كورونا في البيت
عندما يقول رئيس منظمة الصحة العالمية، إن فيروس كورونا لم يبلغ بعد نقطة بداية النهاية، ومازالت جائحة بكل علاماتها المخيفة، وتقدِّم دول أوروبية كبيرة أرقاما لا تنزل عن المائة ألف حالة يوميا وهي التي تربطنا بها الآن خطوطٌ جوية وبحرية لا تنقطع، ونشاهد عندنا ما يشبه ما بعد عملية دفن “جثمان كورونا” في عقل الجزائريين، فمعنى ذلك أننا بصدد فتح الباب مشرَّعا للموجة الخامسة من كورونا، حتى تنغص علينا حياتنا، وتعيدنا إلى أيام الرعب والحزن التي عشناها مع موجات سابقة، فقدنا فيها المئات من الأبناء بجرّة لامبالاة.
لا أحد يتمنى أو يطالب بالحجر الصحي وغلق المجالات الحيوية، ولا أحد مستعد للأمر في كل دول العالم بعد أكثر من سنتين من الاستسلام للوباء الغريب الذي من قوة بطشه صرنا نشك في “هويته”، ولكن الاحتياط للأمر لا يكلف كثيرا، بل لا يضع طالب السلامة في حرج، فالتباعد الاجتماعي وغسل اليدين وارتداء الكمامة لن يسرق أكثر من ثوان ودنانير في فترة وجيزة وأمكنة ضيقة في اليوم الواحد.
هناك في بلاد الصين التي شهدت أشهر الأوبئة الحديثة وآخرها فيروس كورونا، صارت الكمامة، في بلاد المليار نسمة من تقاليد اللباس لدى الشعب الصيني، سواء اندلعت حرب الوباء أو وضعت أوزارها، وهنا في الجزائر لا يفرط بعض الناس طوال العمر في القبعات وربطات العنق والجوارب وغيرها من الألبسة التقليدية والحديثة ولا يحبذون وضع الكمامة حتى وهم في قلب مستشفى تتطاير فيه الفيروسات والميكروبات، في زيارة آنية لبضع دقائق.
أرقام كورونا ترتفع في الجزائر منذ بداية شهر جويلية، ولن نكشف سرا ولن نهوّل الوضع إذا قلنا إن ما خفي من أرقام أضعاف أضعاف، ما تسجِّله وزارة الصحة، فالناس أعلنت نفسها أطبّاء وعارفين بخبايا الأوبئة، وما عاد أحدُهم يلجأ إلى التحليل ولا للأطباء ولا حتى للصيدليات، فهم يداوون كورونا كما يداوون الحمى، وأحيانا يجتهدون بخلطات هي في حقيقتها نفسية، قد تكون مضارّها أكثر من منافعها.
هناك من يحسب خسائر حرب كورونا في عدد الوفيات والإصابات وحتى في الخسائر الاقتصادية الجسيمة في معركة لا غنيمة فيها سوى اقتناع الإنسان بأنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، وبأنّ فيروسا مجهريا بإمكانه أن يقهر أقوى دولة في العالم بترسانتها العسكرية والمالية، كما فعل بالولايات المتحدة الأمريكية، إذ فاق عددُ الوفيات إلى غاية يوم الخميس، مليون وخمسين ألف ضحية، وفاق تعداد الإصابات التسعين مليون نسمة، ومازال رقم الوفيات اليومي يتجاوز الأربع مائة حالة في أمريكا، دون الحديث عن الخسائر الاقتصادية التي تُقدَّر بآلاف ملايير الدولارات، لكن الخطورة الحقيقية للجائحة، هي أنها شغلت الناس بوباء واحد أعلنوا لأجله الطوارئ الصحية وحوّلوا كل الأموال لأجل كبحه، وأنستهم في بقية الأمراض الخطيرة التي تفاقمت والبسيطة التي تمكنت.
الحدود البرية والبحرية والجوية مفتوحة الآن على الجزائريين، ولن يكلف الدولة ولا الشعب أي شيء، في تقديم نصيحة الحيطة والحذر، وذلك أضعف الإيمان.