الجزائر
"الشروق" ترافق عائلات تجني الزيتون بجبال ميلة

قوافل نسائية تتحدى التضاريس والحيوانات المفترسة

روبورتاج / نسيم عليوة
  • 2303
  • 0
أرشيف

مع بداية شهر جانفي، تصل مراحل جني الزيتون أنفساها الأخيرة، تزامنا مع جو ربيعي غير معتاد، حيث تتواصل عملية جني الزيتون عبر الدواوير والجبال المترامية في ولاية ميلة، فيما انتهت بالمناطق الداخلية من الولاية، والتي تنتشر على مساحة قابلة للجني تقدر بـ9721 هكتار من أصل 12633 هكتار مخصصة لأشجار الزيتون بالولاية.
وتفيد مصادر من مديرية الفلاحة بولاية ميلة، بأن هذه الكمية المتوقع إنتاجها من الزيتون خلال الموسم الحالي تصل إلى نحو 140 ألف قنطار منها 120 ألف قنطار موجهة لإنتاج زيت الزيتون والباقي زيتون المائدة.
“الشروق”، رافقت مع بداية السنة الجديدة، عائلات شرعت في جني الزيتون عبر جبال ومشاتي ولاية ميلة، حيث لاحظنا اقتصار هذا العمل تقريبا على العنصر النسوي، حيث يتفق أصحاب حقول أشجار الزيتون، مع مجموعة من النساء لجني المحصول الجبلي مقابل مبالغ مالية أو كمية من الزيت من المنتوج نفسه والتي يمكن تسويقها، فيما تضطر الكثير من العائلات إلى جني محصول الزيتون في الأماكن الجبلية الوعرة، بسبب الحاجة والفقر، وتدهور الظروف المعيشية للكثير منهم.
وقد وقفت “الشروق”، على عائلات بأكملها من الأم إلى الجدة إلى البنات كلهن يعملن على قدم وساق في جبال صعبة التضاريس وبها حيوانات خطيرة مثل الخنازير والضباع، وهذا منذ ساعات الفجر، أين يخرجن إلى الحقول المنتشرة بالمناطق القريبة من مساكنهن، ومنهن من تبعد عليهن تلك الحقول بـ10 كلم ويبدأ العمل مع طلوع الشمس إلى غاية الغروب، حيث تأخذ العائلات معها غدائها ولا تعود إلا مع حلول المغرب.
وتقول في هذا الإطار الخالة مسعودة الساكنة ببلدية وادي النجاء، بأنهن يباشرن أعمالهن منذ بداية موسم الجني في شهر أكتوبر، وفي شهر جانفي الجاري، ينتقلن إلى الجبال، حيث تبقى الزيتونة في قمة نضجها وهي طبيعية جدا وتعتبر زيتونة جانفي الأكثر صحة والألذ مذاقا، وتكمل قائلة: “هذا هو عملنا على مدار السنة، فنحن ننتظر فصل جني الزيتون طوال العام لنسد رمق أبنائنا وإضافة مدخول ومصروف يخفف عنا غلاء المعيشة، ما باليد حيلة يا ولدي أصبحت الحياة صعبة والمتطلبات كثيرة لهذا نحن مرغمات على هذا العمل”.
وعند تنقلنا إلى حقل آخر، التقينا عمي السعيد الذي أخبرنا بأنه يملك مساحة واسعة من أشجار الزيتون بجبال بلدية اعميرة أراس وبجبال ترعي باينان شمال ميلة، وقال إنه يعمل على وضع مطبخ متنقل عبر حقوله ليوفر وجبة الغداء للعاملات وربح مزيد من الوقت والجهد للنساء، من أجل العمل بسرعة وعدم إضاعة الوقت في تحضير وجبة الغداء وهناك من تفطر على حبات من الجبن والبيض المسلوق بسبب الفقر، متسائلا كيف لهذه المرأة التي تناولت وجبة باردة أن تعطي مردودا في جبال وعرة رغم صعوبتها فإنها تمنح زيتا طبيعيا مفيدا صحيا.
وتعتبر ولاية ميلة من بين الولايات الرائدة في إنتاج زيت الزيتون الذي يعد من ضروريات الطبخ لدى العائلات الميلية، يقول السيد منصف، خاصة مع دخول فصل الشتاء، أين تصل درجات الحرارة إلي ما دون الصفر لاسيما بالمناطق الشمالية، مما يزيد في استهلاك زيت الزيتون من أجل مقاومة قساوة البرد وعلاج بعض الأمراض، حيث يلقى زيت الزيتون رواجا كبيرا هذه الأيام، خصوصا أنه من المتوقع أن يصل إنتاج زيت الزيتون للموسم الفلاحي الحالي إلى 2 مليون و40 ألف لتر، رغم حالة الجفاف التي تعرفها ولاية ميلة خلال هذه السنة والحرائق التي طعنت الحقول.
ويزيد الطلب على زيت الزيتون مع برودة الطقس وتساقط الثلوج الغائبة إلى حد الآن هذا العام، الأمر الذي جعل الكثير من المواطنين يلجؤون إليه، رغم الغلاء الذي ميز سعر اللتر الواحد منه والذي وصل إلى حدود 1000 دج للتر، ما جعل العديد من المواطنين يتساءلون عن سبب هذا الارتفاع في هذه المادة التي لم تسجل ولاية ميلة منذ عقود مردودا هائلا بهذه الكمية.
من جهة أخرى، وحسب الشيخ يوسف توهامي وهو فلاح قديم في المنطقة التقت به الشروق اليومي، فإن سبب المردود الوفير في هذه المادة خلال الموسم الحالي يرجع إلى غياب الأمراض التي تصيب ثمرة الزيتون عادة، نتيجة الظروف المناخية الملائمة، إلا أن شح الأمطار أثر بشكل كبير على إنتاج الزيتون، بينما استثني من قام بعملية السقي في فصل الصيف، والذي يملك آبارا للمياه، حيث حقق منتوجا أفضل، فيما بلغت نسبة عملية جني الزيتون الجارية 85 بالمائة، وما تبقى سيعني الجبال الوعرة.
والملاحظ في عملية الجني أنه رغم أن المنطقة تضم أجود أشجار الزيتون والتي يعود عمرها إلى الحقبة الاستعمارية، هو لجوء العديد من المواطنين أصحاب حقول الزيتون للطرق التقليدية في الجني، خاصة منها ضرب الشجرة بواسطة العصي، وهي ما تسمى بالنفض مما يؤثر سلبا على الشجرة مستقبلا، وتقول الخالة مسعودة ابنة وادي النجاء بأنها الطريقة الأمثل في جبال ومنحدرات لا يمكن إسقاط الزيتون بأي طريقة غيرها، والمهم أن النتيجة عبارة عن أجود زيت زيتون في الدنيا لأنه جبلي طبيعي جدا، على حدّ قناعة الخالة مسعودة.

مقالات ذات صلة