لأول مرة: انهيار الشرق الأوسط وبزوغ غرب آسيا!
أكبر تحول جيواستراتيجي سينتج عن الصمود الإيراني تجاه العدوان الأمريكي-الاسرائيلي أن كافة المشاريع الغربية التي استهدفت المنطقة، من الشرق الأوسط الجديد إلى الكبير إلى الممر الاقتصادي الهندي، جميعها ستنهار. البديل اليوم سيصبح مجموعة “دول غرب آسيا” من الصين إلى البحر الأحمر! بما تحمل هذه العبارة من أبعاد جيوسياسية مختلفة عن ما سبق، تتطابق مع التحولات الحاصلة على المستوى العالمي وبالضبط مع عالم متعدد الأقطاب.
لقد تأسست فكرة الشرق الأوسط الجديد، الأمريكية – الاسرائيلية على أنقاض فكرة الشرق القديمة التي كانت تجسيدا للرؤية الاستعمارية للشرق من قبل المركزية الأوروبية تحديدا التي كانت تسيطر عليه. كان الشرق بالنسبة للغرب يمتد من غرب تركيا اليوم إلى الصين. وتم تقسيمه من وجهة نظر الاستعمار القديم إلى ما سمّوه “الشرق الأقصى” (الصين والهند وكافة الدول والجزر الآسيوية الأخرى مثل إندونيسيا، ماليزيا الفلبين….الخ)، و”الشرق الأدنى” (أقاليم الدولة العثمانية التي كانت تحتك بأوروبا)، و”الشرق الأوسط” المتمثل في باقي الدول الإسلامية من باكستان إلى إيران إلى دول الخليج العربية. وتم زرع الكيان الاسرائيلي بقلب المنطقة ليحفظ المصالح الغربية الاستعمارية التقليدية والجديدة ومازال يتلقى الدعم إلى اليوم لتحقيق ذات الغرض.
ولخدمة هذا المشروع الاستعماري التقليدي وترسيخ فكرة هيمنة الغرب على الشرق، تم تعزيز القوة الاسرائيلية بكافة الوسائل (بريطانيا أنشأت الكيان، وفرنسا مكّنته من السلاح النووي وأمريكا حافظت عليه بالدعم العسكري والتكنولوجي). وبعد أن استتب الأمر للاسرائيليين واعترفت مصر كدولة مركزية في المنطقة بالكيان ثم اعترفت به منظمة التحرير الفلسطينية والأردن بعد اتفاقيات أوسلو 1994، بدا للإسرائيليين أنه أصبح بإمكانهم ترتيب “شرق أوسط جديد”، لذا كتب شمعون بريز مؤلفه المعروف “الشرق الأوسط الجديد”.
وكانت الفكرة المطروحة آنذاك أن تقود اسرائيل مشروع التطوير الاقتصادي والتكنولوجي في المنطقة بدعم مالي خليجي وقوة بشرية عربية. وأمام تصاعد الرفض الشعبي لهذا التوجه الإسلامي للكيان، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية سنة 2000 متحدّية هذا التوجه، وأفشلت مشروع “شمعون بيريز”، ليلتقطه الأمريكيون بعد أحداث سبتمبر 2001 وغزو ثم احتلال العراق في 2003، ويطرحونه بصيغة “كوندوليزا رايس”: “الشرق الأوسط الكبير” في محاولة منهم لضم دول أخرى مثل تركيا وإيران وأفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى لمحاصرة روسيا.
إلا أن هذا المشروع أيضا فشل بتنامي المقاومة المسلحة ضد الأمريكيين في العراق وفوز حركة “حماس” في الانتخابات في 2006 وانتصار “حزب الله” في لبنان في نفس السنة. وكرد فعل لهذا الفشل، تحوّل التحالف الأمريكي- الإسرائيلي إلى قوة لأجل فرض سياسته من خلال ما عرف بنظرية الفوضى الخلاّقة التي سعت إلى تحويل المطالب الشعبية المشروعة في المنطقة إلى “ربيع عربي” أدى إلى ما أدى إليه في بعض البلدان (حروب أهلية، انقسامات، اضطرابات)، تم استغلالها فورا لطرح بديل الاتفاقيات الإبراهيمية تمهيدا لمشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي تقرر أن يربط موانئ “موندرا” بالهند و”الفجيرة” بالإمارات و”حيفا” المحتلة بالكيان الإسرائيلي في سنة 2023، المشروع الذي أفشله الفلسطينيون مرة أخرى باندلاع معركة “طوفان الأقصى” التي مازالت مستمرة إلى اليوم، وعمّق فشله صمود الجمهورية الإسلامية الإيرانية في وجه العدوان الأخير، والذي مازال مستمرا إلى اليوم.
وهكذا يتبين لنا كيف أن المحاولات الغربية للهيمنة على المنطقة، ذات الجذور الضاربة في عمق تاريخ ما فتئت تأخذ أشكالا جديدة تزداد دموية من مرحلة إلى أخرى، ولكنها هذه المرة اصطدمت بقوة إيران المتنامية وصمود المقاومة في المنطقة، وستعرف هزيمة إستراتيجية، لا محالة، بعد أن باتت التحولات الكبرى في النظام العالمي وبخاصة الموقف الصيني تدعم أن تعود الأمور إلى نصابها وتسمى الأمور بمسمياتها: لا شرق أقصى ولا أدنى ولا أوسط ، بل غرب آسيا المتضامن مع شرقها، الأمر الذي سيحدث توازنا غير مسبوق في العالم بين النصف الغربي للكرة الأرضية الذي ستنكمش ضمنه أمريكا، والنصف الشرقي الذي ستنهزم فيه مشاريع الكيان ومن والاه…