الرأي

قوتهم في ضعفنا

الشروق أونلاين
  • 3171
  • 6

إن المتأمل في أحوال المسلمين في مختلف البقاع ليرى بكل جلاء أنها لا تسر فؤاد مؤمن ولا تفرح قلب مسلم، رغم أن الله عز وجل أكرم هذه الأمة بما لم يكرم به غيرها من الأمم السابقة وخصها بخصائص لم يخص بها غيرها من الأقوام السالفة، فأمة الإسلام أمة مرحومة وأمة شرَّفها الله تعالى بخير الرسل مقاما وأفضلهم مقالا صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وجعلها الله تعالى أمة وسطا لتكون شهيدة على الناس ويكون الرسول عليها شهيدا، وجعل لها فضائل لا يسع المقام لذكرها وتفصيلها.

أمة دينها بهذه المواصفات لجدير بأن يخترق كل العقبات ليصل إلى كل أنحاء المعمورة ويصدق فيها حديث رسول الله صلى الله الله عليه وسلم “ليبلغن هذا الأمر (أي الإسلام) ما بلغ الليل والنهار…” 

ففاق تعداد أفرادها المليار ونصف المليار (حسب آخر الإحصائيات).

على الصعيد العالمي، لو نظرت إلى صورة من صور المسلمين عند اجتماعهم في عمرة رمضان أو في الحج من كل عام، فإنك سترى من المتناقضات ما يشيب له الولدان، ويعجز العقل اللبيب عن فكها وتوجيهها:

يجتمع الملايين من المسلمين من كل حدب وصوب إلا من استثنى نفسه (كالفارسيين الروافض)، ومن استثنيَ غصبا وقهرا (كالمستضعَفين من أهل غزة وبورما وسوريا ومناطق أخرى جبر الله استثناءهم وانتقم للمتسبب في ذلك)، فترى جحافل المسلمين من الرجال والنساء والشباب والشيوخ وحتى الأطفال تدخل البيت الحرام أفواجا أفواجا وفي كل وقت وحين، فلا حرارة الظهيرة تمنعهم ولا الزحام الشديد يصدّهم ولا الليل البهيم يثنيهم.

تعدّدت الألسن والألوان والبشرات والأقمصة والعمامات ولم يكن ذلك مانعاً من اجتماعهم حول الكعبة المشرَّفة –زادها الله تشريفا وتعظيما– ورغم صعوبة التخاطب إلا أنهم متواصلون ولو بالإشارات وأحيانا بالابتسامات فقط، والتكافل أيضا له وقع خاص خاصة في رمضان.

فكيف لأمةٍ بهذا الوصف أن تكون ضعيفة تتغلب عليها شرذمة من صهاينة تحكَّموا وتغطرسوا ولم يجدوا صلاحا ليوقفهم ويهزمهم، إلا ان يصدق فيهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  القائل: “تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فسئل أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟  قال: لا ولكن غثاء كغثاء السيل”. إنها الغثائية التي تتطوّر صورها من زمن إلى آخر ومن جيل إلى جيل. 

وغثائيتنا في هذا الزمن – والله أعلم – هي الضعف الذي يتقوى منه المتربصون، ضعف مشاهد في البلد الحرام فلا تكاد ترى صفا مكتملا متراصا في الصلاة وذلك أبسط مقوِّمات الصلاة، صفوف متناثرة هنا وهناك كتناثر الشياه في الليلة المطيرة، وزاد من حجم الهوة في الصفوف ظاهرة حجز الأماكن، رغم أنها الأمة التي أمرت برصِّ صفوفها في الصلاة تدريبا لرصِّها في الجهاد، ولا يمنع من تسويتها إلا غياب النظام في السلوك الفردي لكل واحد منهم.

وإذا ما اتجه نظرك إلى النظافة فإنها تجدها في معاناة كبيرة وسط ركام من الأوساخ تعلو ساحات الحرم وأزقته مخالفين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا تفعل”، ليغلبوا بذلك الجيش المسخر من المنظفين الذين انهزموا أمام الأوساخ.

ولم تشفع رؤية الكعبة المشرفة والمشي على أرض الوحي لتمنع التدافع عند الركوب في وسائل النقل، فلا يحظى بها إلا أولو القوة من الرجال وأحيانا من النساء أيضا، وكأنك على مدخل ملعب يتدافع عليه أنصار الفريق.

إن ذلك كله ضعفٌ راجع إلى فقدان التمدُّن الحقيقي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم في تعاملات المسلمين عند هجرته إلى المدينة المنورة. تلك المدينة التي كانت تسمى يثرب واختير لها اسم المدينة البسيط في مبناه والعظيم في معناه، إذ يوحي بنقل العرب من البداوة والسذاجة إلى المدنية الراقية المتحضرة التي تجمع بين الربانية والإنسانية وتلزم الإنسان بالتوحيد والأخلاق وتطلق يده بعد ذلك لرفع مستواه الحضاري وتشجعه على كل إبداع يخدم الدين وينفع الناس وفق حس جمالي وذوق رفيع كما تقتضيه آداب المدنية المنضبطة بهدي السماء، فعاش المسلمون الإسلام ليس شعارا وإنما عاشوه عامل تحرير وعزة ورُقيّ.

وأما على الصعيد المحلي، فالضعف بارز على المستوى السياسي من خلال النظر في حال الأحزاب السياسية التي لم تقدر على اقتلاع وزحزحة عقلية الحزب الواحد وعقيدة “ما أريكم إلا ما أرى”، رغم امتلاك بعض الأحزاب الصادقة لكثير من مقومات الاقتلاع  والزحزحة  من نية صادقة وكفاءات في شتى الميادين، وما ذلك إلا للضعف المتمثل في عدم القدرة على تطبيق النموذج النظري الذي لطالما روّجوا له وتفاخروا به عبر حقب زمنية طويلة، فلم تستطع مجالسها النيابية الوطنية والولائية وخاصة المحلية التكفل بانشغالات المواطنين وحل مشاكلهم وكسب ثقتهم كما فعل على سبيل المثال النموذج التركي حيث استطاع رئيس بلدية ان يصل إلى رئاسة الجمهورية عبر خدمة المواطن. لذلك سيبقى هذا الضعف في تلك الأحزاب يتقوى منه الفكر الأحادي ما لم تصل مجالسهم النيابية إلى المواطن الوصول الحقيقي.

وليس بعيدا عن هذا حال النقابات التي تأسست حقيقة لتدافع عن الحقوق المعنوية والمادية للموظفين، لا تلك التي ليست إلا ديكورا في بيت المركزية، فرغم صدق بعض النقابات غير أنها لم تتمكن من تقويض الضعف الذي يتقوى منه المسؤولون، ضعف يمكن أن نختزله في أمرين:

* إن كل الضعف الذي تحدثنا عنه ومنه يقتات من يظهرون في صورة الأقوياء مرده إلى الوهن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “حب الدنيا وكراهية الموت”. فلما صرنا في زمن الكل يريد أن يصبح غنيا والكل ينظر إلى من هو أعلى منه في المال لا الخلق والعلم، صار الغنى هو ضالة المجتمع وهو المحرك للنفوس والهمم.

 أولهما: الانهزام أمام المناصب السامية الفانية وما يتبعها من مغريات وامتيازات، انهزام ليس على مستوى القيادة النقابية بل حتى على مستوى القواعد النقابية ولله در من قال: “ويبقى النقابي قويا ما لم يطلب لنفسه شيئا”، ونستطيع أن نضيف: “ويبقى الموظف قويا ما طلب شيئا لنفسه” طبعا على حساب الآخرين.

والأمر الثاني: هو تقديم كل شيء على الوظيفة التي هي دائما ليست مرتبة في سُلمّ الأولويات بل هي أول ما يضحى به عند تعارض المشاغل والواجبات.

فماذا هو فاعل المسؤول إذا تكلم الموظفون بكلمة رجل واحد وعلى قلب رجل واحد إلا أن يخضع خضوعا لا شية فيه مهما علا منصبه وارتفعت رتبته.

إن كل الضعف الذي تحدثنا عنه ومنه يقتات من يظهرون في صورة الأقوياء مرده إلى الوهن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “حب الدنيا وكراهية الموت”. فلما صرنا في زمن الكل يريد أن يصبح غنيا والكل ينظر إلى من هو أعلى منه في المال لا الخلق والعلم، صار الغنى هو ضالة المجتمع وهو المحرك للنفوس والهمم، فلا المسئول الذي يتمتع بامتيازات الغنى كلها قانع بل لسان حاله هل من مزيد وبكل الطرق من ابتزاز ورشاوى وهدايا غير مستحقة وبيع مالا يملك إلى درجة الطمع في الغذاء والعشاء، ولا الموظف الذي هو مصرّ على الصعود ولو على جماجم القيم والأخلاق قانع ولسان حاله يقول: “هم ليسوا خيرا منا”. 

لا سبيل لنا إلا بالتغلّب على الوهن فأنَّى لمن أصيب به أن يتقوى على ضعف يستمد الآخر منه القوة.

فاللهم اجبر ضعفنا.

مقالات ذات صلة