الرأي

كيف سقط الإعلام ونجح اتحاد الجزائر في اختبار القيم؟

في أصلها الفلسفي، ترفع كرة القدم شعارات اللعب النظيف والروح الرياضية، إذ تُقدَّم كأداة “دبلوماسية ناعمة” قادرة على تقريب الشعوب، وكسر الجليد بين الدول المتنازعة، وتوحيد الثقافات المختلفة تحت راية التنافس الشريف. في هذه الصورة المثالية، تُمثل المباريات بديلا متحشما ومسالما للصراعات البشرية.

ولكن، على الجانب المقابل، يرى المؤرخون وعلماء الاجتماع السياسي أن كرة القدم غالبا ما تتحول إلى “خزان مشحون” بالهويات الضيقة والتعصب الأعمى، فعندما تُعزف الأناشيد الوطنية أو تُرفع شعارات الأندية، تستدعي الجماهير أحيانا صراعات التاريخ وعُقد الجغرافيا، ليتحول التنافس الرياضي من صيغته السلمية إلى مواجهة “شبه عسكرية” غير مسلحة، تذكي الأحقاد والعداوات. ولعل التاريخ يحتفظ بشواهد قاسية، أبرزها “حرب كرة القدم” الشهيرة بين السلفادور وهندوراس في أميركا الجنوبية عام 1969، والتي اندلعت شرارتها من مدرَّجات الملاعب لتؤكد أن الكرة قد تكون أحيانا وقودا للحروب بدلا من أن تكون بلسما للجراح.

إن كرة القدم في حد ذاتها أداة محايدة؛ فهي تملك القدرة على الصهر والتقريب إذا سادت الحكمة، وتملك في الوقت ذاته قوة التفجير والتباعد إذا استُغلت لتغذية الشوفينية والعداء. هي باختصار، “حرب بلا إطلاق نار”، لكن مصير هذه الحرب    -سواء انتهت بالمصافحة أو بالخصام- يظل رهينا بوعي الشعوب وسياسات الأنظمة.

وإذا كانت الشعوب والأنظمة السياسية الحاكمة هي الأطراف المباشرة في معادلة التقارب أو التباعد الرياضي، فإن الإعلام هو المهندس الخفي الذي يشكل هذه النتيجة وصانعها الحقيقي، فالأداة الإعلامية هي التي تملك القدرة على تحويل ركلة جزاء أو صافرة حكم إلى جسر للتآخي، أو على النقيض، إلى فتيل يشعل أزمة ديبلوماسية بين دولتين.

وفي العصر الرقمي الحديث، لم يعد الإعلام مجرد ناقل محايد لنتائج المباريات أو واصفٍ لأداء اللاعبين؛ بل تحوَّل إلى سلطة توجيهية هائلة تصنع الرأي العامّ وتوجِّه عواطف الجماهير. عندما يقترب موعد مباراة حاسمة أو “ديربي” مشحون، يجد الإعلامي نفسه أمام خيارين أخلاقيين يحددان مسار السلم الاجتماعي:

– صناعة الوعي وبناء الجسور: إذ يمكن للأقلام الحرة والمنصات الواعية أن تستخدم لغة العقل، وتُبرز قيم التنافس الشريف، وتنزع فتيل الاحتقان من خلال التركيز على المشتركات الإنسانية والثقافية بين المتنافسين.

– تغذية الشوفينية والصراعات: وفي المقابل، يسقط بعض الإعلاميين -سواء بحثًا عن الإثارة أو ركوبا لموجة التوجيه السياسي- في فخ الشحن العاطفي، واستدعاء لغة الحروب والمعارك مثل “الحرب”، و”الزحف”، و”الثأر”… هذا النمط من التناول يحوِّل المدرجات والشاشات إلى منصات لتصفية حسابات ضيقة، ويحوِّل الجماهير من مشجعين إلى “جيوش رقمية” مستعدة للعداء.

إن الإعلام لا يقف متفرجا على منصة الوعي أو السياسة، بل هو المحرك الأساسي لهما. إن الكلمة التي يطلقها الإعلامي أو العنوان الذي يتصدَّر الشاشات والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي هو الذي يقرر في النهاية: هل تنتهي المباراة بمصافحة تعكس وعي الشعوب، أم بخصام يخدم أجندات التفرقة؟ فالسلطة هنا ليست للمستطيل الأخضر، بل لمن يملك الميكروفون والقلم والصورة.

إن قيام إعلامي بمكانة وشهرة عمرو أديب، عبر منصة فضائية واسعة الانتشار مثل “إم بي سي مصر”، بالتعليق على ضربات الجزاء الترجيحية في مباراة نهائية تجمع بين اتحاد الجزائر ونادي الزمالك المصري، يضعنا مباشرة أمام الوجه الحقيقي لإشكالية الإعلام الرياضي والمسؤولية القومية، فهذا المشهد العفوي في ظاهره، والمشحون بالانفعال في باطنه، يعيد صياغة الأسئلة الملحّة حول طبيعة الرسالة التي تبثها السلطة الرابعة: هل ما يُعرض على الشاشات في لحظات الخسارة والفوز يخدم رسالة الإعلام السامية وأهداف كرة القدم النبيلة في التقارب بين الشعوب، أم أنه يسير في الاتجاه المعاكس تماما، ليتحول إلى معول يهدم الجسور ويبني جدران التباعد؟

وعندما يتخلى الإعلامي عن عباءة المحلل المحايد ليتقمص دور المشجِّع المنفعل أمام ملايين المشاهدين من مختلف الدول العربية، فإنه يُحدث خللا بنيويا في مفهوم الرسالة الإعلامية. إن رصد انفعالات الإحباط، أو تكرار عبارات السخرية والمظلومية، أو التركيز التامّ على الخيبة الذاتية من دون إظهار الاحترام المستحقّ للمنافس الفائز، يمرِّر للجماهير رسائل ضمنية خطيرة.

هذا الأسلوب القائم على الإثارة العاطفية وجلب “التراند” لا يخدم كرة القدم؛ لأنه يختزل عراقة التنافس الرياضي العربي- العربي في خانة “المأساة” أو “المعركة الوجودية”، بدلا من أن يكون فرصة للاحتفاء بروح الأخوَّة الرياضية وتهنئة الفائز بروح رياضية عالية. إن ما يجري تمريره في مثل هذه التغطيات -بقصد أو من دون قصد- يغذي العقلية الإقصائية لدى المشجِّع البسيط، ويحوِّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتراشق والتعصُّب الرقمي، مما يثبت أن الخطاب الإعلامي إذا لم ينضبط بضوابط الوعي وبناء الجسور، يصبح الأداة الأولى لتكريس التباعد وتعميق الفجوات بين الشعوب الشقيقة.

إن ما يقدِّمه الإعلام الاستعراضي المشحون في هذه المواقف يمثل تراجعا عن الدور التنويري المفترض للسلطة الرابعة. فكُرة القدم وُجدت لتجمع لا لتفرِّق، ومسؤولية الإعلامي الشهير لا تنتهي عند حدود إرضاء جماهير ناديه أو بلده، بل تمتد للحفاظ على وشائج الأخوَّة بين الشعوب. وعندما يطغى الانفعال الفردي على المسؤولية المهنية، تصبح الشاشات وقودا للتعصُّب بدلا من أن تكون منبرا للتقارب.

وقد تضعنا العودة المتكررة لخطاب الشحن والتعصب الرياضي من قِبل إعلاميين بمكانة عمرو أديب وأمثاله، أمام حقيقة صادمة تشير إلى أن الذاكرة الإعلامية قد تكون قصيرة الأمد، أو أنها تتعمَّد النسيان تحت وطأة حسابات أخرى، فبالرغم من أن “أزمة أم درمان” عام 2010 كانت درسا قاسيا ومكتوبا بمداد من التوتر الديبلوماسي والشرخ الشعبي بين بلدين شقيقين، إلا أن السلوك الإعلامي المعاصر يثبت، بما لا يدع مجالا للشك، أن الدرس لم يُستوعَب، وأن أدوات الإعلام ما زالت تُستخدم أحيانا بالعقلية ذاتها المثيرة للأزمات، من دون أدنى اعتبار للمسؤولية القومية أو الأخلاقية.

إن المتأمل في المشهد الإعلامي الحالي يدرك أن عدم قراءة الدرس لا ينبع من جهل بالتاريخ، بل من تغليب منطق “السوق” و”الاستعراض” على حساب الوعي وبناء الجسور؛ ويمكن تفكيك هذه الظاهرة من خلال نقطتين جوهريتين:

– سلطة التراندونسب المشاهدة: في عصر الفضائيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، تحوّلت العاطفة الجماهيرية المشحونة إلى سلعة تدرُّ أرباحا وتضمن الصدارة، فالإعلامي الذي يتبنى خطاب الإثارة، أو يرتدي ثوب المشجع المتعصب الساخر، يعلم تماما أن هذا الأسلوب هو الأسرع لحصد التفاعل وإشعال المنصات، حتى وإن كان الثمن هو إحياء الأحقاد وتغذية التباعد بين الشعوب.

– إعادة إنتاج التعصب بأساليب جديدة: بدلا من أن يقود إعلاميو الصف الأول قاطرة التنوير لتهدئة المدرجات، نجد أنهم يقعون في الفخ ذاته الذي تسبَّب في أزمة نوفمبر 2009، فالتقليل من شأن المنافس الفائز، أو لغة السخرية والمظلومية، أو تصوير الخسارة الرياضية العابرة كأنها “نكبة وطنية”، كلها هوامش تُعيد إنتاج المناخ النفسي المشحون ذاته الذي سبق ورافق أحداث أمّ درمان، ولكن هذه المرة بنفَس رقمي أسرع انتشارا وأخطر أثرا.

إن عمرو أديب وأمثاله لم يقرؤوا الدرس لأنهم ببساطة يشتغلون في بيئة إعلامية باتت تقتات على الصدمة والتعاطف الشوفيني الضيق. وعندما يغيب الضمير المهني المسؤول عن عواقب الكلمة العابرة للحدود، تصبح كرة القدم مرة أخرى مجرد ذريعة لتهديد وشائج الأخوَّة، ويتحول الإعلام من منبر لبناء الوعي إلى أداة لتأجيج الخصام.

إلى شبابنا في الجزائر، وفي ربوع وطننا العربي الكبير، وعمقنا الإفريقي النابض: إن المستطيل الأخضر الذي تتابعونه بشغف لم يُخلَق ليكون ساحة للمعارك الوهمية، ولا ميدانًا لتصفية الحسابات الضيقة. إن كرة القدم، في جوهرها وفلسفتها الأولى، هي لغة عالمية وجسر متين صُمِّم ليتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ليخلق المحبة، ويرسخ قيم الأخوَّة والتلاحم بين الشعوب.

على الشباب الواعي في الجزائر والعالم العربي وإفريقيا أن يدرك أن المؤامرة الحقيقية ليست داخل الملعب، بل في تلك المنصات التي تحاول إحياء الأحقاد وتغذية الشوفينية. إن قوة الشباب تكمن في قدرتهم على فرز الغث من الثمين، ورفض الانقياد وراء هذه الأصوات المنفلتة، لتبقى كرة القدم كما كانت دائمًا: وسيلة للتعارف، ومناسبة للاحتفاء بالهوية المشتركة، ومنصة تلتقي فيها الشعوب على الحب والاحترام المتبادل، بعيدًا عن سموم الإعلام التجاري المتعصب.

إن هذا الفوز الباهر الذي حققه أبناء “سوسطارة” في القاهرة يتجاوز حدود الأرقام والنتائج الفنية؛ ليصبح نموذجًا يحتذى به في كيفية إدارة التنافس الرياضي القاري. لقد أظهر لاعبو الاتحاد وطاقمهم الفني والإداري، ومعهم الجماهير الواعية، ثباتًا واحترافية كبيرة، وجسدوا في كل لقطة من لقطات اللقاء قيم الاحترام المتبادل والتقدير للمنافس. هذا الأداء الراقي والمنضبط يمثل الرد الحضاري الأمثل على كل أبواق الإثارة والتعصب، ويؤكد للشباب العربي والإفريقي أن كرة القدم تنتهي دائمًا بالمصافحة وبقاء روابط الأخوّة، لتظل الجزائر -كما كانت عبر تاريخها- منارة للتميز الرياضي المرفَق بالقيم الإنسانية النبيلة.

في عصر الفضائيات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، تحوّلت العاطفة الجماهيرية المشحونة إلى سلعة تدرُّ أرباحا وتضمن الصدارة، فالإعلامي الذي يتبنى خطاب الإثارة، أو يرتدي ثوب المشجع المتعصب الساخر، يعلم تماما أن هذا الأسلوب هو الأسرع لحصد التفاعل وإشعال المنصات، حتى وإن كان الثمن هو إحياء الأحقاد وتغذية التباعد بين الشعوب.

مقالات ذات صلة