الرأي

كبائر القلوب!

سلطان بركاني
  • 456
  • 0
ح.م
تعبيرية

جميعنا يحفظ حديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْب”، ويحفظ معه الحديث الآخر: “إِنَّ اللهَ –تعالى- لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم”، وقبل هذا وذاك يحفظ قول الله –تعالى-: ((يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم)).. لكنّنا نفهم الآية والحديث على غير مرادها، ونتعلّل بها لترك الأعمال، والاتكال على شيء ندّعيه في قلوبنا!
إذا ذُكّر الواحد منّا بطاعة يتركها أو يتكاسل عنها، أو حُذّر من معصية يقع فيها وربّما يصرّ عليها، قال: “المهمّ ما في القلب”! إذا نُصح الشابّ بضرورة أن يكون سمته حسنا ولائقا بكونه رجلا مسلما، ردّ قائلا: “آو الرسمي في القلب”، وإذا ذكّرت الفتاة المسلمة بشروط الحجاب الشرعي، قالت: “الحجاب في القلب”.. وهذا كلّه سوء فهم، لأنّ الآية والحديثين لا تبرّر للمسلم الاتّكال على ما في قلبه، إنّما تعلّمه أن يعتني بإصلاح قلبه حتى تصلح أعماله، والقلب لا يصلح بالدعاوى والأماني، إنّما يصلح بالاهتمام والعمل، ومن يصرّ على إضاعة الصلوات واتباع الشهوات فهو يعطي الدّليل على أنّ قلبه مريض.
القلب له أحوال، وله كذلك أعمال. وكما أنّ للجوارح أعمالا، فللقلب كذلك أعمال. وأعمال القلوب أعظم وأهمّ وأخطر، والتفاوت في منازل الآخرة يكون بأعمال القلوب قبل أعمال الجوارح. ولذلك لمّا تحدّث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- عن سبق أبي بكر لكلّ الصّحابة قال: “مَا سَبقكم أبو بكر بكثرة صَوم ولا صلاة ولكن بشيٍء وَقَر في قَلْبِه”، أي إنّ أبا بكر سبق الصّحابة بأعمال القلب أكثر من أعمال الجوارح. أبو بكر كان يقوم ويصوم ويتصدّق، لكنّ أعمال قلبه الصّالحة كانت أعظم وأثقل في الميزان، وهي التي رفعته حتى كان مع الصدّيقين.
لأجل هذا ينبغي لكلّ عبد مؤمن أن يهتمّ بأعمال قلبه، فيحرص على الأعمال الصالحة منها، مثل محبّة الله، وإخلاص الدّين له، والخشوع والخضوع له، وخوفه وخشيته، والإنابة إليه، واليقين به، وحسن رجائه والتوكّل عليه، والتسليم له، وحسن الظنّ به، وحسن الظنّ بعباد الله المسلمين، وسلامة الصّدر للمؤمنين، وتمنّي حصول الخير لهم، ورجاء انكشاف السّوء والضرّ عنهم… وفي المقابل ينبغي له أن يحذر معاصي القلب أشدّ من حذره معاصي الجوارح. والقلب قد يتلبّس بمعاصٍ هي أعظم إثما وأشدّ خطرا عليه من معاصي الجوارح.. وأعظم معاصي القلب ما كان كبائر، وهي ما ينبغي لكلّ عبد مؤمن أن يعلمه ليحذره ويحرس قلبه حتى لا يتسلّل إليه شيء منه.. والله –تعالى- حينما قال: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا))، فهو يعني كبائر القلوب وكبائر الجوارح، لذلك قال تعالى في آية أخرى: ((وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُون)).
الكبائر ليست هي فقط الزنا والربا وشرب الخمر وتعاطي المخدّرات والرشوة والغيبة والنميمة واليمين الغموس الكاذبة؛ فهناك كبائر محلّها القلب، مثل الرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والتسخّط على أقدار الله، والأمن من مكر الله، ونسيان نعم الله والغفلة عن شكرها، وهوان حقوق الله على النفس، وحبّ المدح على ما لم يفعل، والانتصار للنّفس بالباطل، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، والانشغال بعيوبهم عن عيوب النّفس، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، تعظيم الأغنياء لغناهم وأصحاب الجاه والمناصب لجاههم ومناصبهم.
كبائر القلوب أعظم وأشد خطرا على صاحبها من كبائر الجوارح، ولهذا قدم الإمام ابن حجر الهيثمي -رحمه الله- في كتابه “الزواجر عن اقتراف الكبائر” الحديث عن كبائر القلوب على كبائر الجوارح، وقال معللا ذلك: “الباب الأول: في الكبائر الباطنة وما يتبعها، وقدَّمتها؛ لأنها أخطر، ومرتكبها أذل العصاة وأحقر، ولأن معظمها أعمُّ وقوعًا، وأسهل ارتكابًا، وأمرُّ ينبوعًا، فقلَّما ينفك إنسان عن بعضها، ولقد قال بعض الأئمة: كبائر القلوب أعظم من كبائر الجوارح؛ لأنها كلها توجب الفسق والظلم، وتزيد كبائر القلوب بأنها تأكل الحسنات، وتوالي شدائد العقوبات”.
كبائر القلوب أعظم وأخطر، ولكنّنا في واقعنا ربّما نهتمّ بذنوب وكبائر الجوارح التي يراها منّا النّاس، ونغفل تماما عن ذنوب وكبائر القلوب الباطنة التي لا يراها النّاس، وننسى أنّ الله العليم الخبير يراها منّا ويحصيها علينا.
كثير منّا، حينما يسمعون حديثا مؤثرا عن التوبة من الذّنوب، فإنّ أذهانهم تنصرف إلى التوبة من ذنوب الجوارح، من الذّنوب الظّاهرة، لكن ربّما لا يخطر لهم على بال أن يتوبوا من الذّنوب الباطنة، وكثير منها ربّما تكون كبائر موبقة.. وربّما يعيش الواحد منهم حياته ويفني عمره وقلبه تعشعش فيه عشرات الذّنوب وبينها كبائر مهلكة، وهو لم يفكّر يوما في التوبة إلى الله منها. وربّما تجده يتكبّر على أهل الكبائر الظّاهرة ويغتابهم، وهو نفسه يقع في كبائر أخرى ربّما تكون أعظم إثما عند الله.. يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “وأكثر المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات يقعون في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها، ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب، ليتوبوا منها! فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر، واحتقارهم، وصولة طاعاتهم ومنَّتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم، اقتضاء لا يخفى على أحد غيرهم، وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك”.. ولهذا يرى ابن القيم أن أهل الكبائر الظاهرة أقرب إلى التوبة والسلامة من أهل الكبائر الباطنة (كبائر القلوب)، ويرى أن أهل كبائر القلوب حجابهم عن الله أغلظ من أهل كبائر الذنوب؛ لأن لب العبودية هو الافتقار والانكسار لله تعالى.. وكبائر القلوب يخشى أن تكون سببًا في سوء خاتمة صاحبها، يقول الإمام ابن رجب رحمه الله: “خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة لا يطَّلع عليها الناس”.. ويخشى على صاحبها أن يكون يوم القيامة ممّن يجدون عند الله ما لم يكونوا يتوقّعونه: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)) (الزمر: 48)

مقالات ذات صلة