الرأي

كيف تخسر الدولُ مستقبلها دون أن تخسر أرضها؟

نسيم بلهول
  • 92
  • 0

عندما تغادر شحنة من النفط ميناءً جزائريا، تسجلها الدولة بدقة، وعندما تعبر حاوية من البضائع الحدود، تُوثق قيمتها في الفواتير والإحصاءات والميزان التجاري، وعندما تُصدَّر مادة أولية، يعرف الجميع حجمها وقيمتها والجهة التي ستستفيد منها، لكن ماذا يحدث عندما يغادر طبيب متخصص؟ ماذا يحدث عندما ينتقل مهندس يعمل في مجال الطاقة أو الذكاء الاصطناعي إلى مختبر أجنبي؟ ماذا يحدث عندما يغادر باحث جامعي يحمل معه سنوات من الخبرة، وشبكة من العلاقات العلمية، وقدرة على إنتاج معرفة جديدة؟ لا توجد شحنة تُسجَّل في الجمارك، لا توجد فاتورة تصدير، لا يظهر شيء في الميزان التجاري، ولا يبدو، في اللحظة الأولى، أن شيئا قد غادر البلاد سوى شخص واحد، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.

في كل مرة تغادر فيها كفاءة استراتيجية، لا يغادر فردٌ فقط، بل يغادر معه جزءٌ من استثمار وطني طويل الأمد، وجزء من الذاكرة المهنية، وجزء من القدرة على الابتكار، وجزء من المستقبل الذي كان يمكن أن يُصنع داخل الجزائر، هنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية، القضية ليست: لماذا يهاجر الجزائريون؟ القضية الأكثر خطورة هي: ماذا تخسر الجزائر عندما تغادر عقولها الأكثر قدرة على إنتاج المستقبل؟ والسؤال الأكثر إزعاجا: هل نحن أمام هجرة أفراد، أم أمام إعادة توزيع صامتة للثروة المعرفية الجزائرية نحو مراكز القوة العالمية؟

إن ما يحدث لا يمكن اختزاله في ظاهرة اجتماعية، أو في مشكلة مرتبطة بسوق العمل، أو في بحث فردي عن راتب أفضل، نحن أمام ظاهرة تمسّ جوهر القوة الوطنية، ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدول تتنافس فقط على النفط والغاز والأسواق والممرات البحرية، إنها تتنافس على العقول، ومن يملك العقول، يملك القدرة على إنتاج التكنولوجيا، ومن يملك التكنولوجيا، يملك القدرة على إنتاج القوة، ومن يفقد العقول، قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يفقد أفرادا فقط، بل فقد جزءا من قدرته على صناعة المستقبل.

القرن الحادي والعشرون تحكمه العقول:

كانت القوة في الماضي تُقاس إلى حد كبير بما تمتلكه الدولة من أراضٍ، وسكان، وجيوش، ومصانع، وموارد طبيعية… أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة،لم تعد القيمة الإستراتيجية للدولة مرتبطة فقط بما يوجد تحت الأرض، بل بما تستطيع العقول الموجودة فوق الأرض أن تنتجه، لقد أصبحت المعرفة موردا استراتيجيا يتجاوز في قيمته كثيرا من الموارد التقليدية، فالعقل القادر على إنتاج المعرفة لا يستهلك موردا واحدا، بل يستطيع إنتاج موارد جديدة باستمرار، العالم الذي يكتشف دواءً جديدا لا ينتج علاجا فقط، والباحث الذي يطور خوارزمية جديدة لا ينتج برنامجا فقط، والمهندس الذي يبتكر نظاما أكثر كفاءة لا ينتج حلا تقنيا فقط، إنهم يوسّعون حدود القوة الوطنية، ولهذا فإن الدول الحديثة لا تسأل فقط:كم نملك من النفط؟كم ننتج من الغاز؟ كم لدينا من المصانع؟ بل تسأل أيضا:كم لدينا من العلماء؟ كم لدينا من الباحثين؟ كم ننتج من براءات الاختراع؟ كم نمتلك من خبراء الذكاء الاصطناعي؟ كم عدد العقول القادرة على بناء التكنولوجيا التي ستحدد مستقبلنا؟

لقد أدركت دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية أن الثروة الطبيعية المحدودة لا تعني بالضرورة ضعفا استراتيجيا، فبناء الإنسان، وتطوير التعليم، والاستثمار في البحث العلمي، وربط المعرفة بالإنتاج، يمكن أن يحوّل الدولة من مستهلِك إلى منتِج، ومن تابع إلى فاعل، وهنا تكمن المفارقة الجزائرية، فالجزائر لا تفتقر إلى الموارد البشرية، بل تمتلك موارد بشرية واسعة، وكفاءات علمية، وأطباء، ومهندسين، وباحثين، وخبراء في مجالات متقدمة، لكن السؤال ليس: هل تملك الجزائر العقول؟ السؤال هو: أين توجد هذه العقول؟ وهل تعمل داخل منظومة وطنية قادرة على الاستفادة منها؟ أم أن جزءا متزايدا منها أصبح يعمل داخل منظومات أخرى، ويساهم في إنتاج قوة دول أخرى؟

الهجرة الجديدة ليست هجرة الباحث عن العمل:

كانت الهجرة التقليدية مرتبطة غالبا بالبحث عن العمل أو تحسين الدخل أو الهروب من البطالة، أما الهجرة المعاصرة للكفاءات، فقد أصبحت أكثر تعقيدا، فالعالم لا يتحرك اليوم فقط بحثا عن وظيفة، إنه يتحرك بحثا عن منظومة: منظومة بحثية، منظومة تكنولوجية، منظومة تمويل، منظومة ابتكار، منظومة تمنح الفرد القدرة على أن يصبح أكثر إنتاجا وتأثيرا، ولهذا، قد لا يكون العامل الحاسم في قرار الباحث أو المهندس هو الراتب وحده، قد يكون السؤال: هل توجد مختبراتٌ متقدمة؟ هل يوجد تمويل للبحث؟ هل توجد حرية أكاديمية؟ هل توجد فرصة لتطوير مشروع مبتكر؟ هل توجد شبكة علمية دولية؟ هل يمكن تحويل الفكرة إلى منتَج؟ هل توجد مؤسسة قادرة على حماية الموهبة وتطويرها؟ هذه هي الهجرة الجديدة، إنها ليست مجرد انتقال من وظيفة إلى وظيفة، إنها انتقال من منظومة معرفة إلى منظومة معرفة أخرى، وهنا تصبح هجرة الكفاءات مؤشرا على أكثر من مجرد اختلاف اقتصادي بين الدول.

إنها تكشف موقع الدولة داخل النظام العالمي لإنتاج المعرفة، فالدول التي تجذب العقول تصبح مراكز إنتاج، والدول التي تفقد العقول تتحول تدريجيا إلى مصادر للموارد البشرية، وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات قسوة: قد تقوم الدولة بتكوين الطبيب والمهندس والباحث عبر سنوات طويلة، ثم تستفيد دولة أخرى من المرحلة الأكثر إنتاجية في مساره المهني، وهكذا لا تنتقل اليد العاملة فقط، بل ينتقل العائد المعرفي للاستثمار الوطني.

عندما يتحول النزيف من كمي إلى نوعي:

لا تكمن المشكلة في عدد المغادرين فقط، فقد تكون هجرة ألف شخص أقلَّ خطورة من هجرة مئة شخص إذا كان هؤلاء المئة يشغلون مواقع إستراتيجية في قطاعات حيوية، ولهذا فإن السؤال الاستقصائي الحقيقي ليس: كم غادر؟ بل: من غادر؟ وأي تخصصات يحملون؟ وأي مواقع يشغلون؟ وأي نوع من المعرفة يأخذون معهم؟

إن النزيف الأكثر خطورة هو النزيف النوعي، فقدان طبيب متخصص لا يعادل فقدان عامل عادي في الحساب الاستراتيجي، وفقدان باحث في الذكاء الاصطناعي لا يعادل فقدان موظف إداري، وخروج خبير في الأمن السيبراني قد تكون له آثار تتجاوز بكثير حدود الوظيفة التي كان يشغلها. في القطاع الصحي، قد تؤدي الهجرة إلى فقدان خبرة علاجية وبحثية في آن واحد، وفي الهندسة، قد تؤدي إلى تراجع القدرة على تنفيذ مشاريع معقدة، وفي التكنولوجيا، قد تعني انتقال جزء من القدرة الوطنية على تطوير الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية، وفي الجامعات، قد تؤدي إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة وإعادة إنتاج النخب، وهنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية: ليست كل الهجرات متساوية في تأثيرها على الدولة، هناك هجرة عادية، وهناك هجرة إستراتيجية، الهجرة الإستراتيجية هي التي تستهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، القطاعات التي ستحدد مستقبل الدولة: الطب المتقدم، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الفضاء، التكنولوجيا الحيوية، علوم البيانات، البحث العلمي، الهندسة المتقدمة، هذه ليست مجرد تخصصات مهنية، إنها قطاعات سيادية، ومن هنا فإن فقدان الكفاءات فيها لا يمثل خسارة بشرية فقط، بل خسارة في القدرة الوطنية على إنتاج المستقبل.

الفاتورة التي لا تظهر في الميزانية:

عندما يغادر طبيب متخصص، لا يغادر معه راتبه فقط، تغادر معه سنوات طويلة من التعليم والتكوين والتدريب والخبرة، تغادر معه تكلفة مدرسة وجامعة ومخبر وتكوين متخصص، تغادر معه سنوات من الاستثمار العامّ والخاص، لكن التكلفة لا تتوقف هنا، فالكفاءة لا تأتي وحدها، إنها تحمل معها شبكة من العلاقات، خبرة مؤسساتية، معرفة ضمنية، قدرة على حل المشكلات، تجربة متراكمة، قدرة على تدريب الآخرين، وعندما يغادر صاحب الخبرة، فإن الدولة لا تخسر فقط ما كان ينجزه، بل قد تخسر أيضا ما كان يمكن أن يعلّمه للجيل التالي، وهنا تظهر الخسارة غير المرئية، قد تفقد الدولة طبيبا، لكنها قد تفقد معه مدرسة كاملة من الخبرة، وقد تفقد مهندسا، لكنها قد تفقد معه مشروعا كان يمكن أن يُنتج عشرات المهندسين الجدد، وقد يفقد مركز بحث باحثا، لكن الخسارة الحقيقية قد تكون في الشبكة العلمية التي كان يبنيها، إن الدولة تتحمل كلفة إنتاج رأس المال البشري، لكنها لا تضمن دائما الاحتفاظ بعائده، وهنا تصبح الهجرة غير المتوازنة نوعا من إعادة توزيع عالمي غير متكافئ للاستثمار في الإنسان، دولة تكوّن، ودولة أخرى تستفيد، دولة تتحمل التكلفة، ودولة أخرى تحصل على العائد، وهذا هو جوهر النزيف الصامت.

الهجرة تستنزف القوة الوطنية:

إن أخطر خطأ يمكن ارتكابه هو النظر إلى هجرة النخب باعتبارها ملفا سكانيا، فالدولة الحديثة لا تستمد قوتها من عدد سكانها فقط، إنها تستمدها من قدرتها على تحويل السكان إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى قوة، ولهذا فإن هجرة الكفاءات تؤثر في سلسلة القوة الوطنية بأكملها: إنها نزيف معرفي، لأن الباحثين يغادرون، وهي نزيف تكنولوجي، لأن الخبراء القادرين على تحويل المعرفة إلى تطبيقات يغادرون، وهي نزيف ابتكاري، لأن منظومات الابتكار تحتاج إلى كثافة بشرية وتفاعل مستمر، وهي في النهاية نزيف استراتيجي، لأن الدولة تفقد جزءا من قدرتها على إنتاج ما تحتاج إليه في المستقبل، وهنا يجب فهم قاعدة أساسية: القوة الوطنية لا تقاس فقط بما تملكه الدولة اليوم، بل بما تستطيع إنتاجه غدا، والدولة التي تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة، قد تستمر في امتلاك الموارد، لكنها ستصبح أقل قدرة على تحويل تلك الموارد إلى قوة.

أطلس العقول الجزائرية

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في هذا المقال: أين توجد العقول الجزائرية في العالم؟ ليس كم عددها فقط، بل أين تعمل؟ في أي جامعات؟ في أي مختبرات؟ في أي شركات؟ في أي تخصصات؟ وما طبيعة الأدوار التي تؤديها؟ إن بناء أطلس للعقول الجزائرية في الخارج ليس مشروعا إحصائيا، إنه مشروع استراتيجي، فالعقل الجزائري الموجود في جامعة عالمية ليس مجرد مهاجر، إنه نقطة اتصال مع شبكة معرفية دولية، والباحث الجزائري الموجود في مختبر متقدم ليس مجرد فرد يعمل خارج البلاد، إنه جزء من شبكة إنتاج المعرفة العالمية، والمهندس الجزائري الذي يعمل في شركة تكنولوجية عالمية لا يمثل فقط خسارة للداخل، بل يمثل أيضا موقعا محتملا للتأثير والربط ونقل المعرفة، وهنا تظهر المفارقة: قد تكون الجزائر قد فقدت الجغرافيا، لكنها لم تفقد بالضرورة العقول، المشكلة أن هذه العقول لا تزال مبعثرة، غير مرتبطة، غير مدمجة، غير موظفة ضمن إستراتيجية وطنية، إن ما تحتاجه الجزائر ليس فقط استعادة كل العقول، فهذا غير واقعي، ما تحتاجه هو معرفة أين توجد هذه العقول، وماذا تفعل، وكيف يمكن ربطها بالوطن.

هل الهجرة خسارة دائما؟

هنا يجب أن نكون أكثر دقة، الهجرة ليست دائما خسارة، والبقاء ليس دائما نجاحا، فقد يغادر شخص الجزائر، لكنه يظل مرتبطا بها علميا ومهنيا واستثماريا، وقد يبقى شخص آخر داخل الجزائر، لكنه لا يساهم في إنتاج معرفة أو قيمة إستراتيجية، المشكلة ليست في الجغرافيا، المشكلة في القطيعة، عندما تصبح الهجرة انقطاعا كاملا، تتحول إلى خسارة، أما عندما تتحول إلى شبكة، فقد تصبح مصدرا للقوة، وهنا يمكن للعقول الجزائرية في الخارج أن تساهم في: نقل الخبرات، بناء شراكات علمية، إنشاء مختبرات مشتركة، تدريب الباحثين، توجيه الطلبة، تطوير المشاريع التكنولوجية، جذب الاستثمارات، وبناء جسور مع الجامعات والشركات العالمية، وبذلك تتحول الهجرة من”نزيف” إلى “انتشار”، ومن خسارة صامتة إلى قوة ممتدة، لكن ذلك لا يحدث تلقائيا، فالجالية العلمية لا تتحول إلى قوة إلا عندما توجد مؤسسة تعرف كيف تتواصل معها، وكيف تنظمها، وكيف تحول العلاقات الفردية إلى شبكة إستراتيجية.

في كل مرة تغادر فيها كفاءة إستراتيجية، لا يغادر فردٌ فقط، بل يغادر معه جزءٌ من استثمار وطني طويل الأمد، وجزء من الذاكرة المهنية، وجزء من القدرة على الابتكار، وجزء من المستقبل الذي كان يمكن أن يُصنع داخل الجزائر، هنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية، القضية ليست: لماذا يهاجر الجزائريون؟ القضية الأكثر خطورة هي: ماذا تخسر الجزائر عندما تغادر عقولها الأكثر قدرة على إنتاج المستقبل؟

نحن أمام ظاهرة تمسّ جوهر القوة الوطنية، ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدول تتنافس فقط على النفط والغاز والأسواق والممرات البحرية، إنها تتنافس على العقول، ومن يملك العقول، يملك القدرة على إنتاج التكنولوجيا، ومن يملك التكنولوجيا، يملك القدرة على إنتاج القوة، ومن يفقد العقول، قد يكتشف بعد سنوات أنه لم يفقد أفرادا فقط، بل فقد جزءا من قدرته على صناعة المستقبل.

الدول الحديثة لا تسأل فقط:كم نملك من النفط؟كم ننتج من الغاز؟ كم لدينا من المصانع؟ بل تسأل أيضا:كم لدينا من العلماء؟ كم لدينا من الباحثين؟ كم ننتج من براءات الاختراع؟ كم نمتلك من خبراء الذكاء الاصطناعي؟ كم عدد العقول القادرة على بناء التكنولوجيا التي ستحدد مستقبلنا؟

الجزائر لا تفتقر إلى الموارد البشرية، بل تمتلك موارد بشرية واسعة، وكفاءات علمية، وأطباء، ومهندسين، وباحثين، وخبراء في مجالات متقدمة، لكن السؤال ليس: هل تملك الجزائر العقول؟ السؤال هو: أين توجد هذه العقول؟ وهل تعمل داخل منظومة وطنية قادرة على الاستفادة منها؟ أم أن جزءا متزايدا منها أصبح يعمل داخل منظومات أخرى، ويساهم في إنتاج قوة دول أخرى؟

المشكلة ليست في الجغرافيا، المشكلة في القطيعة، عندما تصبح الهجرة انقطاعا كاملا، تتحول إلى خسارة، أما عندما تتحول إلى شبكة، فقد تصبح مصدرا للقوة، وهنا يمكن للعقول الجزائرية في الخارج أن تساهم في: نقل الخبرات، بناء شراكات علمية، إنشاء مختبرات مشتركة، تدريب الباحثين، توجيه الطلبة، تطوير المشاريع التكنولوجية، جذب الاستثمارات، وبناء جسور مع الجامعات والشركات العالمية، وبذلك تتحول الهجرة من”نزيف” إلى “انتشار”، ومن خسارة صامتة إلى قوة ممتدة.

مقالات ذات صلة