كأس أوروبا 2012 غرقت في السياسة والاقتصاد
فشلت بطولة أوروبا المقامة حاليا في بولونيا وأوكرانيا عن نزع الثوب السياسي الذي لبسته كرة القدم منذ سنوات الحرب العالمية الثانية، وجاءت مباراة ألمانيا أمام اليونان لتأخذ أبعادا سياسية واقتصادية بدليل حضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء اليوناني، وكانا في حالة من الترقب لم تحدث حتى لدى الجماهير الشوفينية.
وركزت الصحافة في البلدين على تدهور العلاقة بين ألمانيا واليونان على خلفية الأزمة الإقتصادية التي عصفت بأثينا، وكانت ألمانيا من المتشددين والرافضين لدعم الاتحاد الأوروبي لبلد جنوبي، رأت ألمانيا أنه بعيد عن التطور ولا يشرّف القارة العجوز، وهو ما جعل المباراة تلبس هذا الثوب، رغم أن ألمانيا تضم في صفوفها سبعة لاعبين من أصول تركية وتونسية وغانية وبولونية، وقد حاول الاتحادين الدولي والأوروبي لكرة القدم بالخصوص، إبعاد كرة القدم عن السياسة والأوضاع المعاشة، وخاصة التوترات الحاصلة في العديد من البلدان، ولكنه عجز عن ذلك حتى في القارة التي يقال إنها متحضرة، وحتى عندما منح الاتحاد الأوروبي شرف تنظيم الدورة لأوكرانيا وبولونيا، قال إن زمن الصراعات السياسية بين المعسكرين الشرقي والغربي قد ولى نهائيا، حيث بقي تنظيم البطولة محتكرا على الغرب، وحتى الفوز لم يفلت منها، إلا في الستينات وآخر فوز لأوروبا الشرقية كان بواسطة تشيكوسلوفاكيا على حساب ألمانيا الغربية في عام 1976 بضربات الترجيح، بعد تعادل مثير بهدفين لكل منتخب، لكن المؤكد الآن أن التتويج الأوروبي لن يفلت من أوروبا الغربية في الدورة الحالية، وإذا كان العالم يصرّ على أن النازي أدولف هتلر هو أول من تبنى إقحام السياسة في الرياضة، عندما احتضنت برلين الألعاب الأولمبية، فكان يريد الفوز للأقوياء فقط، والذين يوافقون سياسته بطريقة عنصرية، ولكن مع مرور الوقت اتضح أن السياسة هي الدافع الأول للرياضة ولكرة القدم، وكل دولة تتقدم بملفها للترشح لاحتضان أي بطولة، سواء كانت قارية أو عالمية، إلا وقدمت اتجاهها السياسي ودفعها رئيسها أو رئيس وزراءها، والدليل على ذلك هو العدد الكبير من الساسة الذين حضروا لحد المنافسة الأوروبية، وسيزداد عددهم في الدورين النصف نهائي والنهائي، والسياسة التي تم إقحامها في مباراة ألمانيا ضد اليونان هي نفسها التي أقحِمت في مباراة ألمانيا أمام تركيا في نصف نهائي كأس أمم أوروبا السابقة، ونلاحظ أن ألمانيا التي عادت إلى بولونيا بعد أن فجرتها في بدايات الحرب العالمية الثانية هي المحور السياسي الذي تسير عليه الأحداث، لأن ألمانيا هي البلد الوحيد الذي استعمر في العصر الحديث الكثير من الدول الأوروبية، بينما تبقى مشاكل فرنسا وبقية الدول الاستعمارية القديمة مثل انجلترا وهولندا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا مع دول ليست من القارة العجوز، ورغم أن بولونيا لم تعد ذلك البلد الاشتراكي المنغلق واقتصادها في نمو متواصل، ورغم أن أوكرانيا انفصلت عن الاتحاد السوفياتي، إلا أن الدول الغربية تقدم الكثير من النقد للبلدين، بخلفيات سياسية منذ الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، كما تحوّلت الأعمال الهمجية التي قام بها الأنصار الروس في الدور الأول إلى انتقاد للسياسة الروسية المدعمة لنظام بشار الأسد، واعتبار قبول عنف المناصرين من قبول ديكتاتورية الأسد، بينما أصرت دولا مثل التشيك والبلدين المنظمين للدورة وروسيا على توجيه انتقادات لاذعة للحكام، معتبرين إياهم من المتعاطفين مع المنتخبات التابعة لدول أوربا الغربية، هل هو بحث عن شمّاعة للهزائم أم مركب نقص أم أنها قوة السياسة التي تتغلب دائما على الرياضة وعلى كرة القدم؟