“كل الأطراف مخطئون ومتضررون”
قال الشيخ مأمون القاسمي، عضو المجلس الإسلامي الأعلى، أن معالجة الأزمة الراهنة في غرداية يستدعي مراعاة الخصوصية الإجتماعية والثقافية للمنطقة، داعيا في الوقت نفسه عقلاء المنطقة إلى العمل على رأب الصدع، ودرء شرور الفتنة، وإقامة جسور الحوار، والعمل لتجاوز آثار الأزمة، التي يرى أن كل الأطراف فيها على قدر متباين من الخطأ، وكلهم متضررون منها.
علمنا من الصحافة أنّ المجلس الإسلامي الأعلى يستعدّ لإيفاد بعض أعضائه إلى ولاية غرداية، في مسعى لإصلاح ذات البين. بصفتك عضوا في المجلس، نودّ أن نعرف منك طبيعة الأزمة التي تسعون للإسهام في معالجة آثارها.
الأوضاع في ولاية غرداية معقّدة، وعوامل الأزمة فيها متداخلة العناصر، متعدّدة الجوانب. ويعود ذلك إلى خصوصية سكانها؛ ممّا يفرض أن تعالج أوضاعها بمراعاة هذه الخصوصيات.
صحيح ما يقال عن العوامل الاجتماعية وتأثيراتها. ولكنّ هذه العوامل مشتركة بين جهات الوطن؛ سواء تعلّق الأمر بأزمة السكن، والبطالة، والفقر، والتفاوت الطبقي؛ أو تعلّق الأمر بالانحرافات، والجريمة المنظمة والآفات الاجتماعية المتعدّدة الألوان.
أمّا ولاية غرداية، فتختصّ بالتعدّد المذهبي والعرقي، فضلا عن العامل الاجتماعي؛ ممّا يفرز ألوانا من التعصّب، وكثيرا من الاحتقان؛ ويجعل الأزمات التي تحدث في هذه الولاية تأخذ منحى خطيرا، في بعض الأحيان؛ خصوصا عندما يصل الأمر إلى رفع شعار الأقلية المضطهدة، وتوجيه البعض نداءات إلى المنظمات الدولية لإغاثة هذه الأقلية.
كنتَ زرت المنطقة، قبل أسابيع. فماذا كانت استنتاجاتك؟
لقد اجتمعت مطوّلا مع ممثّلي السكان، وبعض الهيئات الدينية المحلّية، واستمعت منهم إلى شروح وافية لما جرى في الحوادث الأخيرة، مع التذكير برواسب الماضي البعيد وتراكماته عبر السنين.
وأدركت من خلال النقاش، ثمّ من خلال الاستقصاء والمعاينة، أنّ الأطراف المعنية كلّها مخطئة، بقدر متفاوت؛ وهم جميعا متضرّرون. وشرح ذلك قد يطول. أمّا حديثي إليهم فقد انصبّ على رأب الصدع، ودرء شرور الفتنة، وإقامة جسور الحوار، والعمل لتجاوز آثار الأزمة، ووضع أسس صحيحة لتعايش دائم بين السكان، يجسّد أخوّتهم الجامعة.
ومما كنت لاحظته أنّ بداية الأحداث كان سببها شباب متفلّتون، وأنّ بعض الشباب بدأ يتمرّد، على جيل الآباء؛ بل ويستخفّون ويتطاولون على هيئات عريقة يعود إليها الفضل في المحافظة على أخلاق المجتمع وقيمه التي تحصّنه من عوامل التفكّك والانحلال، تحت تأثير النزوات والاندفاعات.
وفي هذا السياق، قلت في خطاب وجّهته للشباب: إنّكم لن تستغنوا عن حكمة الشيوخ، وخبرتهم وتجاربهم الطويلة؛ كما لا نستغني نحن عن طاقات الشباب الحية، وهممهم العالية. والخير كل الخير في الإفادة من الفضائل التي نجدها في جيل الشيوخ وتلك التي نجدها في جيل الشباب.
ماذا عن ميثاق الأخوّة المالكية الإباضية الذي دعوت إليه. وهل وجدت دعوتك استجابة من الأطراف المعنية؟
في الظرف الراهن يتركّز المسعى على الحلّ العاجل، وهو احتواء الأزمة، وحفظ النظام، واستعادة الأمن والاستقرار، والعودة إلى الحياة الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الأحداث، لكنّ الحلّ الناجع في تقديري هو الحلّ الدائم، وهو الحلّ الذي ننشده، من خلال الدعوة إلى ميثاق الأخوّة. هي دعوة كنت وجهتها في الأيام الأولى للأحداث التي شهدتها مدينة الڤرارة؛ ثم أكّدتها مجدّدا، بعد اندلاع الأحداث في مدينة غرداية.
وصيغة الميثاق الّتي أدعو إليها لا تعني أننا ننظر إلى سكان هذه الولاية، على أساس طائفي أو مذهبي، أو نتعامل مع أوضاعها على هذا الأساس. ومن كان له هذا التصوّر فهو مخطئ. فنحن لا نرضى أن يكون التعامل مع المواطنين، بهذا المنطق، لا في المجال الاجتماعي والاقتصادي، ولا حتى في المجال السياسي.
أنا أنظر إلى الميثاق المقترح من منطلق الأخوّة الإسلامية الجامعة، التي تؤلّف بين القلوب المتنافرة، وتوثّق روابط الألفة والتعاون بين المسلمين. أنظر إلى هذا الميثاق بنظرة الإسلام إلى الاختلاف، باعتباره سنة لا سبيل إلى تجاوزها أو إلغائها؛ بل يجب أن نحسن التعامل معها، بعيدا عن التعصّب المقيت الذي يفضي إلى ازدراء الآخرين وتحقير المخالفين؛ فضلا عن انتهاك حرماتهم، والاعتداء على ممتلكاتهم.
أنا أرى في هذا الميثاق، وفي المجلس الاستشاري الذي اقترحته أن يكون، الأداة المثلى للتواصل والحوار، وللتنسيق والتشاور، وصولا إلى التكامل والتعاون؛ بما يضمن توثيق روابط الأخوّة والمحبّة وحسن الجوار بين سكان هذه المنطقة، ودوام عيشهم الهنيء، في سلام ووئام. أمّا عن الاستجابة لهذه الدعوة، فقد لمست ترحيبا بها، وتثمينا لأهدافها البعيدة؛ وذلك من خلال متابعتي للأوضاع، واتّصالاتي المتواصلة مع بعض الفعاليات.
كما علمت أنّ مسؤولين في الدولة قد تبنّوا هذا المشروع، ودعوا إلى خطوات عملية، في اتّجاه تجسيده، والعمل لتكوين المجلس الاستشاري المقترح؛ وهو ما أرجو أن يتحقّق في أقرب الآجال، بعون الله وتوفيقه.