رياضة

كلنا‮ “‬غوركوف”؟

في‮ ‬حكاية المدرب الفرنسي‮ ‬غوركوف،‮ ‬التي‮ ‬أسالت طوفانا من الحبر واللعاب،‮ ‬فيها من كل شيء،‮ ‬إلا من عالم كرة القدم،‮ ‬فقد أخذت القضية أبعادا ثقافية وسياسية وتاريخية واجتماعية،‮ ‬ونأت بسنوات ضوئية عن جانيها الكروي‮ ‬الرياضي،‮ ‬الذي‮ ‬من المفروض أن تنحصر فيه،‮ ‬وكما بدأت الحكاية بالخطأ،‮ ‬انتهت بخطأ أفظع،‮ ‬كان فيه مخطئون فقط،‮ ‬ولا وجود فيها لأي‮ ‬رجل رشيد‮.‬

الجمهور الذي‮ ‬حضر مباراتين قيل إنهما وديتان،‮ ‬هتف الله أكبر بطريقة‮ ‬غريبة،‮ ‬وكأنه في‮ ‬حرب تحرير أو قضية مصيرية،‮ ‬وقرن هذا الهتاف الذي‮ ‬أسقط به ذات ثورة استعمارا فرنسيا،‮ ‬باسم المدرب البوسني‮ ‬السابق،‮ ‬الذي‮ ‬غادر الخضر،‮ ‬لأجل أموال ناد تركي،‮ ‬ولم‮ ‬يذكر الجزائر بخير في‮ ‬حياته،‮ ‬وكان دائما‮ ‬ينشر‮ “‬غسيلها‮” ‬في‮ ‬الصحف الفرنسية،‮ ‬واللاعبون الذين نراهم محترفين في‮ ‬أنديتهم‮ ‬يطأطئون رؤوسهم حتى ولو قرّوا على مقاعد الاحتياط طوال الموسم،‮ ‬مثل‮ “‬النعامات‮”‬،‮ ‬بدوا‮ “‬أسودا‮” ‬يرفضون تغييرهم،‮ ‬ويتشابكون،‮ ‬وكأن المنتخب من أملاك عائلاتهم،‮ ‬والمدرب الوديع الذي‮ ‬لم‮ ‬يسبق له أن لعب أمام ألف متفرج في‮ ‬حياته،‮ ‬تأسّد بطريقة‮ ‬غريبة،‮ ‬وحوّل خطأ الجماهير،‮ ‬إلى أخطاء مركبة،‮ ‬حتى كاد‮ ‬يتهمنا بالظلامية والهمجية،‮ ‬ثم أطلّ‮ ‬السيد رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم،‮ ‬ليصف كل هؤلاء المخطئين،‮ ‬بغير المتحضرين،‮ ‬وينتقد الجميع،‮ ‬دون أن‮ ‬يعترف ولو بخطأ واحد ارتكبته الهيئة التي‮ ‬يشرف عليها،‮ ‬فكانت الحكاية‮ ‬غير الكروية مليئة بالأخطاء من بدايتها إلى نهايتها،‮ ‬ومزدحمة بالمخطئين من بدايتها إلى نهايتها‮.. ‬هذا إن كانت قد انتهت أصلا‮.‬

الذين‮ ‬يتحدثون عن المرتب‮ “‬القاروني‮” ‬الذي‮ ‬يتقاضاه السيد‮ ‬غوركوف،‮ ‬نظير حضوره إلى الجزائر مرة أو مرتين في‮ ‬الشهر،‮ ‬يعلمون أن مهندسين وتقنيين وربما أميين من أمريكا وأوروبا واليابان،‮ ‬يتقاضون أضعاف هذا المرتب،‮ ‬نظير استنزافهم النفط الجزائري،‮ ‬والذين طالبوا برحيل‮ ‬غوركوف واتهموه بتحطيم الكرة الجزائرية،‮ ‬يتابعون منذ عقود،‮ ‬عمليات تحطيم الاقتصاد والمجتمع والصناعة والزراعة الجزائرية،‮ ‬من مشاريع تبدأ ولا تنتهي،‮ ‬وأخرى تنتهي‮ ‬وهي‮ ‬لم تبدأ أصلا،‮ ‬من دون أن تتحرك نخوة الوطنية أو حتى الإنسانية فيهم‮.‬

لقد قال‮ ‬غوركوف في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لم‮ ‬يقل آخرون،‮ ‬ولكنهم أساءوا لهذا الوطن،‮ ‬الذي‮ ‬فشل في‮ ‬تسيير شؤونه،‮ ‬عندما كان مطر الثراء‮ ‬يتهاطل عليه،‮ ‬وسيكون الوضع أكثر صعوبة في‮ ‬المستقبل إن تواصل التعامل مع الأمور بهذه الطريقة‮. ‬فلو لم‮ ‬يجد‮ ‬غوركوف‮ “‬النفخات‮” ‬المشجعة ما أطلق شهقته،‮ ‬التي‮ ‬اعتبرها كثيرون إساءة للوطن،‮ ‬وهم‮ ‬يعلمون أن الإساءات الحقيقية قد بلغت العظم منذ سنوات طويلة‮. ‬

هناك من‮ ‬يصرّون من لاعبين ومدربين وجماهير وإداريين على أنهم منشغلون بكرة القدم،‮ ‬من باب الوطنية وعشق ألوان البلاد،‮ ‬ويعتبرون ثورتهم وعصبيتهم قربانا للنشيد الوطني،‮ ‬الذي‮ ‬يعزف في‮ ‬الملاعب،‮ ‬والعلم الجزائري‮ ‬الذي‮ ‬يرفرف في‮ ‬المدرجات،‮ ‬فالمتفرج الذي‮ ‬رفع شعار‮ “‬غوركوف ارحل‮” ‬يرى نفسه أكثر وطنية من الآخرين،‮ ‬واللاعب الذي‮ ‬يسافر من أوروبا إلى الجزائر،‮ ‬لدحرجة الكرة،‮ ‬يرى نفسه الأحق بالتمجيد،‮ ‬ورئيس الاتحادية أخطرنا بأنه متطوّع ولا‮ ‬يتقاضى أجرا من عمله‮.‬

سؤال بسيط جدا،‮ ‬لماذا بقيت الوطنية عندنا،‮ ‬والحكايات التي‮ ‬تبدأ ولا تنتهي،‮ ‬تخص لهو الكرة فقط؟

مقالات ذات صلة