الجزائر
معالم فاتنة تتأرجح بين وزارتي الثقافة والسياحة

كنوز سياحية تسبح في القاذورات والمراحيض

الشروق أونلاين
  • 18293
  • 20
ح/م

يترقب عشاق الجولات السياحية على مستوى ضفة البحر المتوسط، إلى زيارة الجزائر وتغطية “الثقب” الموجود في خريطة ترحالهم، بعدما زاروا دول الجوار تونس والمغرب، وكذا ليبيا ومصر، حيث يتطلع سياح أوروبا إلى التمتع بجمال الصحراء الجزائرية، فيما يرغب الأندونيسيون بزيارة ممر طريق الفاتح عقبة بن نافع ببسكرة، استكمالا إلى مسار الفتوحات نحو الأندلس (إسبانيا)، ولن يتحقق ذلك إلا بعاملين أساسين، الأول بالتعريف الجيد بما تزخر به الجزائر من معالم، والثاني بالانفتاح على الخارج من خلال مرونة في منح التأشيرات للسياح.

كشفت جولة استطلاعية قادتنا، برفقة الديوان الوطني للسياحة، لعاصمة الزيبان بسكرة ومختلف المواقع السياحية بكل من باتنة، قسنطينة، جيجل وبجاية، والتي من شأنها استقطاب آلاف السياح الأجانب وبالدرجة الأولى ملايين الجزائريين بتفعيل السياحة الداخلية، عن فجوة كبيرة في التنسيق بين مختلف القطاعات، وخصوصا بين وزارة الثقافة ووزارة السياحة الصناعات التقليدية، حيث لا تزال أغلب المواقع السياحية عرضة للتخريب في ظل إهمال فاضح ومجسد ميدانيا، وتسعى وزارة السياحة لتجاوز النقائص وإظهار الصورة الجميلة لتلك المواقع الأثرية .

ويشد نظرك بمجرد الخروج من مدينة بسكرة باتجاه باتنة باعة في الطريق يبيعون حجارة بيضاء، أفادنا الدليل نور الدين بأنها تستخرج من الجبل المالح الذي علوه 628 متر، وتباع على شكل صخور من ملح طبيعي يقطع قطعا صغيرة تستعمل للطبخ، غير أن الأكياس البلاستيكية المتناثرة هنا وهناك شوهت المنظر ونحن نقصد “القنطرة”.

ويتساير طريق خط السكة الحديدية مع الطريق الوطني وفق خطان متوازيان، وعلى بعد حوالي 5 كيلومتر، يوجد ممر “بيي اركول” الذي شق السلسلة الجبلية طبيعيا إلى قسمين، وساعد بمد طريق السيارات، وعلى مستوى الممر توجد القنطرة، وهي محج العرسان، حيث تدوي طلقات البارود وتلقتط الصور التذكارية للعروسين، وشاءت الصدف أن صورنا زوجا قادما من باتنة، ويشاع أن وجه نابليون الثالث منحوت من قبل العساكر آنذاك، بالجهة اليسرى للممر بين الجبلين، حينما تكون متجها نحو باتنة.

وتعرضت مدينة بسكرة للاستيطان الروماني في القرن الرابع للمسيح، وكانت القبائل الأمازيغية رافضة للاستيطان، ومر بالمنطقة الوندال وحطموها قبل أن ينزل البيزنطيون، وفي القرن السادس حل الفاتحون بقيادة عقبة بن نافع، والذي قوبل بمقاومة “الكاهنة”، التي رفضت قدوم الجيوش العربية وحاربتهم لمدة 20 سنة، قبل أن يتفوق عليها عقبة بن نافع ويصل بحصانه إلى المحيط الأطلسي، ثم يعود لبسكرة ليدفن فيها في آخر محطات حياته، حسب الروايات المتوفرة.

وفي المنطقة توجد الحمامات (حمام الصالحين، حمام الشقة وحمام الحاجب) التي كانت تشكل مصدر الهام الشعراء والفنانين، والملهمين بالصحراء ومن أدباء أجانب أسسوا “مدرسة الجزائريين”، وذلك بعدما قضى الفرنسيون على المقاومات الشعبية للاحتلال، وعلى رأسها مقاومة الزعاطشة، وحرصت فرنسا على السيطرة على بوابة الصحراء (بسكرة).

ضريح عقبة بن نافع محرك السياحة الدينية

ويتطلع الاندونيسيون ويتشوقون لزيارة ضريح عقبة بن نافع ببسكرة، ويسمون مسار بسكرة باتجاه الأندلس (اسبانيا) باسم “تاجيك رسول” باللغة الحبصية، ومعناه “طريق الرسول” ويقصدون ابن نافع كحامل للرسالة المحمدية، ويعتبر هؤلاء أن بسكرة مصدر إشعاع ينير محور طنجة ـ جاكرتا وأن العلاّمة الجزائري مالك بن نبي مفكر من الطراز العالمي ومرجع للأندونيسيين.

ويغفل الجزائريون ويجهلون كثيرا الزاوية العثمانية في طولقة، وهي عبارة عن مخزون من المخطوطات، وهي زاوية كبيرة يتوسطها النخيل يدرس بها الطلبة، حتى من الخارج، علوم الفقه والتفسير.

وفي وسط بسكرة توجد حديقة “الكونت لوندون”، والتي ألهمت كثيرا من الفنانين العالميين، وهي مصنفة الثانية في الجزائر بعد حديقة التجارب بالحامة بالعاصمة، وحسب المرشد السياحي الوطني، سعيد شيتور، فإن كبار الفنانين والصحفيين العالميين مروا عبر بوابة الصحراء.

باتنة.. “كارفور” القادمين من الجنوب والشرق والغرب

باتنة هي تسمية لـ “بيي فواك”، أي نقيم خيمة للمبيت في العراء محاطة بالجبال، تزخر بمعالم تيمقاد التي نعرج عليها من مدينة “لا مبيز”، وتوجد بها “كاف العروس”، ويقال عنها بأن سكان المنطقة كانوا يأتون بالعرسان على متن الخيول، وفي إحدى المرات قدمت عروس على متن الحصان، وهي بنت شيخ قبيلة، فانهارت تربة الكاف من تحت أقدام الحصان وماتت العروس، فسميت المنطقة بكاف العروس.

وقبل وصولنا لامبيز ـ 5 كلم قبل باتنة ـ تبهرك “شرفات الغوفي”، المبنية في القرن الرابع بعد المسيح ـ وكانت الكاهنة تختبئ أحيانا هناك ـ وهي عبارة عن فج عظيم يمتد إلى جمينة على مساحة تصل 20 كلم، في أسفله تجري المياه وعلى الحواف تنتشر أشجار النخيل التي طالها الحرق والتخريب في بعض الواحات، ومع ذلك مايزال جمالها يبهر المارة من هناك، وتوجد أكواخ مهجورة في عمق الفج كانت آهلة بالسكان يوما ما، وأقام السكان آنذاك قلاعا في القمة، لا تزال قائمة، يلتقون فيها خلال المناسبات وفي الأفراح ومناسبات الزواج لإقامة الذبائح، وترى على جدار الفج أو النهر الكبير غرفا بطراز موحد تشكل فنادق بنيت في ذلك العصر، بالإضافة إلى حمامات وتجمعات سكنية و”مطمورات” لتخبئة الزرع والتمر والأعلاف.

من المسؤول عن تصنيف “شرفات الغوفي” وحمايتها؟

وأكد لنا المرشد السياحي سعيد بأن المنطقة مصنفة وطنيا غير أن جمالها الرائع بحاجة ليصنف عالميا، غير أن التصنيف من مهمة وزارة الثقافة (إدارة التراث) بإيداع ملف لدى منظمة اليونيسكو، وهو الأمر الذي لم يحصل بعد، في وقت تتعرض شرفات الغوفي الساحرة للتخريب، ويضيف محدثنا “لا نعلم إن كانت وزارة الثقافة قامت بالإجراءات أم لا، المهم أنها غير مصنفة كتراث عالمي”.

وتتعجب لغياب مرافقة من السلطات المحلية لصون المنطقة الساحرة، باستثناء بناء سبعة محلات (محلات بوتفليقة) لنشاط الحرف والصناعات التقليدية، في كل موقع من أصل ثلاثة، ووقفنا على هجر جل الشباب ولجوئهم لكراء محلاتهم للمدعو (زعدود حشاني)، الذي جمع تحفا تقليدية رائعة وأحجارا نادرة في معرضه التقليدي، وقال “هجر الشباب لغياب الماء والإنارة وحرق الأشجار، ونحن نشتري صهاريج المياه للشرب والسقي بمبلغ 1200 دينار”.

وسرد لنا حشاني حكاية شرفات الغوفي، وقال “إنها قرية هيتشلت نسبة إلى امرأة أمازيغية، وغوفي اسم معمر فرنسي وليس ولّي صالح كما يشاع، وتسميته الصحيحة – اث فلوسّ – أي بني الأهلة نسبة لأشكال الواد، ويتوسطها الواد الأبيض ـ أغلال ـ والشاوية عاشوا على ضفاف النهر من 1700 إلى 1975 مدة 3 قرون”، مضيفا “وعاش في الواد 5 عروش هم اث ميمون، اث منصور، اث يحي، اث فاقم واث أرياس، وشيدوا قلاعا حماية لهم من العدو ولإعداد “الزردة” والتصالح واللعب وجميع المناسبات والأفراح، وفي المنطقة نجوم البحر تدل على أن المنطقة كانت بحرية وبها ترسبات كلسية ومعدنية”.

وبعد توديعنا لشرفات الغوفي، مررنا بمدينة تازولت حاليا، (لامبيز) قديما، وبها مدينة رومانية قبرت تحت التراب، وأخرجت ثلاث علماء إبان الحقبة الاستعمارية بينهم سون أنتوان وباستور، وبها مسرح روماني يقابله مربع بناه البيزنطيون، وعلى بعد 35 كلم يمينا، تقبع آثار تيمقاد الراسخة في التاريخ الروماني.

قسنطينة.. تاريخ تحاكيه الجسور المعلقة

قادتنا الجولة إلى مدينة الجسور المعلقة، فحينما ترتفع بسيرك تجاه جسر “سيدي مسيد”، والمشيد سنة 1912، تظهر لك معالم كانت يوما ما تدعم الفعل السياحي، ومنها السلم المثبت بأسفل جدار النهر، والذي تعرض للتلف، وقال لـ”الشروق” بشأنه مدير السياحة لقسنطينة، لباد حسان، بأن هناك مشروع لتهيئة “درب السياح” بتكلفة تقارب 40 مليار سنتيم، لجذب السياح.

وعلى ارتفاع أمتار من الجسر، يوجد معلم “مونيمو مور” أو نصب الأموات، شيدته إدارة فرنسا الاستعمارية لتخليد أرواح أبناء قسنطينة ضحايا الحرب العالمية الثانية، والمعلم موجود في كل الكتب السياحية ومصنف وطنيا، ويعطيك نظرة بانورامية عن المدينة من أعلى، وبه طاولة التوجيه على جميع تفاصيل المدينة، للتمتع بمنظر غروب رائع، غير أننا وقفنا على أكياس وقارورات بلاستيكية منثورة عبر جوانبه، وفي وسطه آثار التبول وكتابات حائطية تشوه المكان.

وقال عنه المرشد شيتور “للأسف تشاهدون كتابات على الحائط، فيجب وضع ميزانية على الأقل لحمايته، مع غياب وعي لدى المواطنين والمسؤولين، وكذا غياب التنسيق بين وزارتي الثقافة والسياحة”، أما مدير السياحة فقال “هناك مشروع لتهيئة المعلم قامت بدراسته البلدية، غير أن المناقصة لم تكن مجدية، لوضع مساحات للعب ومقهى ومساحات خضراء تحيط بنصب الأموات”.

المغارة العجيبة.. نوازل وصواعق تشكل تحفا وتماثيل عالمية

واصلنا رحلتنا من مدينة الجسور المعلقة باتجاه جيجل، حيث وقفنا على المغارة العجيبة بالحظيرة الوطنية لتازة، والتي اكتشفت سنة 1917، وهي من المعالم الأثرية الفاتنة في الجزائر، بدرجة حرارة 18 درجة، ورطوبة ما بين 70 و80، وتزخر بألوان ثلاثية دلالة على مختلف المعادن منها أكسيد الحديد، أما الأسود فيدل على التلوث بسبب الأكسدة تفاعلا مع التقاط الصور، ولذلك يمنع على الزوار التصوير داخل الكهوف.

النوازل والصواعق الصاعدة والهابطة وفقا لقانون الجاذبية يكون النمو الخفيفة منها في الطول والثقيلة في العرض، بسنتمتر واحد كل 100 سنة، مساحتها 942 متر مربع، يزورها 3 آلاف شخص يوميا خلال العطل، وفي شهر جويلية يصل 7 آلاف زائر يوميا، وقال الدليل الممثل عن محافظة الغابات الذي تحدث بلطف مع الصحفيين لتفادي التصوير، أن زوار من مختلف الدول قدموا إلى المكان على غرار العراقيين، التونسيين، الليبيين، الفرنسيين، الانجليز والأمريكيين.. وغيرهم.

وأرشدنا الدليل لتحف مختلفة تراها من زوايا معينة منها تمثال الحرية بأمريكا، ويقابله برج البيتزا بايطاليا، كأس العالم لسنة 2000، وصورة جمل.

بجاية.. من هنا مرّ إبن خلدون و”ترعاكم” يما قوراية

وصولا إلى مدينة بجاية، تكتشف الآثار الرومانية راسخة بها من خلال بابين للمدينة بعدما كسر الاستعمار الفرنسي الأبواب الخمسة الأخرى، ونزل بالمدينة العلامة ابن خلدون صاحب كتاب المقدمة، وعاش لفترتين متواليتين من سنة 1352 إلى 1354، ثم من سنة 1365 إلى 1366، سمي بالحاجب معناه (الوزير الأول)، ولا يزال المتحف بالمدينة شاهد على حقبته، كما يوجد معلم يخلد ذكرى الرئيس البرتغالي، مانويل تيكيسرا، الذي نفي من بلده عقب انقلاب وعاش في الجزائر ما بين 1862 و1941 .

ورغم المعالم الجمالية بالمدينة غير أن مركز الاستقبال والإعلام والتوجيه السياحي، مغلقا منذ 7 سنوات، وينتظر صدور نص قانوني لإعادة فتحه مع بقية مراكز الوطن، موضحا “لا نزال نستقبل ملفاتهم لتكون محلات لأصحابها وتدخل في مخطط السياحة والتجمعات الصناعات التقليدية، هذه الأخيرة، لم تصدر نصوصها التطبيقية بعد في الجريدة الرسمية”.

وأفاد المتحدث أن وزارة السياحة أعادت بعث دواوين السياحة (جمعيات) ورفعت التجميد سنة 2011، ومنحتهم دعم ما بين 10 و40 مليون سنتيم، حيث وصل المبلغ الإجمالي قرابة مليار سنتيم.

وعلى مرتفعات بجاية يوجد ضريح “يما قوراية”، حيث لن يتمكن من صعود القمة إلا بشق الأنفس، على منعجرات تأخذ من الوقت قرابة ساعة من الزمن مشيا، وبغرفة منزوية تلقاك السيدة حسينة التي تضع الحناء للزائرات والزوار وتمنحهم شمعة بنية البركة، على حد قولها، غير أن حسينة اشتكت لنا عدم تفاعل السلطات المحلية لإنقاذ الموقع، كما أننا وقفنا على انهيار الطريق المؤدي إلى القمة.

ويجسد فندق “طاييس” الواقع بين بجاية وأزفون اللمسة التقليدية بالحجارة والخشب، ويجمع تحفا تقليدية نادرة وحظيرة للخيول والأبقار، وهو عبارة عن قرية تقليدية على الشاطئ النظيف لدرجة رؤية قاع البحر، وهو استثمار خاص بإمكانه منافسة الوجهات الأوروبية، وانتهت بنا الرحلة، في قرية أزفون القديمة والتي بها آثار رومانية لم تكتب عنها الصحافة من قبل.

مقالات ذات صلة