الرأي

قمَّة “البحر الميت” لتحنيط جامعة بلا روح

حبيب راشدين
  • 2801
  • 0

تنطلق غدا أشغال الاجتماع التحضيري لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في دورتها العادية الـ28 بمنطقة البحر الميت بالأردن في الـ29 من هذا الشهر، وسط توقعات رسمية وإعلامية متفاوتة: ما بين تفاؤل أخرق، وتطيُّرٍ مفهوم باسم الموقع الذي اختير لعقد القمة على ضفاف “البحر الميت” بأسفل نقطة تحت البحر في العالم، وعلى مرمى حجر من فلسطين المحتلة منذ 70 سنة.

على الورق، نحن أمام تجمع يفترض انه يمثل قوة عالمية ذات وزن: بكتلة بشرية هي الثالثة بعد الصين والهند (أكثر من 400 مليون نسمة) والثانية من حيث المساحة بعد الإتحاد الروسي (قرابة 14 مليون كلم مربّع)، والخزان النفطي الأول للعالم، وأقدم تنظيم دولي إقليمي تشكَّل قبل الأمم المتحدة. 

وقبل أيام من انعقاد القمة انصبّ اهتمام ملك البلد المنظم على انجاح مراسيم استقبال نظيره ملك السعودية، والتنقل إلى الرباط لإقناع ملك المغرب بالحضور وكأنها قمة تعني فقط ملوك العرب وأمراءهم، فيما رُفع علم سورية ليشغل المقعد السوري الشاغر ووُجِّهت دعوة لروسيا بالحضور، وكأن سورية باتت تحت الانتداب، وقد تمثل اليمن وليبيا بوفدين، في مشهد مزرٍ دُعي لنقل فضائحه أكثر من 1200 إعلامي.

هذا هو المشهد الذي يتحرك فيه الوفد الجزائري، وقد زيّن في النفس حلم إقناع نظرائه بإدخال اصلاحات على جامعة معادية بالفطرة للعمل المشترك العقلاني، ظلت قممُها تعكس كالمرايا واقعا عربيا مزريا كان من صنع قادة يعملون كشيوخ عشائر، لم يستح بعضُهم وهو يستضيف القمم من بيع أسرارها للكيان الصهيوني ويتآمر على الأمن القومي للعرب وعلى القضية التي أنشئت لأجلها الجامعة، قبل أن تتحول الجامعة ذاتها -تحت هيمنة دول الخليج- إلى غطاء للعدوان الصليبي على العراق ثم على ليبيا.

يقينا، لن يصغي أحدٌ للمقترح الجزائري بإدخال إصلاحات على الجامعة، والاقتراب مما تحقق في الإتحاد الإفريقي، وقد يحسن بالوفد الجزائري أن يغتنم القرب المكاني من الأرض المحتلة ليقنع العرب بحل وسط، يُخرج ملفات التعاون العربي والعلاقات البينية من يد الجامعة باستثناء القضية الفلسطينية والتنسيق السياسي في المحافل الدولية، ويحيل قضايا التعاون والعمل المشترك إلى تنظيمات إقليمية متجانسة ثلاثة: مجلس التعاون لدول الخليج، ودول الهلال الخصيب، وأخيرا دول شمال إفريقيا، ولا بأس بعد ذلك أن تكون الجامعة العربية بعد إصلاحها تنظيما فوقيا ينسِّق العمل بين الكيانات الثلاثة.

وفي كل الأحوال، يحسن بنا في إقليم شمال إفريقيا ونحن نمثل ثلثي العالم العربي تعدادا ومساحة، وقوة اقتصادية وعسكرية متجانسة، أن نفكر بسرعة في بناء اتحاد لفضاء شمال إفريقيا قابل للتوسُّع مستقبلا للدول المتاخمة للصحراء الكبرى، تمليه علينا التطورات المتسارعة في إعادة توزيع الأوراق في العالم، وفي مقدِّمتها ما يجري في القارة السمراء من بناء تكتلات اقليمية في الجنوب والشرق والغرب، بدأت تعيد توزيع الأوراق داخل القارة لغير صالح دول شمال إفريقيا وشعوبها، فيما بوسع الدول الست لشمال افريقيا مع السودان أن تشكل قوة اقتصادية بشرية وعسكرية لا يمكن تجاوزها في القادم مما يُحضّر لاقتسام كعكة القارة السمراء الدَّسمة، المحرِّك القادم للاقتصاد العالمي في العقود القليلة القادمة.

مقالات ذات صلة