “مهزلة” الغابون، بالحالة الصحية، التي تبيّن وطنية الناس، وصحوة ضميرهم وسهرهم على ألا تحدث تجاوزات في حق وطنهم ومواطنيهم، لأن الأمر أخذ منعرجا آخر، حتى صار كل من يتابع حالة الجزائريين، يظن أن البلجيكي “جورج ليكنس” هو أول وافد أوروبي أخذ الدولارات ورحل، ولا توجد شركات من مختلف القارات والجنسيات، استنزفت خيرات حاسي مسعود وثروات أخرى في الموانئ والمطارات والطرق السريعة والاستثمارات الوهمية واختفت، بل إن بعضها مازال يمارس الاستنزاف إلى حد الآن، ويظن أن محمد روراوة هو أول مسؤول “بذّر” المال العام و”تجبّر” على مقعده وأقام ما يشبه الدولة الموازية، دون مسؤولين آخرين، حملوا حقائب الجدّ والمصير، ونسفوا منها الأصالة والهويّة بل ونسفوا منها الحياة نهائيا، ويظن أن اللاعب إسلام سليماني وحده من شتم المناصرين، الذين بتشجيعهم وصل إلى عاصمة الضباب، وأمثاله نراهم ونسمع “عجرفتهم” جهارا، في المستشفيات العمومية ومقر البلديات والدوائر ومختلف المديريات.
سيكون من الخطإ أن نترك ما حدث في الغابون من خسائر في مختلف المجالات، من تضييع تنظيم الدورة، إلى خسارة بثها على التلفزيون الوطني وانتهاء بالانهزام في مبارياتها، من دون حساب، ولكن الخطأ الأكبر هو أن تتم المحاسبة بهذه الطريقة الشعبوية في المقاهي والأسواق الشعبية ومختلف الشوارع، وهي بقدر ما تجعل الحساب يحيد عن الطريق السويّ، وتجعل الجلاد هو القاضي والنائب العام والشاهد، بقدر ما تخدّر الناس، وتربط مصيرهم بـ”الجلد المنفوخ”، وتطمس بقية الجرائم الفظيعة، التي طالت المواطنين في مجالات حيوية ولعبت بمصيرهم وأدخلتهم في أغرب معادلة يعيشها مواطن على وجه الأرض “شعب فقير جدا في بلد غني جدا”!
الأمطار الأخيرة والثلوج التي عمّت كل أنحاء الوطن، أبانت أن في كل بلدية “روراوة” وفي كل شركة “ليكنس” وفي كل مكتب استقبال “سليماني”، فقد تهاوت الجدران على رؤوس الجزائريين وابتلعت الطرقات سياراتهم، وتحوّلت السكنات الجديدة إلى كوابيس وغرقت البلاد في قطرة ماء، واتضح أن ما يقارب ألف مليار دولار الذي جنته الجزائر في العشرية الأخيرة من ريع النفط، قد تم قذفه مثل الكرة على طريقة اللاعب عيسى ماندي في مرمانا، مع فرق شاسع في نتيجة المقابلة، لأن المدافع ماندي أدى إلى خسارتنا، في مباراة كرة، لا يمكنها بأي حال من الأحوال، أن ترتقي فوق كونها لعبة ولهوا، يوم لك وآخر عليك، بينما الأهداف التي سُجلت في مرمانا من مختلف البلديات والمديريات، أرسلت عائلات إلى القنوط والتشرّد، والمصيبة الأكبر أن ماندي وجد من يحاسبه، ولكن مسجلي الأهداف “الفتاكة” مازالوا، وربما سيبقون من دون حساب.