الرأي

كأس العرب… ومحنة الأمّة!

سلطان بركاني
  • 854
  • 0

أحداث العالم المتعاقبة والمتسارعة في هذه السّنوات الأخيرة، تدلّ على أنّ أمّة الإسلام تتهيّأ لأمر جلل.. الأمّة تبتلى وتمحّص، والمسلمون يغربلون ليصيروا إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه.. ما من مسلم إلا وسيكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يكون ممّن يشرون الحياة الدّنيا بالآخرة، أو ممّن يبيعون دينهم بعرض من الدّنيا.. في قابل السّنوات ربّما لن يكون في وسع المسلم أن يجمع بين سلامة دينه وسلامة دنياه، بين إرضاء الخالق وإرضاء المخلوقين.

قبل سنوات، ما كان مسلم يشكّ في أنّ فرعون الذي عاصره نبيّ الله موسى -عليه السّلام-؛ فرعون الذي طغى وبغى وقال أنا ربّكم الأعلى، وكان يقتّل المؤمنين ويذبح أبناءهم ويستحي نساءهم؛ ما كان أحد يشكّ في أنّه عاش كافرا ومات كافرا ومصيره إلى جهنّم وبئس المصير.. هذه الحقيقة كانت بديهية عند كلّ المسلمين، لأنّ القرآن تحدّث عنها بكلّ وضوح، لكنّها –الآن- أصبحت موضع نقاش ومحلّ أخذ وردّ! وأمسى فرعون جزءًا من ثقافة وتراث وحضارة إخواننا المسلمين في أرض الكنانة مصر، تلك الأرض التي رواها الصحابة والتابعون بدمائهم الزكية، وكانت منطلقا لأسود الأمّة الذين واجهوا التتار وحرّروا المسجد الأقصى، وكانت ظهيرا للمسلمين ودرعا حاميا لأرض الشّام وللأمّة؛ تلك الأرض يراد لها أن تتسمّى بـ”أرض الفراعنة” وأن يكون لفرعون فيها مكانة لا ينكر منكِر إلا ألصقت به تهمة “التكفير” والتشكيك في التراث والتاريخ وسلّطت عليه العقوبات!

إنّهم يريدون لمصر أن تنسلخ من هويتها الإسلاميّة، وتعود إلى الفرعونية القديمة. والمفارقة أنّ هذا الانسلاخ يراد للمسلمين وحدهم، فالأقباط هناك لا يجرؤ أحد على مساومتهم في دينهم المحرّف!
أمّا أرض الشّام المباركة؛ فيُدعم فيها الدروز والنصارى ويحرّضون على أن يرفعوا أصواتهم ويطالبوا بأحقيتهم بالأرض، بالتزامن مع علوّ صهيونيّ كبير في أرض فلسطين وحواليها! وأمّا في العراق، فيعزف العازفون على وتر الحنين للحضارة البابلية. وفي أرض الحجاز يجري العمل على نبش ثقافة العرب الجاهليين قبل الإسلام، حتى أصبحت اللات والعزّى تعرض في المعارض كجزء من ثقافة المنطقة! وأمّا شمال أفريقيا، فقد ظهرت فيه دعوات مغرضة تطعن في الفتح الإسلاميّ، وهي في تكاثر، ونشاطها في تزايد، بعضها يطعن في الفتح الإسلاميّ وفي الفاتحين صراحة، وبعضها الآخر يُذكي الخلاف بين العرب والأمازيغ!
إنّه مخطّط النظام العالميّ لهذه الأمّة، مخطّط قديم لكنّه بدأ يؤتي ثماره مع كلّ أسف! يقول المستشرق “ثيودور كويلر يونغ”، أستاذ العلاقات الأجنبية ورئيس قسم اللغات والآداب الشرقية بجامعة برنستون الأمريكية، في كتابه “الشرق الأدنى، مجتمعه وثقافته”: “إنّنا في كلّ بلد إسلامي دخلناه، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام، ولسنا نطمع بطبيعة الحال في أن يرتدّ مسلمٌ إلى عقائد ما قبل الإسلام، ولكنْ يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات”.
قد يستبعد البعض أن يأتي يوم يعود فيه النّاس إلى الجاهلية، ولكن ينبغي ألا ننسى أنّ الباطل مهما كان تافها وممجوجا فإنّه ينتفخ حينما يقف خلفه شياطين الإنس والجنّ بكلّ إصرار ويسخّرون كلّ جهودهم لنصرته، كما أنّ المجتمعات التي تتربّى على مركزية الدّنيا، حينما تساوم في لقمة عيشها، لا يقف بها الأمر عند فساد أخلاقها، بل يتعدّى ذلك إلى فساد دينها، بل إلى التحلل منه وبيعه بثمن بخس! فالقادم مخيف على جيل تربّوا على حبّ الدّنيا، وملأ حبّها قلوبهم، وأصبحت الميدان الأوّل والأهمّ الذي يتنافسون فيه، حتى أضحى الأخ يعادي أخاه وربّما يقتل أباه لأجل الدّنيا.. لن يبيع كلّ النّاس دينهم، وستظلّ في الأمّة بقية باقية صابرة، على يدها يكون ظهور الدّين وعزّ الأمّة، ولكنّ أكثر النّاس سيكون لديهم الاستعداد الكامل ليتخلّوا عن دينهم إذا أحسّوا بأنّ رواتبهم أو أرباحهم أصبحت مهدّدة!
قبل عقود قليلة، حينما كنّا نقرأ أو نسمع حديث النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “بَيْنَ يدَيِ السَّاعةِ فِتَنٌ كقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ويُمسي كافرًا يبيعُ فيها أقوامٌ خَلاقَهم بعَرَضٍ مِن الدُّنيا قليلٍ”، كنا نستغرب كيف لمسلم أن يبيع دينه بعرض من الدّنيا، لكنّنا الآن أصبحنا نرى ذلك بأعيننا ونخافه على أنفسنا ونقول: اللهمّ سلّم سلّم.. وحينما كنا نقرأ حديث النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبَدَ اللَّاتُ والعُزَّى”، كنّا نستغرب ونتساءل: كيف للمسلمين أن يعودوا إلى عبادة الأصنام بعد أن رأوا من دلائل عظمة الإسلام في عصر العلم وعصر الآيات الباهرات الدالة على عظمة الخالق وتفاهة ما يعبد من دونه! لكنّنا الآن ازددنا يقيننا بأنّ ما أخبر عنه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كائن وواقع حقيقة، ونحن نرى دعوات العودة إلى الجاهلية يرعاها النظام العالميّ وتنفَق عليها الأموال الطّائلة، ويتّهم كلّ من ينكرها بالتطرّف ويجرّم ويعاقب!
حظوظ الدّنيا سيكون لها الأثر البالغ في عودة كثير من النّاس إلى الجاهلية، خاصّة عندما ينخرط كبراء القوم في مسعى النظام العالميّ، ويمتحنون النّاس به؛ فالناس على دين ملوكهم.. وأمّا السّبب الثاني الذي سيسهل العودة إلى الجاهلية فهو العصبية العمياء للموروث، خاصّة إذا اجتمعت هذه العصبية مع كراهة النّفوس لما أنزل الله أو لبعضه.. قديما كان العرب في جاهليتهم يتنافسون أيّ قبيلة أصنامها أشهر وأنفع؟ وكانت العصبية سببا في إصرار كثير منهم على رفض الإسلام ومحاربته، حتى قالوا: ((لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم))، أي: إذا كان هذا الذي نزل حقا، فلماذا لم ينزل على رجل عظيم مشهور من مكّة أو الطّائف؟ لماذا لم ينزل على الوليد بن المغيرة المخزومي من مكّة، أو على حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من الطّائف؟!
ونحن الآن نرى كيف تُستدعى الحمية للتاريخ القديم على حساب أخوة الإسلام. ونرى كيف تستثار العصبية للأوطان المتفرّقة على حساب الأمّة الجامعة، وما يحصل في الأمّة هذه الأيام بسبب كأس العرب لكرة القدم خير مثال؛ كأس تنصب في وقت حرج للغاية، لتزيد الأمّة تفرقا وتشتتا وغفلة عمّا يخطّط لها.
أهل غزّة لا يزالون يعانون الأمرّين، وأمّة الإسلام منشغلة بكأس العرب، عليه تصحو وعليه تضحى وعليه تظلّ وعليه تمسي وعليه تنام! غزّة التي أبيدت وبلغ تعداد شهدائها 70 ألفا، لم تنته مأساتها، فمأساتها مستمرّة، والعدوان الصهيونيّ لا يزال متواصلا، والضحايا يسقطون كلّ يوم، وقد زادت مأساة أهلها في الأيام الماضية، بعد العاصفة التي ضربت القطاع، ونزلت معها أمطار غزيرة أدّت إلى غرق آلاف الخيام غرقا كاملا وإلى تضرر 125 ألف خيمة من خيام النازحين، بل قد بلغت المأساة منتهاها حينما فاضت قنوات الصرف الصحيّ بعد أن دمّر الاحتلال البنية التحتية للقطاع.. ومع البرد والغرق لا يزال إخواننا هناك في حاجة إلى الطّعام واللّباس والأفرشة؛ فالمساعدات التي يسمح الاحتلال بدخولها قليلة جدا، ولا تغطي 10 في المائة من حاجة القطاع.
كلّ هذا والأمّة – إلا من رحم الله منها- مشغولة بدنياها، بل مشغولة بكأس العرب في قطر، بل إنّ بعض المسلمين وفي أعزّ وأطهر بقاع هذه الأرض يرقصون ويتمايلون في المهرجانات! في وقت الذي يتداعى فيه الصهاينة لابتلاع فلسطين ومعها سورية ولبنان، وفي وقت يقف فيه الصهيونيّ المتطرّف “ابن غفير” أمام قبر عزّ الدّين القسّام، ليتوعّد بهدم قبره ونبشه، وهو بذلك يشير إلى دفن المقاومة وإنهائها!
ربّما يظنّ البعض منّا أنّ هذا الكلام مبالغ فيه، لكن لنكن على يقين بأنّ الأيام حبلى بالمفاجآت والفتن.. ومن اتخذ قراره بأن يعيش لدنياه ودنياه فقط وجعل مستقبله ينتهي بموته، فربّما لن يستيقظ إلا بعد فوات الأوان.. وأمّا من قرر أن يعيش بهمّ دينه وأمّته، ووطّن نفسه على أنّ مستقبله الحقيقي يبدأ من لحظة الوفاة، فسيحمل في داخله خوفا على دينه ووجلا من أن تزلّ قدمه.

مقالات ذات صلة