قمة الجزائر: المخرجات والمنهجية
ثلاثُ ركائز ودعائم أساسية بنيت عليها مخرجات قمة الجامعة العربية في دورتها الـ31 بالجزائر، قمة أو نوفمبر، مشروع عملها المستقبلي، تجلى في البيان الختامي وفي “إعلان الجزائر”:
الدعامة الأولى، هي الزخم الذي أعيد من جديد للقضية الفلسطينية وإحياء المبادرة العربية التي قدّمتها السعودية في قمة بيروت سنة 2002، القائمة على “الأرض مقابل السلام”، وهو ما يعني ضمنيا رفض التطبيع مع الكيان وضرورة لجمه وكبح جماحه، قبل أن ينال الشعبُ الفلسطيني دولة على حدود 4 جوان 1967.
دعم القضية الفلسطينية في كل أبعادها وغاياتها وأهدافها، بما في ذلك السعي الدؤوب لضمان عضوية دولة فلسطين في جمعية الأمم المتحدة، وعلى هذا الأساس، شهد الأمين العام للأمم المتحدة كشاهد ومشهود.
الدعامة والرافعة الثانية في القمة، تتمثل في تفعيل التعاون العربي العربي والتنسيق والعمل المشترك على كل المستويات وحل الخلافات العربية العربية ضمن أروقة الجامعة لا خارجها، ورفض التدخُّل الخارجي في شؤونها. وهذا القرار إذا ما احتُرم وتوبع بعناية من طرف لجنة تنسيقية دائمة من الحكماء العرب، يمكن أن يذلل كل الصعاب والخلافات البينية التي لا تزال عالقة ومنها قضايا ليبيا واليمن وسورية.
تفعيل العمل العربي المشترك من شأنه أن يقوِّي لحمة العرب شعوبا وحكومات، خاصة إذا ما أضيف إليها المقترح الجزائري وهو إدخال عنصر المجتمع المدني في الحسبان في كل قرارات وعمل الجامعة العربية. هذا المطلب في الواقع من الجزائر هو ناتجٌ عن تجربة محلية وطنية، بما يفيد بأنه -وبعيدا عن أي شكل من الوصاية أو التوجيه- مقترحٌ للدول العربية كلها باعتبارها أعضاء في الجامعة العربية أن تدخل هذه الآلية في إدارة الشأن العام الداخلي والسماع إلى صوت الشعوب عبر مجتمعها المدني ومطالبه، بما يجعل الجامعة العربية فيما بعد مؤهَّلة لأن يصبح المجتمع المدني مفعَّلا وفاعلا في العمل العربي المشترك.
الدعامة الثالثة التي رفعت من سقف التوقعات والآمال المنعقدة على هذه القمة وقبل وبعد، هي دعامة التوجُّهات الاقتصادية المستقبلية ضمن الشراكة العربية العربية في المجال الاقتصادي والاجتماعي، بما يفضي إلى فضاء وتكتل اقتصادي يدفع باتجاه كسب رهان الأمن الغذائي والطاقوي والصحي. هذا التكتل الذي قد ينشأ عن هذا العمل العربي المشترك بعد حلّ الخلافات الجانبية والبينية، يمكن أن يفضي إلى فضاء شبيه بفضاء شنغن مع اتحاد جمركي موحد يبدأ بإقامة مناطق تجارة حرة بين البلدان الجارة وصولا إلى التكامل الاقتصادي والتجاري بين البلدان العربية.
يبدو هذا حلما غير واقعي اليوم بما هو عليه الوضع المتشرذم وبما هو قائمٌ عليه قبل القمة، غير أن نجاح القمة الذي اعتمد على منهجية جدية وجديدة في التحضير والتنظيم وإدارة الحوارات قبل وأثناء القمة، والذي كان قد أشار إليه وزير الخارجية، جعل القمة تتقدم خطوات إلى الأمام على خلاف الخطوات إلى الخلف التي شهدناها في القمم السالفة ما قبل كوفيد19.
المنهجية التي قام عليه عمل الوفد الجزائري خلال التحضير وخلال إدارة الاجتماعات التحضيرية على مستوى الوزراء، تمثل في تجنُّب الخوض في المسائل الخلافية باعتبارها ملفات سبق وأن طُرحت في قمم سابقة ونوقشت وسُجِّلت بشأنها تحفظات وحتى خلافات حادة، وما كان ينبغي أن نعيد الكرة للخلف، بإثارة نفس القضايا التي تجمد العمل وتعيده للخلف عوض التقدم إلى الأمام، بل كان علينا أن نضع الجوانب الخلافية جانبا لنتقدم في الملفات الأكثر توافقا، فيما الخلافات الأخرى ستُذلل لاحقا ضمن متابعة تنفيذ مخرجات القمة.