قيدوني بالسلاسل وأنا على سرير الولادة ورؤيا الرسول ربطت على قلبي
عندما قررت السيدة فاطمة الزق أن تنتقم من الاحتلال الإسرائيلي بعملية استشهادية كان من المقرر أن تنفذها داخل الأراضي المحتلة عام 48، لم تفكر في والديها وأسرتها المكونة من ثمانية أبناء وزوجها، لأن كل ما كان يشغلها هو أن تفي بما عاهدت الله عليه، وهو أن تقدم روحها لنصرة الدين وتحرير الوطن من الصهاينة الذين عاثوا فسادا في أرجاء فلسطين، وفي هذا الحوار الذي خصت به “جواهر الشروق” تحدثت فاطمة عن تفاصيل العملية التي كانت ستقوم بها، وعن معاناتها داخل الزنزانات الإسرائيلية التي شهدت ولادة ابنها يوسف الذي أصبح أصغر أسير في المعتقل.
“نعم، زوجني أبي ليرتاح من خوفه عليّ” هكذا بدأت فاطمة حوارها الذي كشفت من خلاله عن السبب الذي جعل أباها يزوجها في سن صغيرة، حيث قالت إنها كانت تشارك في المظاهرات وتتقدم الصفوف، لذلك تم ملاحقتها من طرف جنود الاحتلال في إحدى المظاهرات التي انطلقت في شمال غزة سنة 1987 ولكنها استطاعت أن تفر منهم وتعود إلى البيت، وعندما عرف والدها بالأمر، اتخذ قرارا بمنعها من إتمام دراستها الثانوية، حيث لم يتبق لها إلا شهر واحد على إجراء امتحانات السنة النهائية والانتقال إلى الجامعة، حيث كانت طموحاتها تناطح السحاب، “ولكنني عاهدت الله على أن الاستشهاد في سبيله لنصرة الدين وتحرير الوطن مهما كلفني ذلك”، ولم يكن هذا الأمر تحديا بقدر ما كان حبا ينمو ويكبر في القلب.
وعن تفاصيل العملية، تقول السيدة الزق، إنها كانت عازمة على تنفيذ عملية استشهادية في حافلة للجنود الصهاينة في تل أبيب ضمن خطة مدروسة ومتفق عليها وتتسم بالسرية التامة، ولكنها لاحظت عند وصولها إلى الممر الأمني الإسرائيلي، أنه كان فارغا تماما من الجنود، فشعرت أن هناك أمر ما يدبر لها وأنه قد وشي بها، ولكنها لم تتراجع بل فوضت أمرها لله واستودعته نفسها وأبناءها وزوجها وأكملت طريقها إلى آخر الممر، وهي تعزي نفسها بقول ابن تيمية:” إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن سجنوني فسجني خلوة، وإن نفوني فإن نفي سياحة”، وبالفعل كانوا بانتظارها، حيث وقال لها الضابط الإسرائيلي إنه كان ينتظرها منذ ساعات الصباح، وترك زوجته وأبناءه وجاء ليستقبلها ما يؤكد أنه تم الوشاية بها، ثم أضاف الضابط” إنك تشبهيننا لذلك اختاروك”.
وقعت فاطمة بين أيدي الضباط الإسرائيليين الذين مارسوا عليها كل أنواع التعذيب أثناء التحقيق معها، ولكنها استطاعت أن تفقدهم أعصابهم عندما كانت تبدي عدم الاكتراث بهم وكأنهم غير موجودين معها، وهي على هذا الحال من التعذيب القاسي ، كانت تقرأ القرآن وتسترسل بالدعاء وهي مضربة عن الطعام، فجنّ جنونهم.
لم تخلو يوميات أم يوسف من التعذيب والضرب في زنزانات عسقلان، وسألوها من البداية إن كانت حاملا فأجابت بالنفي، ولكن شيئا ما داخلها جعلها تصر على إجراء فحص طبي وبعد معاناة مع الضباط، سمح لها بإجرائه فاكتشفت أنها حامل في الشهر الأول، هذا الأمر دفع بالسجانين إلى محاولة إجهاضها أكثر من مرة بتقديم حبوب مجهولة لإسقاط الجنين، وتم نقلها من زنزانتها إلى أكثر من زنزانة، ووضعوا معها عميلة مكثت معها ثلاثة أيام لتنتزع منها أي اعتراف أو معلومة ولكنها كانت حريصة على عدم التطرق إلى موضوع يتعلق بالعملية التي كانت ستنفذها، فخرجت العميلة من الزنزانة كما دخلت، وهو ما جعلهم يشددون عليها الخناق أكثر في زنازين التحقيق ويضعوها على جهاز كشف الكذب، وعرّضوها لصعقات كهربائية انتقاما منها ورغبة في التخلص من الجنين، كل ذلك كان في زنزانة الموت القذرة والضيقة التي تفتقد للتهوية، التي كادت فاطمة أن تفقد فيها الوعي وتموت، حيث أصيبت بنزيف شكل خطرا على الجنين.
وبعد أسبوع أمضته في زنزانة الموت، زارها المحامي والصليب الأحمر، فطلبت منهما تحويلها إلى المشفى نظرا لتردي حالتها الصحية، وبعد أن ترافع لها المحامي بالمحكمة العليا في القدس، تم نقلها لسجن النساء، وفي تلك الفترة تم تسريب صورتها إلى وسائل الإعلام وهي على ذلك الوضع السيئ ما جعلها تحظى بتأييد لقضيتها.
وهناك في سجن النساء، كانت تنتظرها حياة جديدة صحيح أنها خالية من التعذيب، ولكنها كانت طافحة بالحرمان والانتهاكات الصارخة ومداهمات الجنود التي تنغص على الأسيرات حياتهن، ولكن السيدة الزق كانت تتمرد على من أسمتهم الجبناء “كمارد منتصب يسمو فوق جراحه وينتفض في وجه الطغاة” لأنها شعرت بمعية الله، وبعدالة قضيتها.
وحين حانت لحظة الولادة، عاشت هذه الأسيرة لحظات عصيبة لم تتمكن لتتجاوزها لولا أنها ظلت معتصمة بحبل الله، إذ تقول إنها ذهبت لوضع مولودها ثلاث مرات، ولكنها في المرة الأولى والثانية عادت أدراجها إلى السجن لأنها واجهت ظروفا صعبة، حيث كانت مقيدة بالسلاسل في سرير الولادة وتحت الحراسة المشددة فبكت بحرقة، وتراجع الألم وطلبت العودة إلى الزنزانة، وقدمت فاطمة شكوى للصليب الأحمر بالظروف السيئة التي تعرضت لها، وطلبت أن تكون معها أثناء الولادة أمها أو زوجها أو أسيرة أو محامية حقوقية، ولكن الضابط قال لها” إذا انطبقت السماء على الأرض لن يكون معك أحدا من هؤلاء” وأبلغها أنها ستكون برفقة السجانات فقط، فقالت له يكفيني الله ولا حول ولا قوة إلا به.
وحانت لحظة المخاض في 17- 1- 2008، وخرجت من سجن هشارون لمشفى نائير بكفار سابا في وضع غير طبيعي وتحت حراسة مشددة وكأنها مجرمة، وقارعتها على سرير الولادة طبيبة لا تملك ذرة إنسانية، فبدل أن تساعدها وهي في حالة حرجة، بدأت تكيل لها السباب والشتائم وبلغ بها الأمر أن تعدت على اسم الجلالة فاستنصرت الأسيرة لله ودعت عليها، وفي تلك اللحظة ارتطمت الطبيبة بالجدار بعد أن كانت ستخرج من الباب وارتدّت من شدة الارتطام إلى السرير حيث كانت فاطمة مستلقية التي أخذت تكبر وتهلل والسجانات يشتمنها ويصمنها بالمجنونة، بينما كانت الطبيبة تصرخ من شدة الألم.
وبعد أن وضعت وليدها يوسف، تم تقييدها في السرير لمدة ثلاثة أيام، وإمعانا في إلحاق الأذى بها، فتحوا عليها مكيفات الهواء وحرموها من ارتداء ملابسها الثقيلة في ذلك البرد القارص.
وعادت السيدة الزق إلى سجن النساء وهي تحمل طفلها الذي كان هدية لها وللأسيرات من الله، حيث خفف عليهم أحزانهن وأصبحن جميعا بمثابة أمهات له، وصار ينادي كل واحدة منهن ب”ماما”، وكم كانت سعادتهن كبيرة وهن يسمعن هذه الكلمة.
ومنذ مولده، حرم يوسف من أبسط حقوقه في الحياة، حرم من الحليب والألعاب، لذلك كان يلعب بالجردل ويمسك الطنجرة ويحاول أن يقلد الأسيرات في الطهي، لقد عاش يوسف في “مجتمع” كله إناث، عاش طيلة فترة السجن محاطا بالأسلاك والجدران العالية والزنازين، وحرم من رؤية ذويه، وعندما كان يشاهد السجانين يبدأ في الصراخ وكأنه من كوكب آخر، وهذه الفترة التي قضاها يوسف خلف القضبان، جعلته غير قادر على التأقلم مع الحياة الجديدة عندما خرج هو وأمه من المعتقل، حيث كان عصبيا ودائم البكاء، وطوال الوقت، كان ينادي على “ماما لينا”، وهي أسيرة ربته مع أمه في السجن ومازالت هناك وقد دخلت عاما الخامس عشر، وسعى والده وإخوته إلى إدماجه في المجتمع الجديد.
وعن يومياتها في شهر رمضان داخل المعتقل، تقول الأسيرة المحررة فاطمة الزق، إنها عاشت أياما من الحزن والأسى لأنها أول مرة تبتعد فيها عن أسرتها، وكلما حان وقت الفطور أو السحور، تذكرت زوجها وأبناءها الذين كانت تعد لهم ما يحبونه من طعام، ورغم مشاعر الحزن التي انتابتها هناك، إلا أنها لم تعطي سجانيها فرصة الشماتة فيها، ولم تتركهم يرونها وهي تذرف الدموع، ولم تكن يوميات الأسيرات في رمضان تخلو من المداهمات اليومية والتفتيشات والمضايقات، وكثيرا ما كانوا يقدمون لهن طعام الفطور والسحور خارج الأوقات الرسمية ما جعلهن يشترين الطعام من مطعم السجن بأسعار باهظة جدا.
طال المكوث في السجن بفاطمة، فدعت الله أن يكرمها برؤيا تربط على قلبها وتطمئنها بقرب الفرج، فرأت الرسول صلى الله عليه وسلم في منامها وهو يمسح على كتفي ابنها يوسف، فكانت هذه الرؤيا بمثابة التثبيت لها.
واستقبلت خبر الإفراج عنها بألم وفرحة، لأن الله حقق لها الرؤيا فسجدت شاكرة لله، وتألمت لأنها ستترك خلفها أسيرات منهن من حكم عليهن بالمؤبد، كالأسيرة قاهرة السعدي.
خرجت فاطمة الزق من ظلمة الزنازين إلى نور الحرية، ولكن هذه التجربة على قسوتها زادتها إصرارا على تحدى المغتصبين مادام فيها عرق ينبض.