الرأي

قمة العرب الفاشلين والفاسدين من الأفارقة

حبيب راشدين
  • 3334
  • 2

ماذا كان ينبغي أن نتوقع من قمة تجمع بين قادة عرب فاشلين وحكام أفارقة فاسدين، نصفهم يمتلك نصف طاقة العالم، والآخر عنده مفتاح سلة غذائه القادمة، فيما ينفق قادة الفضاءين نصف أموال شعوبهم على حروب مدمرة، والنصف الباقي يلتهمه فساد النخبة؟

في الوقت الذي كان العامة من العرب والأفارقة يتابعون آخر منازلة بين العرب والأفارقة على افتكاك التذكرة الإفريقية الخامسة المؤهلة لمونديال البرازيل، كان القادة الأفارقة والعرب يفتتحون القمة الاقتصادية العربية الإفريقية الثالثة في الكويت، بجدول أعمال كان يفترض أن يسيل لعاب شعوب الفضاءين، لولا أن البيان الختامي للقمة جاء ليفضح مرة أخرى القادة العرب والأفارقة على حد سواء، ويكشف لشعوبهم عورات قادتهم، وهم يسوقون في البيان الختامي لبضعة وعشرين قرارا، هي في الجملة محض نوايا حسنة، وتمنيات لن تسمن جائعا إفريقيا، أو تغني ثريا من أثرياء العرب.

فالفضاء العربي الإفريقي، المتصل جغرافيا وتاريخيا، هو في ذيل ترتيب شعوب ودول العالم على جميع الأصعدة، رغم الثروات اللامتناهية التي حباه الله بها، وقد تركت لنهب الجوارح المفترسة من وحوش العولمة والنظام العالمي الظالم، بعد أن افترسها لأكثر من قرنين ضباع الاستعمار القديم، ولم يعد ممكنا لشعوب هذا الفضاء تلمس الأعذار لحكامهم ونخبهم، بعد مرور أكثر من ستة عقود عن تصفية الاستعمار القديم.

 .

قمة للفشلة والفاسدين

كل ما كان ينبغي أن يقال عن أسباب تخلف هذا الفضاء، قد قيل وشرح بالطول والعرض، سواء بالنسبة لشقه العربي أو للشق الإفريقي منه، وما يذكر عن فساد النخب العربية له نظير شبيه غير مشع عند الأشقاء الأفارقة، والعكس صحيح، حتى وإن كانت فرص الإفلات من إصر التخلف أكبر عند العرب، بالنظر تحديدا إلى مواردهم الطبيعية والبشرية، وتوفر مقومات اجتماعية، ثقافية، وتاريخية لم تتوفر لأية أمة من قبل، كان يفترض أن تضع الفضاء العربي على سكة التطور السريع قبل أية أمة من أمم مجموعة البريكس الصاعدة، المتربصة بمواقع الريادة في العالم وخلافة الغرب في قيادة العالم.

القمة الاقتصادية العربية الإفريقية أسست منذ البداية على كذبة كبرى، وتدليس شنيع على الشعوب، لأنه قبل منح الثقة في قدرة الأفارقة والعرب في بناء تعاون استراتيجي بيني لفائدة شعوبهم، كان ينبغي أن تكسب النخب الإفريقية والعربية ثقة الشعوب في بناء دول ذات سيادة، قادرة على قيادة مبادرات للتعاون الاقتصادي والاستغلال المشترك للثروات داخل كل فضاء.

وكيف أمكن للأفارقة أن يثقوا في التزامات نظرائهم العرب، وهم يرون كيف أخفق العرب في السبعين سنة الماضية في بناء دول قطرية قابلة للحياة، وفشلهم في تحويل الثروة الهائلة من المحروقات إلى فرص تنمية مستدامة؟ وكيف ما تزال شعوب عربية شقيقة في المشرق والمغرب، نصف سكانها يعيشون تحت سقف الفقر، بينما تهدر أموال طائلة في الدول النفطية على خردة السلاح الغربي، الذي لم يحرر شبرا واحدا من الأراضي العربية المغتصبة، أو رد عدوان الاستكبار العالمي، والكيان الصهيوني في فلسطين، والعراق، وجنوب لبنان، وليبيا؟

وهل يحسن بالعرب أن يثقوا في قادة أفارقة متلونين، كثيرا ما وقفوا في السنوات الأخيرة في الصف الخطأ المعادي لقضايا الشعوب العربية، وما تزال أراضي بعضهم مرتعا لقوى الاستعمار القديم، ومحطات ينطلق منها الغرب والصهاينة لضرب الكيان العربي، كما حصل في النزاع الذي قاد إلى تفكيك السودان، وإعدام الصومال، وإعادة المستعمر الفرنسي إلى الصحراء الكبرى والساحل.

  .

رطانة قمم العرب والعجم

دعونا ننقب الآن بتفصيل أكبر عن مواطن الكذب والتدليس في ما ورد في البيان الختامي للقمة، الذي اشتمل على27 بندا كل بند منه محض تمنيات، وتوصيات للحكومات، ولتنظيمات المجتمع المدني، وكأن المجتمعين لم يكونوا رؤساء دول مخولين لاتخاذ قرارات نافذة.

يكفي أن نقرأ في رأس قائمة التوصيات، الدعوة إلى التجنيد والتعاون في مكافحة الإرهاب في كافة أشكاله وصوره، وتأييد الجهود الدولية في هذا الصدد، وكأن الإرهاب هو من يقتل سنويا الملايين من الأفارقة والعرب، وليس الفقر، والجوع، والمرض، والأوبئة التي صنعها الغرب لإبادة شعوب القارة السمراء، أو دعوة الحكومات، في البند السابع منه، إلى صياغة القوانين اللازمة لحماية المرأة، وتعزيز تمكينها الاقتصادي، وضمان مشاركتها في مسار صُنع القرار، وكأن العرب والأفارقة قد انتهوا للتو من التمكين الاقتصادي للذكور، وفتحوا لهم أبواب المشاركة في صنع القرار.

ما بقي من البنود الخاصة بما سمي مجازا بالتعاون الاستراتيجي، هو محض جمل إنشائية ركيكة، مفككة، تتحدث عن كل شيء وعن لا شيء، وكأن الفريق المحرر قد طلب منه ملء صفحتين يشفعان لقادة أكثر من سبعين دولة إفريقية وعربية حضر منهم النصف، ومثل النصف الآخر بمستوى دون الرؤساء، فيما كان أكثرهم لا يفوت فرصة المشاركة في القمم الإفريقية الصينية، أو الإفريقية الأوروبية، أو الأمريكية العربية.

وفي الجملة، فإن القمة الثالثة كانت دون الطموحات التي بعثتها القمة الثانية المنعقدة قبل اندلاع الربيع العربي في ليبيا سنة 2010 والتي كانت قد اعتمدت إقرار استراتيجية الشراكة العربية _ الإفريقية، وخطة العمل المشتركة 2011-2016  والتي اكتفت القمة الثالثة باستذكارها (هكذا في النص) وأكدت التزام القادة مجدداً بمتابعة تنفيذهما بهذه البنود الإنشائية الفضفاضة، التي لا تحمل أي التزام للطرفين، أو البداية في تركيب آليات تنفيذية قانونية أو مالية، باستثناء  قرار رفع رأسمال المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا بخمسين% أو تعهد الكويت باستثمار مليار دولار في السنوات الخمس القادمة في القارة السمراء.

  .

قارة تنتظر الفاتحين العرب

لقد كانت القمة فرصة ثالثة أضاعها العرب قبل الأفارقة، للدخول بالفضاءين الجارين المتداخلين في شراكة استراتيجية، تحررهما من التبعية، وتمنحهما مقاما محمودا في التوزيع القادم للعمل والنفوذ، مع بداية أفول النجم الغربي، وسطوع النجم الأسيوي.

كيفما توجه وجهك، لن تجد للعرب موقعا أفضل من القارة السمراء، سواء من أجل حماية ملياراتهم المكدسة في البنوك الغربية المشرفة على الإفلاس، أو للبحث عن ساحات استثمارية واعدة لم تقع بالكامل تحت سيطرة الشركات الفوقومية، أو لضمان موارد غذائية، وحدها القارة السمراء ما زالت تحتفظ بهامش توسع فيه، فضلا عن الثروات المعدنية الكثيرة والمتنوعة.

الكويت وحدها استثمرت، في شركة أوروبية واحدة، مبلغا يفوق خمسة عشر مرة المبلغ الذي أعلنه أمير الكويت كاستثمار قادم في إفريقيا، ولو شاءت دول الخليج لأمكنها كراء ملايين الهكتارات من أراضي القارة السمراء فقط بما أنفقوه على شراء فرق كرة القدم في أوروبا، وقد كان بوسع الجزائر أن تؤمن فضاءها الأمني في منطقة الساحل، باستثمار جزء يسير من احتياطها المودع اليوم بعملتين مهددتين بالانهيار عما قريب، وكان بوسع دول الخليج النفطية أن تنشئ فضاء ماليا استثماريا مفتوحا أمام الدول الإفريقية، يعفيها من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، والأسواق المالية الربوية العالمية التي تنهب القارة.

غير أن أفضل مقاربة، هي التي يمكن أن تنفذ عبر مؤسسات حكومية مشتركة بين دول الفضاءين، يسبقها اعتماد ترسانة من القوانين التي تحمي الاستثمارات كما تحمي الدول المستفيدة منها، يأتي في طليعتها الاستثمار في ثلاثة قطاعات قاعدية منتجة للتنمية المستديمة: الطاقة، والزراعة، وشبكة المواصلات، تتولاها مؤسسات عربية إفريقية عمومية  مشتركة، برأسمال موزع بعدل بين الدول، هي التي تستقبل القروض العربية الطويلة الأمد، المحمية باتفاقيات وتشريعات محلية، وليس القطاع الخاص الذي يبحث دائما عن الربح السريع كما جاء في بيان القمة.

  .

محاربة الإرهاب والحروب بالتنمية

وجود تسع دول عربية في شمال القارة، بمقدرات مادية وبشرية كبيرة، يشكل ضامنا آخر لبناء هذه الشراكة، وقد كان بوسع الطرفين أن يجنبا شعوب الأمتين محنة السودان والصومال، لو انهما اتجها في وقت مبكر إلى مساعدة دول محورية في حوض النيل، مثل مصر واثيوبيا، على قيادة مشاريع انمائية في حوض النيل، تصرف الشعوب عن الاقتتال تحت تهديد حرب المياه المستديمة، كما كان بوسع دول محورية، مثل الجزائر ونيجيريا، أن تدخل بتشجيع من الفضاءين في مسار مبدع، تقود به برامج تنموية لعموم منطقة الساحل وغرب افريقيا، لأن الحروب والإرهاب لا تنشأ في فضاء تشغله حركة الإنماء، التي هي في كل الأحوال أقل كلفة مما تنفقه الدول في مكافحة الإرهاب، أو في حروب عدمية تكون في الغالب مطية ومدخلا للتدخل الأجنبي.

الأفارقة بدورهم بحاجة ماسة إلى هذه الفضاء العربي لحماية القارة من الافتراس المتواصل لثرواتها، وخاصة حماية أراضيهم الزراعية، التي دخلت في مزاد علني عالمي تتقاتل عليها الشركات الصينية والأوروبية خارج أية ضمانات لشعوب ودول القارة.

وقبل هذا وذاك نحتاج ان تبلور سياسة عربية جديدة، تنقل وجهة العرب من الشمال والشرق، إلى اعتبار القارة الإفريقية كفضاء استراتيجي شريك في المائة سنة القادمة، نمتلك فيه أدوات التنافس التي نفتقدها في الفضاء الأسيوي أو الأوروبي الجارين، وأنه يتعين على الحكومات العربية أن تتعرف أولا على الفرص المتوفرة في هذه القارة، بتنظيم إرساليات للشباب العربي المتعلم العاطل، وفي جميع التخصصات، لإعادة استكشاف هذه القارة بأعين عربية، وأن تفتح جامعاتنا ومعاهدنا للشباب الإفريقي، بل وفتح باب العمالة للأفارقة بدل الأسيويين خاصة في دول الخليج، مع تصحيح نظرة العرب الفوقية وأحيانا العنصرية، التي يضخمها الإعلام الغربي على مدار السنة.

 

الأموال الطائلة التي صرفتها بعض دول الخليج في الحرب الحمقاء بالوكالة على سورية، كانت ستكفي لتمويل مشاريع عربية إفريقية عملاقة في المجالات التي نوهنا بها، تضمن رافدا للأمن القومي العربي فوق ما كان يرجى في الخليج من انتزاع سورية والعراق من التأثير الإيراني، خاصة وأن القارة توفر فضاء خصبا لانتشار الإسلام السريع الذي يشكل رافدا آخر لأي عمل استراتيجي عربي إفريقي قادم.

مقالات ذات صلة