كرمالي .. الظاهرة الجزائرية الحية
انقضت، الاثنين، سنة عن رحيل شيخ المدربين الجزائريين “عبد الحميد كرمالي” هذا الرجل الرمز الذي قدّم عطاءات كبيرة على مدار خمسة عقود، وأفرح قلوب الجزائريين بإحرازه اللقب الوحيد في سجل الخضر ألا وهي بطولة إفريقيا 1990، علما أنّ كرمالي هو من أوصل أواسط الخضر إلى ربع نهائي مونديال اليابان 1979.
عبد الحميد كرمالي من مواليد 27 أفريل 1931 بقرية النواصر التابعة لدائرة بوقاعة بولاية سطيف، بدأ مداعبة كرة القدم صغيرا بضاحية قيرواني، وعن هذا الفصل حكى الفقيد في آخر أيامه: “طردت من المدرسة بسبب كرة القدم، تركت أموالا طائلة بليون من أجل المستديرة والجزائر، كنت أضع حذاء الكرة وألعب به كوسادة للنوم، ضحيت حتى بأسرتي من أجل الكرة التي أعطيتها كل ما لدي وأعطتني كل ما أردته والحمد لله”.
أتى اكتشاف كرمالي على يد أب الكرة السطايفية “الشيخ علي لاياص”، وكان ذلك في ساحة عامة، وقام لاياص بضمه على الفور إلى فريق “الاتحاد الرياضي الاسلامي لمدينة سطيف (USFMS ) وهو الفريق الوحيد آنذاك بعاصمة الهضاب الذي كان يقبل بلاعبين عرب.
التألق في أولمبيك ليون
لم يستغرق بقاء كرمالي طويلا بالاتحاد حيث انتقل إلى فرنسا، ولعب تباعا لنوادي مولهاوس، ميلوز، و”كان” هذا الأخير شهد التقاء عبد الحميد برفيقي دربه الراحلان “مصطفى زيتوني” و”مختار عريبي”، قبل أن يحمل ألوان “أولمبيك ليون” الذي فجّر فيه طاقته واكتسب شهرة كأحسن جزائريي البطولة الفرنسية وقتذاك.
ورغم أنّ كرمالي كان مرشحا لخوض كأس العالم 1958 بالسويد مع فرنسا، إلاّ أنّه استجاب لنداء الوطن، وفرّ إلى سويسرا أين ترك زوجته وممتلكاته هناك، والتحق بمنتخب جبهة التحرير الوطني في تونس، ليكون أحد أبطال ملحمة استمرت أربع سنوات رفقة معوش، مخلوفي، زوبا، دودو، رواي، الاخوة سوكان وغيرهم.
الكأس مع الوفاق كلاعب ومدرب
بعد الاستقلال، عاد كرمالي إلى الجزائر كلاعب ضمن صفوف فريقه الأول اتحاد سطيف، وانضم بعد أربع سنوات إلى وفاق سطيف كلاعب ومدرب اعتبارا من موسم (1966- 1967) وفاز مع النسر الأسود بكأس الجزائر أمام شبيبة سكيكدة (1 – 0)، وأشرف لاحقا على تدريب اتحاد سطيف ثم عاد للوفاق مجددا قبل أن يتنقل إلى ترجي مستغانم واتحاد عنابة.
ملحمة طوكيو مع الأواسط في 1979
في سبعينيات القرن الماضي، أسندت لكرمالي مهمة تدريب المنتخب الجزائري للأواسط الذي فاز معه بكأس إفريقيا (1978)، وخاض معه بطولة العالم باليابان 1979، أين تأهل إلى الدور ربع النهائي بعد تعادلين مع المكسيك (1 – 1)، واليابان (0 – 0) وفوز على إسبانيا (1 – 0) بهدف حمل توقيع الدراجي بن جاب الله (15)، قبل أن يتحدى ياحي– مناد– كويسي– شعيب- شايبي- بن جاب الله- رحماني وغيرهم من أشبال كرمالي الأرجنتين والظاهرة مارادونا، في مواجهة أثقل فيها منتخب التانغو الشباك الجزائرية بخماسية نظيفة.
مباشرة بعد العودة من طوكيو، تنحّى كرمالي عن منصبه، بعد عدم وفاء وزير التربية في تلك الفترة بوعده، حيث التزم قبل المونديال بامتحان بكالوريا خاص للاعبين، قبل أن يسقط تعهده في الماء.
ثورة التشبيب وتاج الخضر
وبعد فترة فراغ قصيرة، قاد كرمالي ثورة التشبيب في مولودية الجزائر اعتبارا من موسم 1988– 1989، وكان وراء ميلاد نجوم كبار على منوال لعزيزي– مخلوفي– بلهوشات– مازا وغيرهم الذين نال معهم لقب وصيف البطل لموسمين متتاليين.
وغداة الذي حدث في السادس أكتوبر 1989 وفرض مصر التعادل السلبي على الجزائر في ذهاب الدور الأخير لتصفيات كأس العالم الـ14 بإيطاليا، جرى الاستنجاد بكرمالي على عجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتقويم القاطرة، ونجح الراحل في تصحيح الكثير من الأخطاء وتقديم أداء مميز في مواجهة الاياب وخروج الخضر مرفوعي الرأس رغم الإقصاء المرّ في القاهرة (17 نوفمبر 1989)، إذ لقن ابن سطيف تلاميذ الراحل الجوهري درسا في الكرة، ولولا التحيز الفاضح للحكم التونسي علي بن ناصر لمرّ الخضر إلى بلاد الطليان، هؤلاء بنجومهم فيالي وكارنيفالي وسيرينا وباجيو أصيبوا بالذهول للمستوى الراقي الذي قدمه أشبال كرمالي الذين انهزموا بهدف غير صحيح أمام السكودرا آزوري لى الزرق بروما (11 نوفمبر 1989)، إلى درجة أنّ المدرب الإيطالي الشهير بيرزوتي لم يفهم كيف أنّ زملاء ماجر لم يتأهلوا إلى النهائيات.
بعد ذلك قلب الراحل كرمالي الصفحة سريعا، وحضّر الخضر لنهائيات كأس إفريقيا للأمم التي احتضنتها الجزائر في مارس 1990، أين افتك اللقب القاري الوحيد على حساب نسور نيجيريا بصاروخ وجاني (16 مارس 1990)، كما نال الكأس الأفرو أسيوية في سبتمبر 1991 على حساب المنتخب الإيراني برأسية بن حليمة (75).
وبعد نكسة زيغنشور (1992)، انتقل الفقيد إلى اتحاد الشاوية الذي توّج معه بلقب بطولة 1992– 1993 مع دحلب، بتاج، خياط وغيرهم، ليعود إلى مولودية الجزائر في نوفمبر 1998، ويهديها لقب البطولة في ماي 1999 رفقة صايفي– دوب– سلاطني ونشّاد.
الشاذلي لكرمالي: خذ ما تريد من خزائن الرئاسة
يروي مقربو المرحوم أنّ الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد طلب منه أخذ ما يريده من خزائن الرئاسة بعد تتويج 1990، لكن الفقيد بتواضعه الشديد رفض، وارتضى في أوت 2001 بعنابة موقفا شهما، حين سعى مسؤول مصري لإغراء كرمالي بمليار مقابل التنازل لمصر في تلك المباراة المؤهلة لكأس العالم 2002، لكن الراحل رفض وقال له قولته الشهيرة “لا .. حتى ولو تعطيني الأهرامات كلها”.
هذا هو كرمالي وفي قلبه غصّة وحسرة مضاعفة، إثر عدم تمكنه من تجسيد حلمه في زيارة البقاع المقدسة.