كهول يعيشون مراهقة متأخرة ويرفضون الخضوع للعلاج النفسي
يحدث أن تصادف أثناء سيرك في الشارع كهولا على مشارف الخمسين من العمر، يفرطون في العناية بهندامهم وشكلهم الخارجي ويتلمسون كل ما هو جديد وعصري للظهور بلوك شبابي مميز دون مراعاة لسنهم الكبيرة، أو يطاردون فتيات أقل سنا من بناتهم ويتحرشون بهن. وآخرون ينسجون رفقتهن خيوط علاقة غرامية جديدة. البعض يصفها بالمراهقة المتأخرة إلا أن المختصين أطلقوا عليها اسم أزمة منتصف العمر عند الرجال فماذا يحدث لهم في هذه السن؟
أجمع المختصون على أنها مرحلة البحث عن الهوية ففيها يقوم الرجل بإجراء مراجعة دقيقة لحساباته وإنجازاته ويعيد تقييم خطواته. وهو ما يجعله قلقا للغاية وعرضة للإصابة ببعض الأمراض النفسية والجسدية، كما يشعر بالرفض وعدم التفهم من قبل المحيطين به وبالأخص زوجته. لذا تزداد الهوة والمشاكل بينهما فيلجأ إلى ربط علاقات عشوائية أو الخيانة. تقول الدكتورة بوقاسي وردة، اختصاصية نفسانية: أزمة منتصف العمر، أو مرحلة المراهقة الثانية، كما يسميها البعض، لا تصيب جميع الرجال بل البعض منهم، ويكون رد الفعل مختلفا حسب شخصية الفرد. فالبعض يبحث عن مجال من الحرية وإثبات الرجولة لذلك يسلكون تصرفات تشبه تصرفات المراهقين، والبعض الآخر يكون ناضجا فيصب اهتمامه على أسرته وإنجازاته فيطرح أسئلة كثيرة مثل لماذا لم أحقق كذا وكذا؟ أين ذهبت سنوات حياتي؟ كيف يمكن أن أحقق ما فات؟ وأسئلة وجودية أخرى.
وتزامنا مع تحضيرنا للموضوع تلقينا اتصالا هاتفيا من سيدة في أواخر الأربعينات من العمر، اكتشفت أن زوجها وهو إطار في التعليم العالي تجاوز الخمسين عاما يملك حسابا على “الفايسبوك” يقضي وقته في الحديث إلى طالباته في أمور شخصية لا تتعلق بالدراسة أو الأبحاث العلمية، وهو على علاقة مع إحدى تلميذاته في العشرينات من العمر، وقد اكتشفت ذلك من خلال الرسائل الموجودة في هاتفه النقال وقد سعت إلى التحدث معه وحل الأمر وديا لكونها أستاذة في التعليم الثانوي أيضا، ولم تتخيل أن تجمع الأستاذ وتلميذته يوما علاقة مشبوهة، لكنه أنكر وهددها في حال تمسكها بهذه الادعاءات فسيتزوج عليها. ولأن مثل هذه الأمور حساسة، خاصة فيما يتعلق بالخيانة، لذلك يصعب على المرأة تصديقها، فتحاول مداراة زوجها المراهق وتحمل مزاجه المتقلب، أو يلجأ هذا الزوج إلى المختصين بغية العثور على حل للمشكلة التي يتخبط فيها، فقد قصت علينا إحدى الفتيات والتي كانت تعمل كعون استقبال ونظافة في عيادة مختصة في الطب النفسي بالعاصمة، تردد كهل في أواخر الخمسينات من العمر على العيادة التي كانت تعمل فيها، وكان يرتدي ثيابا لا تتناسب مع سنه كسراويل الجينز والقمصان الملونة (الوردي، البنفسجي) وحذاء بنفس اللون، وكان يتصرف بغرابة ويعاكس جميع الفتيات لم تسلم منه ولا واحدة، حتى أنا كان يراقبني طوال فترة جلوسه في العيادة.
هذه الاتهامات النسوية ومصطلح المراهقة المتأخرة رفضها الرجال كليا، فهم يعتبرون مرحلة الخمسينات فترة صفاء الذهن والقدرة على التفكير وإعادة النظر في حياتهم. يقول “حبيب خالد“، 63 سنة، متقاعد: “هفة الخمسين” أو المراهقة المتأخرة مجرد إشاعات فلم يحدث لي ذلك ولا لأي واحد من أصدقائي، فالأمر لا يتعدى مجرد اهتمام بالشكل والمظهر الخارجي لكون الرجل في تلك السن يمتلك المال والوقت بعد أن يكبر كل أبنائه، فلا يوجد ما يمنعه من التجول والتعرف على أشخاص جدد ومنح نفسه الراحة التي حرم منها لسنوات.
ولتجاوز الأزمة قدمت الأخصائية النفسانية “وردة بوقاسي” جملة من النصائح للوقاية منها قبل حدوثها كتحقيق توازن بين ما نقدمه لأنفسنا وما نقدمه لغيرنا، وضع بدائل في الحياة، فإذا حدث فشل ما في جانب من جوانب الحياة يجد بديلا آخر يساعده على تخطي هذه الأزمة بسلام، إعطاء الرجل معنى وهدفا لحياته، تقوية الجانب الإيماني، الاستعانة بمختص نفساني، التنفيس الانفعالي فيحكي الرجل كل ما يدور في خاطره من مخاوف وإحساس بالفشل وكل التغيرات التي تحدث لديه لقريب له أو صديق مقرب له أو زوجته وغيرها من العلاقات، شرط أن تكون مبنية على الثقة، فهذا يساعد كثيرا في الوعي بالذات وتجاوز الأزمة، وقوف الزوجة مع زوجها وهو نصف العلاج، صبرها وتفهمها له، فهي القريبة وأكثر من يحس بالتقلبات الطارئة، ووعيها بهذه المرحلة بأنها عابرة مهم جدا جدا لتجاوز الأزمة، فغياب ذلك يؤدي إلى تفاقم الأوضاع مثل وجود عشيقات أخريات مما يؤدي إلى التفكك الأسري.