كثرة فساتين التصديرة تُفلس العرسان
هل “التصديرة” معيار الزواج السعيد؟ وهل من حق العروس تبذير مهر زوجها، في بعض ثياب تعرضها لدقائق يوم زفافها؟…
“التصديرة” هذه الماركة الجزائرية الغريبة، ففيها تُبذر الأموال وتستنزف جيوب العرسان والعائلات، وبعض النساء لا يزلن يسدّدن ديون تصديرتهن رغم مُضي أعوام على زواجهن. الظاهرة جعلت كثيرين يطالبون بالتخلي عن هذه العادة التي بات ضرُرها أكثر من نفعها.
تتميز الأعراس الجزائرية بظاهرة التصديرة، التي تعتبرها العائلات وكأنها “فرض” عليها رغم سلبياتها، فالأمر الايجابي الوحيد فيها، هو تمتع العروس ولو لدقائق بإحساس عارضة الأزياء الجميلة، تطاردها فلاشات آلات التصوير وأضواء الكاميرات، وكما تقول العرائس “نُعرّس مرة واحدة في العمر فلمَ لا نتمتع؟”.
تصديرة.. بالديون
لكن هل فرحة العمر تحتاج فعلا للتبذير؟ أول السلبيات التي تشوب الظاهرة ولا يقبلها منطق، أن العريس هو من سيدفع ثمن التصديرة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فمهر زوجته يقاس بثمن الفساتين والمجوهرات، فتجد الأولياء يتحججون “لرفع ثمن” بناتهم بارتفاع أسعار الفساتين والمجوهرات، وبهذا تذهب الأموال التي كدّ الشاب لجمعها، إلى شراء بعض فساتين أقلها ثمناً 3 ملايين سنتيم، وتلبسها العروس لساعة واحدة فقط طول عمرها. كما أن كثيرا من المخطوبات ينتهزن فرصة الخروج مع عرسانهن، ويُدخلنهم إلى المحلات غير آبهات بوضعيتهم المادية، فيجد العريس نفسه محرجاً ومرغما على الدفع.
نبيل من العاصمة واحدٌ من هؤلاء، فرغم أنه يعمل بائعا في محل، لم ترحمه عائلة زوجته وطلبت مهرا وصل إلى 15 مليون سنتيم، وقبل الدخول بزوجته كان يتلقى اتصالات دائمة من زوجته أو والدتها، تطلبان توصيلهما لشراء أغراض، يقول نبيل: “كنت أضطر خجلا لدفع ثمن ما تشتريانه، إلى درجة أنهما مرة دخلا محل مجوهرات، وطلبت مني خطيبتي مساعدتها لشراء عقد بـ7 ملايين سنتيم، غير آبهة بتحضيري للعرس ومحدودية إمكاناتي”.
ويندم كثيرٌ من الشباب أثناء فترة الخطوبة بعد اكتشافهم طمع زوجاتهم، لكنهم يضطرون لإكمال العرس خوفا من خسارة الأموال التي صرفوها. وفي هذا السياق يرى عريسٌ آخر دخل القفص الذهبي منذ سنة، أنه اكتشف منذ اليوم الأول لخطوبته طمع زوجته وعائلتها “لكنني تمسكت بها رغم معارضة والدتي، ورغم أنني أعمل ممرضا وراتبي لا يكفي حتى لمساعدة عائلتي وأخوتي.. كانت خطيبتي لا تترك أي فرصة لإفراغ جيوبي” ليجد الشاب نفسه بعد العرس غارقا في ديون كبيرة، كادت توصله إلى السجن، وحسبه استمرت مادية زوجته حتى بعد الزفاف، فكلما امتنع عن مدها بالمال الذي ترسله لوالدتها تثير المشاكل، فتدهورت نفسيته، ولم يجد من حل إلا تطليقها، وقد اقترن بعدها بأخرى راعت وعائلتُها ظروفه: “الآن أشعر وكأنني وُلدت من جديد” ويضيف محدثنا “على كل عريس أن يقتنع بأن المرأة المادية ستبقى مادية طول حياتها“.
عائلات أخرى تلجأ للاستدانة لتحضير تصديرة ابنتها، إلى درجة أن أمهات لأطفال لا يزلن إلى حد اليوم يسددن ديون تصديرتهن، وأخريات حمّلن عبء الديون لأهاليهن، فيما هن يعشن سعيدات مع أزواجهن. وغالبية العرائس يكتشفن بعد زواجهن أن الثياب التي دفعن فيها الغالي والنفيس، لا تصلح للارتداء في المناسبات، فيلجأن لبيعها بأبخس الأثمان. ومنهن حياة، في الثلاثين من عمرها من العاصمة، هي من عائلة فقيرة، ولأجل توفير ثمن تصديرتها اضطرت للعمل خادمة في البيوت، وكانت تبيع “المطلوع والديول” في رمضان وقامت بالاستدانة، عن هذا تقول “زوجي لم يدفع لي مهرا محترما، فاضطررت للعمل دون علمه” وحسبها اشترت فساتين غالية جدا، لكن بعد الزفاف باعت فستانا كلفتها خياطته 2 مليون سنتيم، باعته بـ3 آلاف دج فقط لقريبتها المخطوبة.
عرائس يُرهقن يوم زفافهن
وعلى خلاف جميع عرائس العالم اللواتي يمضين أيام خطوبتهن في صالونات الرياضة والتجميل، فالعروس الجزائرية تحصر نفسها في دائرة غريبة، وتصب كافة اهتماماتها لشراء الكثير من الثياب والأغراض التي تحتاجها المرأة، وكأنه بعد زفافها ستُغلق جميع المحلات! ومنهن من أمضت عامين كاملين وهي تتجول يوميا في الأسواق الشعبية والمحلات، ثم تبدأ رحلة الذهاب والإياب على الخَيّاطة ثم غسل الصوف.. لتجد يوم زفافها نفسها جدّ مرهقة، فتظهر كثير من العرائس بهالات سوداء تحت العيون وأجساد هزيلة وإحباط نفسي.
ويزداد الإرهاق بشروعها في التصديرة، فعليها تغيير أكثر من 10 فساتين في ظرف دقائق فقط، مع حرارة الجو، والفوضى بالقاعة وأصوات الموسيقى الصاخبة، والسهر ليلا إلى ساعة متأخرة في احتفال ثانٍ لوضع الحنة. وفي اليوم الموالي تنهض العروس باكرا لتقصد مجددا الحلاّقة، وتبدأ تصديرة جديدة بمنزل العريس. وهذه الضغوط تجعل كثيرا من العرائس ينهرن نفسيا بعد الزفاف، لكن الأهل يسارعون به إلى الرقاة، ظانين أن عين حاسد أو شر ساحر أصابها.
هذه المفارقات جعلت أصوات نسائية ورجالية، تطالب بإلغاء التصديرة من قاموس الأعراس الجزائرية، لما فيها من تبذير وإرهاق، وخاصة مع غلاء المعيشة. ومن اللواتي اقتنعن بهذه القاعدة (مريم) من خميس مليانة، محامية، والأخيرة تخلت عن التصديرة واشترت فقط ما تحتاجه فعليا لزفافها، والسبب أن زوجها موظفٌ بسيط، وقد اتفقا على التعاون في تأجير منزل، وشراء سيارة.
ويوم زفافها حضر المقرَّبون فقط، وارتدت فستانا تقليديا بسيطا، لتُزف في اليوم الموالي إلى منزل زوجها وبقيت بالفستان الأبيض، وعن الاستهجان الذي لقيه تصرُّفها تقول “إرضاء الناس غاية لا تدرك، ومصاريف التصديرة كانت ستقف عائقا أمام تحقيقي مشاريع مستقبلية، كما أن فرحة الزواج لكل فتاة هي الحصول على زوج صالح” وأضافت مريم “لنكن صريحين مع أنفسنا، كل مظاهر التبذير والسلوكات الغريبة التي ترافق أعراسنا مخالفة لديننا الحنيف“.
دفعت الكثير في تصديرتها ثم طُلّقت
ومن اللواتي أبهرن الحضور بتصديرتهن، ثم وجدن أنفسهن في قائمة المطلقات، (م) من البليدة، يتيمة الأب، والدتها تشتغل “دلالة” في الذهب، فالفتاة تزوجت في سن العشرين مع شاب يكبرها بست سنوات، ويوم زفافها ارتدت حتى الملابس الهندية المصنوعة من الحرير الخالص، والذي جلبته والدتها من دبي، وأقامت زفافها بحضور فنانة معروفة، وفي قاعة لا يقل سعر كرائها عن 20 مليون سنتيم. لكن وبعد أسبوع فقط من زواجها اكتشفت أن شريكها مدمن مخدرات، ضربها وهي عروس وسرق ذهبَها وباع أثاث المنزل لشراء المخدرات، فعادت إلى أهلها وهي حامل.