الجزائر
من خلال رصد شهادات 100 سياسي ودبلوماسي ورجال مخابرات:

كتاب جديد يبحث في خلفيات القطيعة بين الجزائر وباريس

محمد مسلم
  • 336
  • 0
ح.م
تعبيرية

اطلاع المؤلفيّْن على وثائق غير منشورة حول كواليس “حرب باردة جديدة”
بصمة كزافيي حاضرة بإبراز ملفات وإخفاء أخرى خدمة للأجندة الفرنسية

لا تزال أزمة العلاقات الجزائرية الفرنسية تجلب اهتمام الكتاب والصحفيين خاصة في فرنسا، أين صدم الكثير من نخبها بسبب المستوى الذي وصل إليه منسوب التوتر غير المسبوق بين البلدين منذ صائفة 2024، بسبب قرار غير محسوب العواقب من قبل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي توصل بتحذير صارم من الرئيس عبد المجيد تبون قبل الإعلان عنه.
هذه القضية كانت محور كتاب جديد يصدر يوم 30 شهر سبتمبر الجاري عن دار “ستوك”، لصحفيين فرنسيين هما كريستوف دوبوا وماري كريستين تابي، يحمل عنوان: “الجزائر – باريس: قضايا سامة”. ويقدم الكتاب تحقيقا مركزا عن التدهور الكبير للعلاقات الجزائرية الفرنسية خلال السنوات العشر الأخيرة.
ويصف الكتاب وفق مقتطفات منه، اطلعت عليها “الشروق”، كيف انتقلت العلاقة من حالة “شغف تاريخي” إلى ما يعتبره المؤلفان “علاقة سامة”، تتداخل فيها ملفات التاريخ والذاكرة والاستعمار، والهجرة، والأمن، والدبلوماسية، والاستخبارات، بالإضافة إلى ملفات ومسائل أخرى .
ومن بين القضايا التي ركز عليها المؤلفان، الأزمة السياسية التي عصفت بالعلاقة بين قصر المرادية في الجزائر وقصر الإليزي في باريس، وصولا إلى مرحلة يقول فيها الكتاب إن الرئيس عبد المجيد تبون لم يعد يرد على اتصالات نظيره إيمانويل ماكرون، وهي سردية تحدثت عنها أكثر من سردية في وقت سابق.
وتكمن أهمية الكتاب حسب المؤلفين في كونهما أجريا مقابلات مع نحو مائة من شخصيات على تماس بالعلاقات الجزائرية الفرنسية، من بينهم وزراء ودبلوماسيون، ورجال استخبارات ولاجئون سياسيون، ويقولا إنهما تمكنا من الاطلاع على وثائق يصفانها بأنها غير منشورة، بهدف كشف “كواليس حرب باردة جديدة” بين الجزائر وفرنسا.
والغريب في أمر المؤلفين، أن القضية الرئيسية والأساسية التي فجرت العلاقات الجزائرية الفرنسية هو التغير الذي حصل في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء الغربية ومن بعد ذلك سجن الموظف القنصلي الجزائري خارج الأعراف الدبلوماسية، ومع ذلك يصر المؤلفان على اختزال هذه الأزمة في مطالب ترحيل الجزائريين الذين صدرت بحقهم قرارات طرد من التراب الفرنسي، وسجن الكاتب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية، بوعلام صنصال، والصحفي الرياضي، كريستوف غليز، الذي يقضي عقوبة السجن سبع سنوات في قضية تتعلق بدعم الإرهاب والإشادة به.
كما يربط الكتاب التدهور الحاصل في العلاقات الثنائية بالتحولات التي شهدتها الجزائر بعد الحراك الشعبي في سنة 2019 وتأثيراته على المشهد السياسي، وانعكاس ذلك على العلاقة مع فرنسا، وتشابك الخلافات بين البلدين وتبادل الاتهامات بوجود ما يصفه الكتاب “شبكات وعمليات أمنية واستخباراتية متبادلة”.
ويعتقد المؤلفان أن الإرث الاستعماري وذاكرة الحرب، لا يزالان يضغطان بقوة على العلاقات الثنائية، باعتبارهما عاملين لا يزالان يعيدان إنتاج الأزمات السياسية الحالية، في ظل عجز الجانب الفرنسي عن بلورة موقف شجاع ومسؤول يعترف بالجرائم الاستعمارية التي ارتكبت في الجزائر على مدار 132 سنة، ويعتذر عنها.
ومن بين النقاط التي أثارها الكتاب أيضا، التحول في فرنسا من كون “المسألة الجزائرية” موضوعا تستثمر فيه أساسا الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة إلى قضية أصبحت تقسم المشهد السياسي الفرنسي على نطاق أوسع، وهو ما جسدته التصريحات العدائية الصادرة عن بعض المترشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، والذين لا ينتمون بالضرورة إلى التيارات التقليدية الدائرة في فلك اليمين بمختلف تفرعاته، بل وصل الأمر إلى بعض الشخصيات التي كانت محسوبة على التيار الوسطي، على غرار إدوار فيليب، الذي ترأس الحكومة في عهد الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون.
ومن بين النتائج التي خلص إليها كريستوف دوبوا وماري كريستين تابي، أنهما لا يقدمان الأزمة المستحكمة بين الجزائر وباريس، باعتبارها مجرد خلاف بين الرئيس عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون، بل يحاولان تفسيرها باعتبارها علاقة أصبح فيها البلدان، رغم الصدام، شديدي الارتباط ببعضهما.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يصدر قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة العام المقبل، وهو ما جعل العلاقة مع الجزائر تحضر بقوة بين الملفات التي تؤثر في النقاش السياسي الفرنسي. بينما يبدو الكتاب عبارة عن رواية من داخل دوائر القرار والأمن والدبلوماسية، وليس مجرد تحليل صحفي للعلاقات الثنائية. كما تبدو بصمة السفير الفرنسي الأسبق بالجزائر حاضرة في الكتاب، وقد تمت الإشارة إلى شهادة لسفير سابق، وإن لم يسم بالاسم.

مقالات ذات صلة