الرأي

كائنات‮ ‬بأطراف‮ ‬علوية‮ ‬وسفلية‮.. ‬فقط؟

الشروق أونلاين
  • 2994
  • 5

المعركة التي اندلعت بين الأيدي المرفوعة بقيادة نواب في المجلس الشعبي الوطني، والأقدام المهرولة بقيادة طائفة من لاعبي الكرة، حول “تحليل” الأموال التي يتقاضونها، تدلّ على أن سياسة متعمّدة تريد جعل الجزائريين إما أطرافا عُلوية وظيفتها أن تُرفع إلى الأعلى، أو أطرافا سفلية تدحرج كرة مطاطية تشبه في شكلها الدماغ المغيّب في العقود الأخيرة، رغم أن غالبية المهازل التي تعرفها الجزائر، هي من صنع هؤلاء المتعاركين الذين يتقاضى طرفهم الأول، مرتبا يفوق مرتّب الطبيب بأربع مرات، ناهيك عن الامتيازات الأخرى مثل الحصانة، ويتقاضى طرفهم الثاني مرتبا يفوق عشرات المرات مرتب الوزراء، نظير أداء كروي وأخلاقي جعل الجزائريين يستعينون بآغوازي وكادامورو وكارل، ويبقى الغريب في معادلة حرب الأطراف هو غياب الدماغ الذي من المفروض أن يكون الآمر الوحيد لحركة الأطراف العلوية وهرولة الأطراف السفلية‮.‬

لقد كرّم الله اليد عندما ذكرها في القرآن الكريم في مئة وعشرين موضعا، وأمر بغسلها قبل كل صلاة، ولكنه لعن أصحابها عندما حاولوا تحريف الحق في قوله تعالى: “فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله”، وأمر بقطعها عندما امتدت لظلم الناس، وكرّم الأرجل بصفتها من النعم الكبرى وأمر بغسلها قبل كل صلاة، ولكنه لعن أصحابها وهم يختالون ويرفضون أن يموشوا على الأرض هونا، بينما اعتبر أولي الألباب هم القادة الحقيقيين لهذه الأطراف، في الوقت الذي قلّبنا القاعدة فصارت العقول تجتهد لأجل بلوغ المقعد المريح الذي يفتح‮ ‬أبواب‮ ‬الرزق‮ ‬بمجرد‮ ‬رفع‮ ‬الأيدي،‮ ‬أو‮ ‬تدفع‮ ‬الناشئة‮ ‬لأجل‮ ‬امتهان‮ ‬لعبة‮ ‬الأقدام‮ ‬التي‮ ‬سيطرت‮ ‬على‮ ‬الأدمغة‮ ‬وشلّتها‮.‬

وعندما تصبح مهنة نائب في المجلس الشعبي الوطني، هي رفع اليد ومهنة لاعب الكرة هي تحريك الأرجل مقابل أرقام يدافع عنها أصحابها باللكم والركل، فإن البلاد ستبقى مدة زمنية أطول مشلولة العقل، في عالم أوقف حركات الأعضاء أو جعلها تتحرك مثل الرسوم المتحركة التي يأمرها العقل ويسيّرها كيفما شاء، وليت الأمر توقف عند لاعبي الأيدي والأقدام، بل صارت حركة الأبدان هي المتحرك الوحيد في البلاد بين محتج ومهدّد بالانتحار ومتشاجر، غيّبوا جميعا بشكل كامل دور العقل، ووجدوا أذرع السلطة مفتوحة وأرجلها مهرولة نحو هؤلاء الذين فضّلوا تحريك‮ ‬الأيدي‮ ‬والأرجل‮ ‬وأعضاء‮ ‬أخرى‮.‬

من حق نائب في المجلس الشعبي الوطني أن يتقاضى أربعين مليونا أو يزيد، فأجور البرلمانيين في كل العالم مرتفعة، ومن حق لاعب الكرة أن يتنعّم بما قدّمت له قدماه، فيتقاضى ثلاث مئة مليون شهريا أو يزيد، لكن أن يُغيّب العقل نهائيا، وتبقى الأرقام المالية هي المحرّك الأساسي للأطباء والمدرّسين والفلاحين والبطالين، فذاك هو الموت بعينه، لأن الأقدام التي تنقلت إلى آبار النفط والأيدي التي أخرجت ما فيها من ذهب أسود، قد لا تجد يوما ما قطرة واحدة، وحينها ستُشلّ الأيدي والأرجل لتلتحق بالمشلول الأكبر منذ عقود.

 

مقالات ذات صلة