-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في الذكرى 36 للأحداث.."الشروق" تفتح دفاتر 20 أفريل 1980:

كواليس وأسرار الربيع الأمازيغي في الجزائر

الشروق أونلاين
  • 18728
  • 0
كواليس وأسرار الربيع الأمازيغي في الجزائر
الشروق أونلاين

يستحضر الجزائريون هذه الأيام الذكرى السادسة والثلاثين لأحداث 20 أفريل 1980، والتي انطلقت شرارتها الأولى مع “منع” الروائي مولود معمري من إلقاء محاضرة له بجامعة تيزي وزّو حول “اللغة والتراث الأمازيغي” مطلع مارس من ذات السنة، حيث تطوّرت الأحداث وتسارعت، بفعل الاحتجاجات الطلابية التي توسعت لتشمل تلاميذ الثانويات، قبل أن يدخل عمال المؤسسات الاقتصادية العمومية على خط “المواجهة” مع السلطات العمومية، إذ تحركّت وقتها كل “الخلايا السريّة” الناشطة في سبيل القضية الأمازيغية على عهد الحزب الواحد، والذي حضر كل الأفكار والتوجهات التي لا تتماشى ورؤيته لسياسة الدولة العامة في كل أبعادها.

الشعور بالتهميش والإقصاء الثقافي، في ظلّ مساعي القبضة الحديدية التي حاولت السلطة، عبر قوات الأمن العمومية، فرْضها على المتظاهرين من الفئات الطلابية والعمالية والشعبية، حوّلت الأحداث إلى مواجهات غير مسبوقة بين الطرفين، لكنها شكّلت منعرجا حاسما في تكريس المطالب الثقافية الأمازيغية، حيث صنع الربيع الأمازيغي أرضية انطلاق جديدة، ستتبلور مع عقد الثمانينات من القرن العشرين، ليستفيد من مرحلة الانفتاح السياسي، إذ أصبح أوضح تعبيرا عن شعاراته الثقافية والسياسية، ليتوّج عام 2002، في أعقاب الربيع الأسود، بدسترة الأمازيغية كلغة وطنية، وبعد 14 عاما سترفع إلى مقام اللغة الرسمية في دستور 2016 .

اليوم، وفي الذكرى السادسة والثلاثين للربيع الأمازيغي، تفتح “الشروق” دفاتر الأحداث بيومياتها وتفاصيلها، حيث تستنطق صانعيها، ومن كانوا شهود عيان على مجرياتها، ليقولوا الحقيقة كاملة كما عايشوها ذات ربيع من عام 1980    .

 

المحافظ السياسي السابق لجبهة التحرير بتيزي وزو محمد بورزام لـ”الشروق”:

السلطات تعاملت بحكمة مع أحداث 20 أفريل 1980

يقدّم محمد بورزام، شهادته عن أحداث الربيع الأمازيغي كما عاشها هو عندما كان محافظا سياسيا للحزب بولاية تيزي وزو، حيث يقول بورزام إن السلطة لم تمنع مولود معمري من إلقاء محاضرته بجامعة تيزي وزو، بل طالبت بتأجيلها فقط عندما علمت أن مظاهرات كانت ستجوب شوارع المدينة عقب المحاضرة مباشرة.

نافيا في ذات الوقت أن تكون أحداث 1980 قد خلفت ضحايا، مؤكدا في السياق ذاته أن اقتحام الجامعة ليلا، الذي قررته السلطات العمومية، كان بغرض الحيلولة دون انزلاق الأمور    .

كنت محافظا سياسيا في تيزي وزو مطلع الثمانينات، هل لك أن تضعنا في الصورة بخصوص أحداث 1980؟

عندما اندلعت أحداث الربيع الأمازيغي كنت أترأس مجلس التنسيق الولائي بصفتي أمينا للمحافظة وكان الظرف آنذاك يختلف عما هو عليه اليوم، وكانت تلك المرحلة مختلفة تماما بظروفها وأولوياتها أمنيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا. في مطلع الثمانينات كانت سياسة الدولة لها خصوصياتٌ في تسيير شؤونها وكان مجلس التنسيق الولائي، المشكل من أمين المحافظة رئيسا وعضوية الوالي وقائد القطاع العسكري ورئيس المجلس الشعبي الولائي والأمناء العامّين للمنظمات الجماهيرية ومسؤولي أسلاك الأمن، هو الذي يسهر على تنفيذ سياسية الدولة. لكن صلاحيات مكتب ومجلس التنسيق الولائي لا تتعدى مهمة تسيير القضايا الاجتماعية والاقتصادية، أما كل ما يخص الجانب الأمني والهزات الأمنية والحركات التي تمس الأمن والسلم الاجتماعي وتأمين الجبهة الاجتماعية والطابع السياسي فقد كان علاجها من صلاحيات القيادات العليا في البلاد. وقبل اندلاع أحداث 1980 كنا في مرات عديدة قد نبهنا إلى تفاعلات القضية التي بدأت تظهر في الميدان وكان يقال لنا في كل مرة إنكم مكلفون بتطبيق قوانين وسياسة الدولة في جميع الميادين، فعندما تُطرح مشاكل ذات حساسيات سياسية وأمنية، كنا نكتفي جميعا بنقل الوقائع إلى السلطات العليا للبلاد وهي التي تتكفل بدراستها وتقرير الحلول التي تراها، يعني أننا كنا مأمورين بتنفيذ سياسة الدولة وقوانينها .

بعد مرور 36 سنة على الأحداث، هل أخطأت السلطة في طريقة تعاملها معها؟

بالعكس وفق متطلبات وسيّاق المرحلة، وبحكم المعطيات التي كانت موجودة آنذاك فإن الدولة، في تقديري الشخصي على العموم، تعاطت مع الأحداث بإيجابية واستطاعت أن توصلها إلى برّ الأمان. لأن الكثير من الناس يجهلون أن أحداث جامعة مولود معمري تطوّرت بسرعة وأخذت مناحي عدة للعنف، وأصبحت تحرّكها أيد وأطراف من الداخل وحتى من الخارج بعضها خيّر وبعضها متناقض الأهداف. وبغضّ النظر عن شرعية المطالب التي رفعت حينها فإنَّ الدولة جنَّدت كل الإرادات الخيِّرة من شخصيات وقيادات محلية ووطنية استطاعت أن تجنِّب المنطقة والبلاد كارثة حقيقية؛ ففي تقديري الشخصي كانت سياسة الدولة آنذاك حكيمة في تخطي تلك المحنة بدون سقوط ضحايا، والفضل الكبير بعد السلطة السياسية، يعود إلى أهل المنطقة ببلاد القبائل من مجاهدين ومناضلين ومسؤولين وإطارات ولجان تاجماعت وتجار ومثقفين ومواطنين ومن كل الفئات والشرائح الاجتماعية الذين بذلوا مجهودات عظيمة وجبارة  في الأوساط الشعبية من أجل إعادة الأمن والاستقرار للمنطقة والوطن.

هل يعني هذا أن مجلس التنسيق الولائي لم يكن مسؤولا عن الأحداث؟

مكتب التنسيق الولائي لم يكن مسؤولا عن الأحداث ولم يكن على علم بكثير من تفاصيل الأحداث، لأنها تعني القمة والذي سيّرها حينها هو المجلس الأعلى للأمن بمسؤولية وقيادة كل من الشاذلي بن جديد وقاصدي مرباح…. وقد تعاطوا بحكمة مع الحدث وكانوا يؤكدون أنهم لا يريدون إطلاقا أن يصل الجيش إلى الاحتكاك بالشارع. مثلا لم نكن نعرف تفاصيل قضية الثلاثين التي صارت فيما بعد تعرف بقضية 24 لولا أن جاءنا تلكس يخبرنا أن هناك 24 شخصية سيُلقى القبض عليها، وفعلا، وفي أيام قليلة، قامت السلطة ومن دون علم أي منا بإلقاء القبض عليهم وأخذوا إلى سجن البرواڤية وتمّ فيما بعد إطلاق سراحهم، وقد استعانت السلطة لاحقا بشخصياتٍ من المنطقة للتوسُّط بينها وبين المتظاهرين وحل المشكلة أمثال معزوزي وآيت مسعودان وغيرهم كثيرون …. من خيِّري هذا الوطن.

ما نوعية المطالب التي رفعها المتظاهرون يومها؟

التفاعلات والتداعيات كانت قديمة لأن الشعارات التي رفعها المواطنون كانت تؤكد أن المشكل يعود إلى الميثاق الوطني في 1976، عندما طرح مطلب الأمازيغية كلغة في المنظومة التربوية من قبل المعارضين لتكريس العربية كلغة رسمية وحيدة في البلاد… وربما تعود القضية تاريخيا إلى ما قبل الميثاق الوطني إلى أزمة حزب الشعب في 1947 وما بعدها، ولكن السلطة لم تجد لها حلا راديكاليا يرضي الجميع ويثبت العناصر الأساسية للهوية الوطنية بكل أبعادها (الإسلام، العربية والأمازيغية)-  إلى أن انفجرت المشاكل في أحداث 1980.

ألا ترى أنه لو سمحت السلطة آنذاك لمولود معمري بإلقاء محاضرته لما انفجرت الأحداث؟ ثم لماذا منعتم محاضرة كانت ثقافية بالأساس؟

المحاضرة كانت القطرة التي أفاضت الكأس، نحن لم نكن نتوفر على كل المعطيات الأمنية للقضية، كل ما سمعنا عنه هو ظهور تحركات من قبل في الجامعة تفيد بأن هناك بعض التحضيرات لمظاهرات كانت ستندلع مباشرة عقب المحاضرة، وهو في تقديري الشخصي أحد الأسباب التي دفعت بالسلطات إلى طلب تأجيل المحاضرة وليس منعها، وكان الهدف من طلب تأجيل المحاضرة لمدة أسبوع أو عشرة أيام هو تبيّن بعض الخلفيات وبعض أهداف المظاهرة المنتظرة. وعندما وصلنا أمرُ تأجيل المحاضرة من قبل السلطات العليا عقدنا اجتماعا مباشرة ضم قائد القطاع العسكري والقيادات الأمنية والوالي والمحافظ السياسي وقد خوّلنا للوالي مسؤولية تطبيق قرار الدولة لأنه ممثل السلطة التنفيذية، وقد اتصل الوالي بالأستاذ مولود معمري وأخبره بحيثيات قرار السلطات العليا وطلب منه تأجيل المحاضرة، وحسب الوالي فإن الأستاذ مولود معمري أخبره أنه لن يأتي إلى الجامعة، لكن في الغد عندما اتصل الوالي ببيت معمري أخبروه أنه ونزولا عند رغبة طلبته هو في طريقه إلى الجامعة بتيزي وزو، فاستقبله الوالي في مكتبه وضيَّفه ضيافة تليق بمقامه وتحدَّث معه في هذا الشأن، فبدا معمري متفهِّما للأمر وقال للوالي إنه سيذهب فقط إلى الجامعة ليعتذر إلى الطلبة، فرافقته السلطات المحلية بما في ذلك الوالي والقيادات الأمنية.

وعندما وصل معمري إلى الجامعة لا أدري بالضبط ماذا حدث لأنني لم أكن حاضرا هناك. وبعد ذلك علمنا أنه غادر الجامعة. ومباشرة بعد ذلك اندلعت المظاهرات بشعاراتها ولافتاتها ما قد يفسر على أنها كانت محضّرة سلفا، ورغم مشروعية مطالبها التي لا يشك فيها أحد، إلا أن طبيعة النظام السياسي آنذاك لم تكن لتسمح بها.

كيف تمّ بعد ذلك اقتحام الجامعة؟ وهل فعلا وقعت مواجهاتٌ مع المتظاهرين؟

استمرّت الأحداث قرابة شهر كامل، وانتقلت من الجامعة إلى الثانويات ومراكز التكوين المهني، وحتى المدارس الابتدائية، وبعض المؤسسات الاقتصادية، وتجاوزت حدود ولاية تيزي وزو إلى المدن والمناطق المجاورة قبل أن تنتقل إلى خارج الولاية. وكان يومها وزير التعليم العالي عبد الحق برارحي قاد مفاوضات مع الطلبة والأساتذة، بعدما توقفت الدراسة في الجامعة لمدة شهر وشُلّت جميع الأنشطة التعليمية فيها. وفي هذه الأثناء كانت الدولة تستعمل الوساطات للتفاوض مع المتظاهرين والطلبة ومؤطري الحركة الاحتجاجية.. لكنها تفادت قدر الإمكان المواجهات المباشرة، لكن المتظاهرين كانوا متمسِّكين بمطالبهم واشترطوا الاعتراف بالأمازيغية قبل مباشرة أي حوار مع ممثلي السلطة، وهذا ما أدى في نظر السلطة طبعا إلى فشل جسور الحوار.

وهو الأمر الذي جعل السلطات العليا تتخذ قرارها باقتحام الجامعة وإعادتها إلى نشاطاتها الأصلية. وقد بُلِّغنا نحن كسلطات ولائية بالقرار في منتصف تلك الليلة المختارة لتنفيذ الأمر، وقد تم  إخلاء الجامعة ليلا تجنُّبا لانزلاق الأمور إلى ما لا تحمد عقباه.

 

“سعيد خليل” أحد الفاعلين في ملف القضية الأمازيغية  لـ”الشروق”:

“لا يمكن لأيّ حزب أن ينسب لنفسه أحداث الربيع الأمازيغي”

يعدّ من بين الناشطين الذين خدموا القضية الأمازيغية في بداية النضال، رغم مخاطر نظام الحزب الواحد وقتها، وتجريم كل ما تعلق بالهوية الأمازيغية، هو أحد الموقوفين الـ24 عقب أحداث الـ20 افريل، كونه ضمن العناصر الربيع  الأمازيغي“.

في هذا الحوار، يعود بنا الأستاذ “سعيد خليل” إلى بعض المحطات المهمة في مسار النضال الأمازيغي، ودور الجامعة في احتضانه، والاستناد للقاعدة الشعبية في مواصلة مسار النضال، كحتمية فرضتها مستجدات أفريل 1980.

بداية كيف تمكّنت السياسة من استمالة “سعيد خليل” الصيدلي؟

سعيد خليل :تجدر الإشارة إلى أن التضييق على منطقة القبائل لم يكن وليد عهد الاستقلال، حيث بدأ منذ سنة 1949، وقد عزل الراحل “آيت احمد” بسبب ذلك من المنظمة السرية ونفي إلى مصر، رغم غضّ النظر عن القضية قبيل وإبان حرب التحرير الوطني، إلا أن القادة الذين استلموا سيادة البلاد ركزوا اهتمامهم على هذه القضية أكثر من قضايا كثيرة، كان الاهتمام بها أولى من هذه الحساسيات، الظروف التي عاشتها منطقة القبائل بعد الاستقلال لم تكن تدفع إلى غير الانتفاضة والتمرد على الظلم، وكنخبة وطبقة مثقفة واصلنا مسار جبهة القوى الاشتراكية رغم عدم هيكلتها، حيث كنا ننشط في خلايا سرية منضوية تحت لوائها، وكانت القضية واجبا ومسؤولية الكل، لأننا اضطهدنا حقا، لم تكن التخصصات والمهن تمنعنا من خدمة القضية.

 كنت مسؤول المخبر في مستشفى تيزي وزو، وسعيد سعدي طبيب إلى جانب عدد آخر من الزملاء من أطباء، ممرضين… كانت اجتماعاتنا في هذه المؤسسة سرية، وأول ما قمنا به علنا وكشفنا عن حقيقة نضالنا خلاله، هي الجمعية العامة التي قمنا بها بتاريخ 11 افريل 1980 لإعلان دعمنا لموقف الجامعة.

هل تقصد بأن الأفافاس هو من تبنىّ خدمة القضية الأمازيغية؟

سعيد خليل: لا، لا يمكن لأي حزب سياسي مهما كانت شعبيته وحجمه بالمنطقة، أن ينسب إلى نفسه خدمة القضية الأمازيغية، حيث كان مختلف الفاعلين والناشطين المحوريين فيها ينتسبون إلى أحزاب سياسية مختلفة، لكن وحدة قضيتنا والوعي الثقافي والسياسي الواسع لدى المناضلين، جعل الاختلافات السياسية بعيدة عن نضالنا، حيث كان يتم التنسيق بيننا بسهولة بالغة، وكنا منظمين في خلايا سرية أغلبها مكون من مناضلين في الأفافاس، كنا نلتقي في منازلنا خلال السبعينات ونناقش الوضع والطرق التي يجب اعتمادها في نضالنا، لقاءاتنا لم تكن كثيرة، لأن الهدف كان واضحا منذ البداية.

لماذا تبنت الجامعة القضية رغم قوة المؤسسات الأخرى التي كنتم تنشطون فيها؟

سعيد خليل: كانت لدينا خلايا قوية ونشطة في مؤسسات حساسة وهامة كمستشفى تيزي وزو الذي كنت فيه، إلى جانب المؤسسات الإنتاجية الكبرى بالولاية حينها ككوتيتاكس وسونيلاك، لكن رمزية الجامعة كمنبر للعلم والمعرفة وقوتها البشرية غطت على هذه المؤسسات، فالجامعة هي الفضاء الخصب للنشاط الثقافي الأمازيغي وإكسابه التفافا واسعا بجيل المستقبل، وعبرها لم يكن للبعد السياسي أن يطال قضيتنا، تبني الجامعة للنضال تقدم بنا أشواطا واسعة، حيث كانت الآمال معلقة عليها والأنظار شدت إليها منذ افتتاحها سنة 1977، كنا نشارك في تنشيط التجمعات وبعض المحاضرات لكوننا الأكثر خبرة وذوي تكوين سياسي يؤهلنا لمخاطبة الجماهير، لكننا لم نستغل الوضع للترويج أو استمالة الطلبة لصالح الأحزاب التي كنا ننتمي إليها، إنما كنا نؤطر ونوجه الطلبة الذين كانوا أكثر حماسا وقوة، حيث لم يكن فرع الجامعة يستهان به، إذ كانت لجان الجامعة مكونة من أساتذة ودكاترة ذوي تكوين سياسي عال ووعي ومستوى ثقافي كبير، إذ أوجد الفرع لنفسه مكانة في خارطة النضال بأفكار واسعة ورؤية موضوعية.

هل تقصدون أن افتتاح الجامعة عجّل بموعد “التمرد”؟

سعيد خليل: لا، التمرد كان مستبعدا في نضالنا الذي قررناه سلميا منذ البداية، لكن الأجواء كانت مرشحة للانفجار في أي وقت بسبب التضييق الممارس ضدنا، مررنا بمحطات عديدة كان بإمكانها أن تكون شرارة الغضب، كإلغاء حفل لونيس آيت منقلات في عيد الكرز بالأربعاء ناث إيراثن سنة 1974، الذي أدى إلى انتفاضة الجماهير في ملعب 5 جويلية في سنة 1977، ولم يكن مخططا لذلك من طرف أي جهة، حيث كان ردا من قبل الأنصار الذين اعتبروا تواجد الرئيس فرصة لا تفوت لإيصال صرختهم وفرض وجودهم، فعبروا  عن سخطهم بالصراخ أنهم أمازيغ.

تلفيق إشاعة الأسلحة التي ألقى بها المغاربة في منطقة القبائل من قبل النظام لشد الأنظار ناحيتنا وتحيّن الفرصة لإعلان خبر وفاة الرئيس الراحل “هواري بومدين”، والقول بأن القبائل تحالفوا مع المغرب للقيام بانقلاب ضد النظام سنة 1979، كانت أيضا لتكون الشرارة، لكن الأقدار شاءت أن يكون لسبب بسيط الدور في اندلاع الأحداث رغم أن “مولود معمري” كان رجل ثقافة بالدرجة الأولى، إذ كان إلغاء محاضرته السبب الذي فجر صمام الأمان في وجه النظام، وخرج الطلبة إلى الشارع حاملين على عاتقهم مطالب المنطقة بشكل علني.

كيف تحولت القضية من مطلب ثقافي إلى نضال سياسي في ظرف وجيز؟

سعيد خليل: نظام الحزب الواحد وسيطرة الأفلان على جميع الجبهات، جعلت كل مطلب يخالف رؤاها، يطبع بصبغة سياسية، نضالنا إلى غاية افريل 1980 كان بعيدا عن السياسة، طالبنا بحماية هويتنا والاعتراف بلغتنا وثقافتنا، الطلبة رغبوا في نهاية السبعينات في تأسيس لجنة طلابية تنشط في إطار حر، بعيدا عن دواليب السياسة، إلا أن الأفلان رفض الترخيص بتشكيل أي حركة خارجة عن سيطرته أو إشرافه، حيث فرض الوصاية على تنظيمهم، وهو ما رفضه الطلبة قطعا، ما جعلهم يدخلون في إضراب مفتوح منذ أكتوبر 1979،  وهو الإضراب الذي خدم كثيرا القضية، حيث تفرغ المضربون للنشاط الثقافي وتطوير سبل وأساليب النضال وخدمته.

بما أن “التمرد” لم يكن واردا في النضال، لماذا لم توقفوا الطلبة بصفتكم قادة المسار؟

سعيد خليل: لم يكن بإمكاننا توقيف الإنتفاضة بعد 20 افريل، لم يكن الأمر مخططا له أو خيارا ضمن أساليب نضالنا، إلا أن تضييق النظام وسيطرة الحزب الواحد على المشهد السياسي والحراك الاجتماعي، جعل من مطالبنا تأخذ صبغة سياسية رغم كونها ثقافية بحتة، لكن التفاف سكان المنطقة حول القضية وحمل طلبة الجامعة لها على عاتقهم، أعطاها بعدا أوسع من الحيز الضيق الذي حاولت السلطات عبر عقود من الزمن بلورته فيه، هذا الواقع لم يسمح لنا بخذلان القاعدة التي أبدت اهتمامها بالقضية واستعدادها لمواجهة النظام مهما كان الثمن، لم نكن لنعطي أنفسنا حق التراجع رغم عدم استعدادنا أو تفكيرنا في الأمر، قررنا المواصلة مهما كانت النتائج بعد ما بلغنا مرحلة اللاعودة، نحن من نادى إلى الإضراب العام ومسيرة العاصمة وشحنّا الأنفس، فالتراجع والخروج بقرار التوقف لم يكن ليتجاوز خانة الخيانة لهذه القاعدة الشعبية، التي كانت تتحين الفرصة فقط لتنفجر منذ عقود، كما أن تسارع الأحداث وتداخلها لم يمكّننا من التحكم فيها، لم يكن أمامنا سوى مسايرتها وتوجيهها نحو تحقيق الهدف المنشود.

بصفتكم من أوائل حملة المشعل، هل إلغاء محاضرة مولود معمري كان سببا كافيا للتحرك ؟

سعيد خليل: السلطات حينها قالت بأن المحاضرة أجلت لمدة أسبوع لأسباب لم تكشف عنها، لكنها لم تكن لترخص لها في الحقيقة حتى بعد أسبوع، لم نشارك في تجمع تنسيقية الجامعة ولا قرارها في الخروج إلى الشارع في اليوم الموالي، إلا أننا نحن قادة النضال أو المحركين الأساسيين، كنا جميعا من تلامذة الأستاذ “مولود معمري”، درّسنا اللغة الأمازيغية في جامعة العاصمة، وكان دائما مثلنا الأعلى ومحط احترامنا، ما جعلنا نساند موقف الجامعة في ردها على إهانة هذا الرجل.

حدثنا عن وتيرة النشاط في الفترة ما بين 10 مارس و20 افريل؟

سعيد خليل: بعد ما خرج النضال من أسوار الجامعة عقب مسيرة 11 مارس 1980، نظمنا ثلاث جمعيات عامة ضمنها جمعية عامة بالمستشفى الذي أنشط فيه رفقة “سعيد سعدي” وغيرهم، وحررنا عريضة وزعناها عبر مختلف المواقع التي نسيطر عليها ونملك فيها قاعدة نضالية متينة، نكشف فيها عن تأييدنا للجامعة ودعمنا لموقفها واستكمال المسار إلى نهايته، بمواصلة الإضراب والمسيرات والنشاطات الثقافية في الجامعة التي أحكم عليها الطلبة قبضتهم منذ أكتوبر 1979، خصوصا وأن النظام لم يبد أي نية في محاورتنا أو النظر في مطالبنا، ما جعلنا ثابتين على الأمر ومدّدنا رقعة احتجاجنا ورفع مطالبنا عبرها، وجدير بالذكر أن ما أعطى القوة والدعم الأكبر لموقف الجامعة هي مسيرة 7 افريل بالعاصمة، إلى جانب الجمعية العامة التي قمنا بها في مستشفى تيزي وزو يوم 11افريل، حيث مثلت حافزا كبيرا وشجعت بقية المؤسسات الإنتاجية الكبرى بالولاية على إشهار نشاطها، حيث نادينا إلى مسيرة 7 افريل انطلاقا من الجامعة المركزية عبر مناضلينا بجامعة العاصمة، كما تنقل البعض من المناضلين لتأطير مسيرة العاصمة في حين بقيت أنا ومجموعة أخرى بولاية تيزي وزو، لترقّب الوضع والتصرف في حالة انزلاقه.

 بعد نجاح المسيرة وعودة المؤطرين والطلبة إلى الجامعة، دعمناها بالجمعيات العامة في المؤسسات الكبرى وانتشرت البيانات التي أصدرناها في القرى والإدارات وحتى بين طلبة الثانوي والمتوسط الذين كانوا على اطلاع مستمر حول مستجدات القضية والانضمام إلى صفوف النضال، وبعدها جاء الإضراب العام في 16 افريل كخطوة نحو التعرف على موقف السكان من القضية، وجاءنا الجواب كرسالة واضحة المعالم للنظام وهي تبني القضية.

أين كنتم ليلة الـ19 افريل، وهل احتطم لتدخل قوات الأمن لاستعادة الجامعة؟

سعيد خليل: بعد نسبة الاستجابة المذهلة لسكان المنطقة لدعوة مناضلي الأفافاس إلى الإضراب العام، تلقت خلية المستشفى الجامعي عدة إنذارات من قبل السلطات المتمثلة في والي تيزي وزو “حميد سيدي السعيد” تطالب فيها بالتوقف الفوري عن تعبئة الجماهير وتأطير الاحتجاج، وليلة الـ19 افريل بعد ما تلقينا آخر إنذار، نظمنا مع مختلف ممثلي تنسيقيات لجان الجامعة والخلايا الأخرى، نظمنا اجتماعا في ثانوية “العقيد عميروش” في تيزي وزو، قررنا خلاله عدم التراجع والثبوت على موقفنا، كنا نعلم أنّ السلطات لن تتوانى في استعمال القوة والاستعانة بمصالح الأمن ضدنا، إلا أن اقتحام الحرم الجامعي وتحديدا إقامة البنات، لم تكن في الحسبان، ولا اقتحام المستشفى والبحث عنا بين المرضى والمصابين.

لم نحتط لأي شيء، كنا نعلم أن نضالنا معاد من قبل النظام، وكنا على استعداد لدفع الثمن سواء عبر السجن أو حتى الموت، لكن تدخل السلطات كان عنيفا.

في صبيحة اليوم الموالي أي 20 افريل تمكنا من الدخول إلى المستشفى، قبل أن نتفاجأ بقوات الأمن تقتحمه وسط عشرات الجرحى والمرضى المتواجدين في مختلف مصالحه، للبحث عنا قصد توقيفنا، فاضطررنا للاختباء وتمكنا بعد يوم واحد من الهروب على متن سيارة زميل لنا، أنا رفقة “رشيد حاليت ومحمد ستيات”، كنت الوحيد المعروف لدى مصالح الأمن، فقمت بحلق ذقني ما سهل تضليلهم، هربنا باتجاه منطقة واد عيسي عبر الوادي، لكن أحد أصدقائنا طمأننا ووعد بحمايتنا وطلب منا العودة إلى منزله بمدينة تيزي وزو، اختبأنا هناك قبل أن يصلوا إلينا في تاريخ الـ24 افريل، ليتم اعتقالنا ونقلنا إلى السجن السري في بوزريعة، أين مكثنا لمدة قاربت الشهر، منقطعين تماما عن العالم الخارجي، وبعدها نقلنا إلى سجن البرواقية والتقينا ببقية الموقوفين، ومنها كنا نطلع على ما يحدث في المنطقة ومستجدات التحركات الشعبية عبر المحامين، وسرّنا كثيرا التفاف السكان حول القضية بالضغط على النظام قصد إطلاق سراحنا، لم يكن تحريرنا سبب فرحتنا، إنما وعي السكان بالقضية وتمسكهم بها، أكد لنا بزوغ الأمل في الأفق.

ومن كان وراء إشاعة مقتل 32 طالبا بجامعة تيزي وزو ليلة اقتحامها؟

سعيد خليل: بعد تحويلنا إلى سجن البرواقية، التقينا ببقية المعتقلين، وعلمنا حينها أن المناضل “ارزقي آيت العربي” الذي كان في جامعة العاصمة، هو من أخذ على عاتقه مسؤولية هذه الخطوة بإطلاقه للإشاعة، حيث عندما بلغه خبر اقتحام قوات الأمن للجامعة، قال أكيد سيكون قتلى وحدد العدد بمفرده، وركز على ذلك في التجمعات المساندة التي دعمت بها جامعة الجزائر طلبة جامعة تيزي وزو، وقد تم استجوابه وتعذيبه لهذا السبب خلال التحقيق.

بعد إطلاق سراحكم هل واصلتم النضال أو نالت منكم آلة القمع؟

سعيد خليل: لم يكن القمع لينال من عزيمتنا أو يثني من إرادتنا في بلوغ الهدف الذي ناضلنا من أجله منذ عقود، ذلك لم يكن مطلبنا يتعدى ضرورة الاعتراف بهويتنا وثقافتنا، الاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، حرية التعبير والحريات الديمقراطية، كنا ذوي قضية وأصحاب حق، الجديد في الأمر حينها لم يكن قسوة التعامل وآلة الردع والقمع التي تحركت ضدنا علنا، إنما خروج السكان إلى الشارع وإدراكنا بتبنيهم للقضية حتى بدوننا، وخروجها إلى العلن واكتسابها قاعدة شعبية قوية وتعاطف وطني أكبر، رغم التشويه والتضليل الذي مارسته وسائل الإعلام العمومي، كما نظمنا اجتماعا في اعكوران خلال شهر أوت 1980، خرجنا بما سمي ببيان اعكوران، تقدمنا به إلى السلطات وأبقينا على مطالبنا كما هي مع صياغتها في شكل معمق وموضح، وهي الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، الهوية والثقافة الأمازيغية، إلى جانب حرية التعبير.

وبعدها اتجهت إلى العاصمة من أجل مواصلة تخصصي في مستشفى “مصطفى باشا”، هناك كنت على اتصال بمناضلينا، حيث تم توقيفي مرتين.

في الفترة ما بعد إطلاق سراحنا لم تدخر السلطات جهدا لتشويه صورتنا عبر الوطن وإعطاء بعد غير الذي رفعناه لقضيتنا، كما حاولت ربح الوقت بإلهاء الشعب بما سمي بفتح النقاش الوطني حول الثقافات الشعبية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!