لاعبون يتقاضون أضعاف مرتب رئيس الجمهورية وأندية بميزانية أكثر من الجامعات
بدأ العد العكسي لانطلاق ثالث موسم في البطولة الاحترافية في الجزائر، من دون تباشير ثورة كروية أو رياضية، أو حتى إشارات تفاؤل، حيث لم تحقق الكرة الجزائرية لحد الآن أي لقب قاري للأندية المحترفة، وخرجت كل الأندية الكبيرة والتي تذوقت اللقب الإحترافي والكؤوس من الأدوار الأولى في كل المنافسات القارية، وكان آخرها أولمبي الشلف الذي عجز عن تحقيق أدنى انتصار.
ومازال قطار المنتخب الوطني يسير بالوقود المستقدم من المدارس الفرنسية، كما عجزت البطولة الجزائرية عن تصدير لاعب واحد لبطولة أوروبية متوسطة المستوى بعد أن أصبح الانتقال إلى ألمانيا وانجلترا وإيطاليا وإسبانيا من المستحيلات، ولم يجد خيرة لاعبي البطولة الجزائرية المحترفة غير الجارة تونس للاحتراف مع فرقها، كما يوجد إجماع من جمهور الكرة الجزائرية الذي يفرق بين الغث والسمين على أن مستوى الكرة الجزائرية منهار وفي الحضيض، خاصة أن غالبية الجزائريين يتابعون مباريات الكرة العالمية والبطولات العالمية القوية، وفي ذاكرتهم جيل ماجر وبلومي وعصاد الذهبي.
يحدث هذا بالرغم من الأموال الطائلة الموضوعة تحت تصرف الأندية الجزائرية التي حققت معادلة غير موجودة في العالم، وهي أنها محترفة وهي أيضا ملك للمساهمين وتساعدها الدولة بإجبار مؤسسات دولة وخواص على مساعدتها، إضافة إلى الكرم الذي تتلقاه من الولاة ومن رؤساء البلديات ومن مديريات الشباب والرياضة، وأحيانا من مديريات لا علاقة لها بالشباب ولا بالرياضة، وآخر تصريح أطلقه وزير الشباب والرياضة الهاشمي جيار قال فيه أن الدولة ستدعم كل الشركات الوطنية التي تريد الاستثمار في أندية الكرة بما يشبه الإصلاح الرياضي في العهد الاشتراكي باحتراف في العهد الرأسمالي.
.
أندية تدفع 30 مليارا فقط أجورا للاعبين
أضعف أجر لأضعف لاعب في أفقر فريق في البطولتين المحترفتين حتى ولو كان احتياطيا طوال الموسم الكروي يتقاضى مرتبا يفوق ما يتقاضاه طبيب مختص في أي مستشفى أو عيادة في الجزائر.
وعرفت مرتبات بعض اللاعبين صعودا غير مسبوق وما خفي أعظم وأخطر، لأن ما يُعلن عنه يختلف عن الحقيقة، وتبدو الدولة غير معنية تماما بفوضى سوق الكرة وما يحدث فيها من تجاوزات بدليل أن الضرائب التي تؤخذ من أموال الموظفين والتجار لا تقوم بأي نشاط مهني مع لاعبين وصل مرتب البعض منهم إلى مليار سنتيم في كل شهرين مقابل ثماني ساعات لعب بمعدل ساعة ونصف كل أسبوع، وهو ما جعل المدرب السويسري ألان غيغر وهو فعلا أحد أشهر المدربين في سويسرا الغنية جدا ماليا ببنوكها وكرويا بكونها احتضنت كأس العالم عام 1954 يعترف بأن ما يتقاضاه من مرتب عندما كان مدربا لشبيبة بجاية أكبر مما يتقاضاه في أي بلد آخر لأنه يتسلم مرتبه صافيا من دون أن تقتطع منه مصالح الضرائب سنتيما واحدا، وجعل أيضا المدرب العالمي روجي لومير الحاصل على ألقاب كبرى يختار الجزائر ليس للمستوى العالي وحماس الجمهور وتوفر الإمكانات القاعدية وحبا لشعبها، وإنما بسبب غياب الضرائب عن عالم الكرة الجزائرية.
وبعد أن كانت أجور اللاعبين مرتفعة لدى أربعة أندية فقط وهي شبيبة القبائل ووفاق سطيف واتحاد ومولودية الجزائر، انتشرت الأجور الخيالية لدى معظم الفرق المحترفة بقسميها الأول والثاني، ولا يوجد حاليا لاعب وفي لفريقه ومحب لألوانه بمعنى الوفاء السابق الذي جسّده عدد من اللاعبين الكبار، حيث يبيع اللاعب وعوده وكلمته لأي ناد يدفع أكثر، وهو ما حدث للاعبي المنتخب الوطني من أمثال كريم زياني الذي لعب رابطة أبطال أوروبا مع ناديه السابق فولفسبورغ الألماني، وواجه مانشستر يونايتد، ومجيد بوڤرة الذي لعب نفس المنافسة ثلاث مرات وواجه عدة فرق أوروبية كبيرة مثل شتوتغارت ومانشستر، ومراد مغني الذي لعب منافسة “يوروبا ليغ” وسجل فيها مثل بوقرة.
وهؤلاء بعد أن صعدت قيمتهم الكروية بمشاركتهم في كأس العالم اختاروا الراحة لأجل المال على طريقة اللاعبين المحليين وبعض المحترفين الذين سمعوا عن الملايير المتوفرة لدى أنديتنا فسارعوا وتصارعوا لأجلها ولم يبذلوا جهدا كبيرا، لأجل رفع مستوى الكرة الجزائرية، إلى درجة أن القنوات الرياضية ومنها الجزيرة الرياضية اهتمت ببطولات عربية أخرى مثل الأردن والسودان ولبنان ولم تُعر أي اهتمام لبطولة تٌلعب بعض مبارياتها من دون جمهور، وغالبية المباريات في أرضيات من غير العشب الطبيعي الموجود في كل ملاعب العالم إلا في الجزائر.
وقالت إدارة نادي وفاق سطيف أن أجور لاعبيها تكلفها أكثر من ثلاثة ملايير شهريا، أي أن الموسم الكروي يستنزف من النادي مالا يقل عن 30 مليارا، وهو مبلغ لا تنفقه الدولة على مستشفى سعادنة في نفس المدينة سواء من حيث الإمكانات التي يُعالج بها المرضى أو رواتب الطاقم الطبي.
وتتقاضى الوجوه الجديدة في وفاق سطيف رواتب عالية حيث بلغ مرتب المغتربين سلطاني وشعلالي 205 مليون لكل لاعب، دون حساب منح الانتصارات والفوز بأحد الألقاب مما يجعل بعض اللاعبين ينهون الموسم وقد صرفت الإدارة عليهم أزيد عن خمسة مليارات بين منحة الإمضاء والمرتب ومنح الانتصارات والتتويجات، وهو ما جعل لاعبا مثل سلطاني يطلّق اللعب في فرنسا، وشعلالي يهجر البطولة الأسكتلندية وهي واحدة من أقدم بطولات المعمورة، ويفضلان اللعب في الجزائر.
ويتهم بعض رؤساء الأندية اللاعبين المغتربين بإشعال سوق التحويلات لأنهم يشترطون مرتبات مرتفعة بالعملة الصعبة، فيصبح تحويلها مكلفا جدا، وأول من بدأ بطلب رفع الأجور هما اللاعبان الدوليان، مما جعل المهاجم محمد أمين عودية يرتاح مع الوفاق أكثر من الزمالك المصري صاحب أكبر عدد من الألقاب على المستوى الإفريقي، حيث استقر مرتبه عند 250 مليون سنتيم شهريا.
وكان عبد الحكيم سرار قد أشار عدة مرات إلى أن اللاعب الجزائري قدره اللعب في الجزائر أو في الخليج العربي كما حدث للحاج عيسى وبوقش لأنه سيعيش فقيرا لو اختار الوجهة الأوروبية، كما هو الشأن لسوداني الذي يُقال أنه ندم على اختياره الاحتراف في البرتغال مع نادي غيماراش الفقير، لأن مرتبه دون ما يتقاضاه رفقاءه في أولمبي الشلف حاليا، ولا تنزل مرتبات لاعبي اتحاد العاصمة ومولودية الجزائر وشباب قسنطينة وشبيبة القبائل وبلوزداد عن 150 مليون بالنسبة للاعبين العاديين، وعشر سنوات لعب في القسم الأول المحترف سيضمن عبرها أي لاعب كرة في الجزائر دخوله عالم المليارديرات.
.
ولاة وأميار يراهنون على الكرة للبقاء على الكرسي
مدير جامعة يحلم بلقاء الوالي ورؤساء أندية يقيمون في الولاية
المشكلة ليست في جماهير الكرة ولا في اللاعبين الذين من حقهم أن يضمنوا مستقبلهم خاصة أن عمر اللاعب مهنيا قصير جدا، ولا يصل إلى الستين كما هو حال بقية المهن ولكنه مع مسؤولي الكرة الذين لا يعترفون بأي نوع من الرياضة إلى درجة أن نصف الرياضات التي شاهدها الجزائريون في الألعاب الاولمبية غير ممارسة أصلا في الجزائر، وبقية الرياضات لا تلقى أي دعم.
أما الطامة الكبرى هو أن الولاة ورؤساء البلديات الذين تضع الدولة بأيديهم الميزانية لا يهتمون بالعمل القاعدي، ومؤسف أن يصرف وفاق سطيف أو شبيبة القبائل وهما أحسن وأغنى ناديين في الجزائر خلال خمس سنوات أكثر من 300 مليار لكل فريق وملعباهما لا يوفران العشب الطبيعي للفرق الضيفة ولا حتى الكراسي المريحة للمتفرجين كما هو الشأن في إفريقيا الوسطى واللوزوتو.
وما أذهل المدرب العالمي روجي لومير الذي عمل في فرنسا وفي تونس والمغرب أن ملعب الشهيد حملاوي بقسنطينة، لا يمتلك قاعة لأجل إجراء الندوات الصحفية، وصار واضحا أن بعض رؤساء البلديات وحتى الولاة يراهنون على البقاء في مناصبهم، أو تحقيق رتبة أعلى مع نجاحات فرق الكرة حيث يصرفون ببذخ على فرق الكرة ثم يتبنون انتصاراتها، وكل رؤساء البلديات الذين حققت الفرق المنتمية لمدنهم انتصارات وتتويجات وصعود إلى القسم الأعلى سيراهنون على دعم الأنصار لهم في الانتخابات المحلية القادمة خلال فصل الخريف 2012 ، أما الولاة فإن انتصار فرقهم وتتويجها سيمنحهم الهدوء.
وكل ولاة الجزائر صار همّهم الانتصار الكروي على حساب التنمية المحلية، خاصة بعد أن أصبح الفوز باللقب والصعود يعني الأفراح والليالي الملاح والاستقرار، والهزيمة تعني أعمال شغب تُؤرق الوالي قبل غيره، وهناك ولاة برغم توقف عجلة التنمية والمشاكل الكثيرة والمعقدة التي تعانيها ولاياتهم إلا أنهم يلتقون بشكل دائم مع رؤساء الأندية ويُعربون عن استعدادهم الدائم لضخ الأموال والمساعدة المادية والإدارية للفرق ظنا منهم أن الجبهة الاجتماعية يمكن ترويضها بالانتصارات الكروية.
وبينما يدخل متى شاء رئيس نادي إلى الوالي، يجد مدير مستشفى أو جامعة صعوبة في ملاقاة المسؤول الأول على الولاية وقد لا يلتقيه مدى الحياة، ولا نتحدث عن عامة الشعب من أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة وبطالين ومعوقين يعلمون أن الفرق بينهم وبين لاعب كرة يقدر بمئات الملايين ماديا، رغم أن الجميع بما في ذلك رؤساء الأندية يقرّون بأن مستوى الكرة في الجزائر ضعيف.. ضعيف جدا.