الجزائر
السلطات المحلية مدعوة إلى تنظيم استقبال المعونات وتوزيعها

قوافل تضامنية تهب لنجدة عائلات ضحايا الحرائق بالولايات الشرقية

نادية سليماني
  • 145
  • 0

تحولت حرائق الغابات التي مست عددا من ولايات شرق البلاد، وعلى رأسها ولاية جيجل التي سجلت أضرارا كبيرة، إلى مناسبة جديدة أظهر فيها الجزائريون معدنهم الحقيقي، بعدما سارعت جمعيات ومنظمات وأطياف واسعة من المجتمع المدني ومواطنون من مختلف ولايات الوطن إلى إطلاق حملات لجمع المساعدات وإرسال القوافل التضامنية نحو المناطق المتضررة، في مشهد أعاد إلى الواجهة قيم التكافل والتآزر التي لطالما ميزت المجتمع الجزائري في الأزمات والكوارث.
ومنذ الساعات الأولى التي أعقبت اتساع رقعة الحرائق، بدأت الدعوات عبر مختلف المناطق لجمع المواد الغذائية والأفرشة والأغطية والملابس ومختلف المستلزمات التي يمكن أن تحتاجها العائلات التي فقدت جزءا من ممتلكاتها أو اضطرت إلى مغادرة منازلها ومناطقها بسبب النيران.
وسرعان ما تحولت هذه المبادرات الفردية والجماعية إلى قوافل منظمة انطلقت من ولايات مختلفة، حاملة معها رسائل تضامن قبل أن تحمل المساعدات المادية.

جيجل في صدارة الولايات المتضررة
وتبرز ولاية جيجل ضمن أكثر المناطق التي استقطبت مبادرات التضامن، بالنظر إلى حجم الأضرار التي خلفتها الحرائق التي ضربت عددا من المناطق، وما رافقها من عمليات إجلاء للسكان وتضرر للعائلات والممتلكات ومصادر الرزق.
وفي الوقت الذي كانت فيه فرق الإطفاء والحماية المدنية والمتطوعون يخوضون معركة إخماد النيران وحماية السكان، بدأت على الجانب الآخر معركة من نوع آخر، عنوانها “لا تتركوا المتضررين وحدهم”، حيث شرع مواطنون وجمعيات في جمع كل ما يمكن أن يساعد العائلات على تجاوز الأيام الصعبة التي خلفتها الكارثة.
ولم تقتصر المبادرات على ولاية واحدة، بل تحركت قوافل من عدة ولايات، في صورة تؤكد أن التضامن في الجزائر لا يزال قادرا على التحول بسرعة إلى فعل ميداني عند وقوع الكوارث، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعائلات فقدت مساكن أو ممتلكات أو أراض زراعية ومواشي ومصادر رزقها.

كثرة المبادرات بحاجة إلى تنظيم
وبقدر ما تعكس هذه الحملات روحا تضامنية تستحق التقدير، فإن اتساعها وتعدد القوافل يطرح تحديا ميدانيا لا يقل أهمية، يتعلق بكيفية استقبال هذه المساعدات وتنظيم عملية إنزالها وتخزينها ثم توزيعها على العائلات المتضررة بصورة عادلة ومنظمة.
فقد تحدث بعض الناشطين الذين وصلوا إلى المناطق المتضررة، خاصة بولاية جيجل، صبيحة أمس الجمعة، عن صعوبات واجهتهم في العثور على جهات محددة تستقبل القوافل وتوجهها، وهو ما قد يؤدي، في حال استمرار الوضع دون تنسيق، إلى تكدس المساعدات في نقاط معينة مقابل احتمال عدم وصول أخرى إلى مناطق تحتاجها فعلا.
ولا يتعلق الأمر هنا بغياب روح التضامن، بل على العكس تماما، إذ إن كثرة المتضامنين وحجم المساعدات يستدعيان وجود آلية واضحة حتى تتحول هذه الجهود إلى مساعدة فعالة على أرض الواقع.

نقطة استقبال موحدة لكل قافلة
وتبدو الحاجة ملحة إلى أن تبادر السلطات المحلية في الولايات المتضررة إلى تنظيم العملية، من خلال تحديد نقاط رسمية وواضحة لاستقبال القوافل، وتوفير فرق تتكفل بإحصاء المساعدات وفرزها وتخزينها وتوجيهها، بالتنسيق مع الجمعيات المحلية والجهات المعنية.
كما يمكن اعتماد قوائم دقيقة للعائلات المتضررة واحتياجاتها، بما يسمح بتوجيه المساعدات وفقا للأولوية، خاصة أن احتياجات أسرة فقدت منزلها تختلف عن احتياجات أسرة أخرى تضررت جزئيا أو فقدت مصدر رزقها.
ويفترض، أيضا أن يتم التنسيق مسبقا مع الجمعيات والناشطين الراغبين في إرسال قوافل، حتى يعرف كل طرف الجهة التي سيتوجه إليها ونقطة التسليم والكميات المطلوبة، بدلا من وصول أكثر من قافلة محملة بالمواد نفسها إلى المكان ذاته.

التضامن لا يكفي وحده
وفي الكوارث الكبرى، لا تقاس قيمة التضامن فقط بحجم ما يتم جمعه، وإنما أيضا بمدى وصوله إلى مستحقيه وفي الوقت المناسب.
فالمساعدات التي تصل إلى مستودعات منظمة ويتم توزيعها وفق احتياجات حقيقية يمكن أن تخفف كثيرا من معاناة العائلات، بينما قد تتحول المساعدات غير المنسقة إلى عبء إضافي على المتطوعين والسلطات إذا تكدست دون تصنيف أو توجيه.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من المبادرات العفوية إلى مرحلة أكثر تنظيما، دون المساس بروح المبادرة التي أطلقها المواطنون والجمعيات. فالسلطات المحلية مطالبة بأن تكون حلقة الوصل بين المتضامنين والمتضررين، وأن توفر المعلومات اللازمة وتحدد الأولويات وتضمن شفافية التوزيع.
وتبقى الصور القادمة من مختلف ولايات الوطن، وهي تحمل قوافل المساعدات نحو الشرق الجزائري، دليلا على أن الأزمات قادرة على جمع الجزائريين حول هدف واحد، هو الوقوف إلى جانب من تضرروا وفقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
لكن هذه الملحمة التضامنية تحتاج إلى إدارة جيدة حتى تحقق أهدافها كاملة. فالمطلوب اليوم ليس فقط جمع المزيد من المساعدات، وإنما معرفة ما تحتاجه كل منطقة، وتحديد الجهات التي تستقبلها، وضمان تخزينها وتوزيعها بصورة عادلة.
وبينما تواصل العائلات المتضررة محاولة استعادة حياتها بعد انحسار خطر النيران، يبقى التضامن الشعبي سندا مهما لها، على أن يرافقه تنسيق رسمي وميداني محكم، يحول كرم الجزائريين من قوافل متجهة إلى المناطق المنكوبة إلى مساعدات تصل فعلا إلى كل عائلة تحتاج إليها.

ورشة نفسانية لفائدة 45 طفلا متضررا
أطباء يتطوعون لمداواة جراح ضحايا الحرائق
في مشهد جديد يجسد روح التضامن والتكافل التي تميز المجتمع الجزائري في أوقات المحن، بادر أطباء من مختلف التخصصات إلى التطوع والتوجه نحو الولايات التي تضررت بفعل الحرائق، للمساهمة في التكفل بالجرحى والمصابين وتقديم الرعاية الصحية اللازمة للمتضررين.
ويأتي هذا التحرك التطوعي في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها العديد من العائلات، خاصة في المناطق التي خلفت فيها الحرائق إصابات وحروقا واختناقات، إلى جانب حالات نفسية صعبة عاشها السكان جراء فقدان منازلهم وممتلكاتهم ومواجهة خطر النيران.
وأكد الأطباء المتطوعون استعدادهم لتقديم خبراتهم ومهاراتهم للفرق الطبية المحلية، والمساهمة في تخفيف الضغط عن المؤسسات الصحية التي تستقبل المصابين.
وتشمل المبادرة أطباء من تخصصات متعددة، بما يسمح بالتعامل مع مختلف الحالات، سواء تعلق الأمر بالحروق والإصابات، أم أمراض الجهاز التنفسي الناتجة عن استنشاق الدخان، فضلا عن التكفل بالحالات التي تحتاج إلى متابعة نفسية بعد الصدمة.
ومن جهتها، وفي إطار مواصلة جهود التكفل بالأسر المتضررة من الحرائق التي شهدتها ولاية جيجل، وتجسيدا لمنظومة المرافقة النفسية والاجتماعية التي يفعلها قطاع التضامن الوطني في الظروف الاستثنائية، باشرت الفرق المختصة تنفيذ برنامج عملها على مستوى مركز الإيواء المخصص للمنكوبين بمركز التكوين المهني بالشـقفة، لفائدة الأطفال المتضررين، وذلك في سياق التحضير النفسي والتربوي لعودتهم إلى مقاعد الدراسة في ظروف ملائمة.
وقد شملت العملية تنظيم ورشة متخصصة لفائدة أكثر من 45 طفلا، أطرها أخصائيون نفسانيون، وأتاحت فضاء للاستماع والحوار ممن الأطفال من التفاعل والمشاركة، ضمن تأطير يراعي خصوصية هذه الفئة العمرية، ويسهم في استعادة توازنهم النفسي وتهيئتهم للعودة التدريجية إلى حياتهم اليومية.
وتندرج هذه العملية ضمن منظومة متكاملة للمرافقة النفسية والاجتماعية باشرها قطاع التضامن الوطني لفائدة العائلات والأسر المتضررة بالولايات التي مستها موجة الحرائق الأخيرة، من خلال فرق متخصصة تتولى مرافقة مختلف الفئات وفق خصوصية كل وضعية، في إطار مقاربة ميدانية تستهدف احتواء التداعيات النفسية والاجتماعية الناجمة عن هذه الظروف الاستثنائية.

مقالات ذات صلة