كلتوم.. أسطورة السينما الجزائرية
“يا بني.. يا علي..” عبارة شهيرة من فيلم أشهر، هو ريح الأوراس، للمخرج لخضر حامينا. أما صاحبة الجملة، فهي الممثلة كلتوم، التي تقمصت دور أم تبحث باستماتة عن ابنها من معسكر إلى آخر. الشروق العربي تتذكر الراحلة كلتوم التي كانت من أوائل النساء الجزائريات اللائي خضن تجربة التمثيل قبل وبعد الاستقلال.
ولدت هذه الفنانة الموهوبة في البليدة في 4 فيفري عام 1916، تحت اسم عائشة أجوري. وقد اكتشفها محي الدين بشطارزي، وعرض عليها أول فرصة للتمثيل في عام 1935 رغم ممانعة عائلتها.
بعد جولة كبيرة في فرنسا وبلجيكا، اتجهت كلتوم أكثر فأكثر نحو المسرح، وأكدت موهبتها كممثلة في مسرحيات أخرجها محيي الدين بشطارزي ورشيد قسنطيني وحبيب رضا، قبل أن تنضم إلى مغامرة الموسم العربي الأول لأوبرا الجزائر عام 1947.
لسنوات، أوكلت معظم الأدوار النسائية إلى كلتوم، وأضيف صوتها أيضًا إلى ذخيرة المسرح الإذاعي، بالإضافة إلى تسجيلها خمس أسطوانات في الأربعينيات والخمسينيات، من بينها “يا أولاد العربان” و”أحد اثنين”، غير أنها توقفت نهائيا عن الغناء عام 1954 بعد ازياد ابنها معمر أحمد فتوح.
بعد استراحة أولى عام 1951 إثر تعرضها لانهيار عصبي أبعدها عن الأضواء، عادت كلتوم إلى المسرح في عمل مقتبس من مسرحية عطيل للكاتب الشهير ويليام شكسبير، في دور ديزدمون، قبل أن تتوقف للمرة الثانية بين عامي 1956 و1963.
مشوار المسرح والسينما
غداة الاستقلال، انضمت كلتوم إلى المسرح الوطني الجزائري، الذي كان يديره آنذاك مصطفى كاتب، ولعبت أول دور حقيقي لها في مسرحية “زواج عبر الهاتف” لمحيي الدين بشطارزي رفقة رشيد قسنطيني.
خاضت كلتوم أول تجربة سينمائية لها عام 1966 مع المخرج محمد الأخضر حمينة، الذي اختارها في فيلمه الأيقوني “ريح الأوراس”، في دور الأم التي تبحث بيأس عن ابنها المسجون لدى جيش الاستعمار، متحدية الاستعمار من معسكر إلى آخر دون مبالاة بالمخاطر والتهديدات.
في هذا العمل الكلاسيكي للسينما الجزائرية، تقاسمت كلتوم فاتورة النجاح مع مصطفى كاتب ومحمد شويخ وحسن الحسني وحاج سماعين.
هذا الفيلم قاد كلتوم إلى السجادة الحمراء لمهرجان كان السينمائي عام 1966، حيث كانت أول ممثلة جزائرية تمثل عملاً من بلدها، وحصل الفيلم على جائزة أفضل عمل أول.
بعد نجاح ريح الأوراس، استمر تعاونها السينمائي مع محمد الأخضر حامينة في أفلام مثل “ديسمبر” و”حسن طيرو”. كانت هذه الفترة الأكثر زخما في حياة الممثلة الراحلة، وأثْرت الأرشيف السينمائي بأفلام مثل بني هندل للمخرج لمين مرباح، وسنوات التويسيت المجنونة للمخرج محمد زموري، وحسن الطاكسي لمحمد سليم رياض وحسن النية للغوثي بن ددوش.
شكلت كلتوم في العديد من هذه الأفلام ثنائية جميلة مع الممثل الراحل أحمد عياد الشهير باسم رويشد.
كلتوم وبمشوارها الطويل في المسرح، تستحق لقب أيقونة الفن الرابع، بعد أن قدمت أكثر من 70 مسرحية تقمصت فيها جميع الأدوار الممكنة، التي أثبتت موهبة المرأة وقدراتها في التمثيل، ولا ضير أن نضيف لقب نجمة السينما الأولى في الجزائر برصيد يفوق 20 فيلما سينمائيا، صنفت جميعا ضمن كلاسيكيات السينما الجزائرية.
صدمة التقاعد
بين عامي 1981 و1986 لم يسند لكلتوم أي دور في السينما، غير أنها عادت للفن السابع عام 1987 بعد أن أسندت لها المخرجة فوزية آيت الحاج دورا في فيلم موت مسافر.
ثمانية أيام قبل العرض الأول للفيلم تم إخبارها أنها ستحال للتقاعد، كانت صدمتها كبيرة لظنها أن سنوات عطائها لم تنته.
بعد حياة أهدتها للفن ظهرت كلتوم لآخر مرة في المسرح الوطني في مسرحية البوابون عام 1991، مع الممثل الراحل رويشد.
في 11 نوفمبر 2010، وعن عمر يناهز 94 سنة ودع المشهد الثقافي الجزائري هذه الفنانة الأيقونية، التي حملت بشغف فن وثقافة بلدها، وفتحت الطريق أمام أجيال كاملة من الممثلات.