-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تلاميذ يصورون الأساتذة وزملائهم ويربكون الدروس

“لايفات” داخل الأقسام تخدش هيبة التمدرس وتفتح باب العقوبات التأديبية

سمير مخربش
  • 64
  • 0
“لايفات” داخل الأقسام تخدش هيبة التمدرس وتفتح باب العقوبات التأديبية

تحوّل الهاتف النقال داخل بعض المؤسسات التربوية في حالات متزايدة إلى نافذة مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي، تصل أحيانا إلى حد إطلاق بث مباشر من داخل القسم أثناء تقديم الأستاذ للدرس، وتصوير الزملاء والتلاميذ، وتبادل التعليقات والضحكات، بل وتوثيق سلوكيات تنمر واستهزاء وألفاظ غير لائقة، في مشاهد تضع العملية التعليمية برمتها أمام ظاهرة تحتاج إلى وقفة جدية من الأسرة والمدرسة على حد سواء.

وتكشف حالات تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة عن سلوكيات أكثر جرأة في استعمال الهاتف، بعدما أصبح بعض التلاميذ يبحثون عن المشاهدات والتفاعل من خلال تصوير ما يجري داخل المؤسسة، حتى وإن كان ذلك على حساب الأستاذ الذي يشرح الدرس أو زملائهم الذين وجدوا أنفسهم في تسجيلات لم يطلبوا المشاركة فيها. وفي إحدى الحالات التي تم الوقوف عليها مؤخرا بولاية سطيف، تم تسجيل بث مباشر من داخل قسم دراسي، في وقت كان الأستاذ يؤدي مهمته أمام التلاميذ، كان ذلك وسط تعليقات تتنافى مع طبيعة الرسالة التعليمية، وهو ما يكشف حجم التحدي الذي بات يفرضه الهاتف الذكي داخل الفضاء التربوي.

المشهد يبدو للوهلة الأولى بسيطا، فترى تلميذا يخفي هاتفه بين يديه، يوجه الكاميرا إلى السبورة أو الأستاذ أو زملائه، ثم يبدأ البث ويتابع التعليقات والتفاعل، بينما يحاول الأستاذ مواصلة الشرح. لكن خلف هذه الثواني القليلة تختفي مشكلة أكبر، فهذا التلميذ الذي ينشغل بتثبيت الهاتف ومراقبة البث والرد على المتابعين لم يعد يتابع الدرس بالتركيز المطلوب، كما أن زملاءه قد يجدون أنفسهم بدورهم أمام كاميرا مفتوحة من دون علمهم، فيتحول القسم تدريجيا من مكان للتعلم إلى فضاء لصناعة المحتوى.

بين “اللايف” وهيبة القسم… حين يصبح الأستاذ جزءا من المشهد

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تتحول الكاميرا إلى وسيلة للسخرية من الأستاذ، أو لتصوير مشهد محرج ثم نشره عبر “الفايس بوك” أو “التيك توك”، فالمحتوى الذي قد يراه صاحبه مزحة عابرة يمكن أن يبقى متداولا على الإنترنت، وأن يصل إلى عدد كبير من الأشخاص، ويؤثر في صورة الأستاذ أو التلميذ أمام محيطه، فضلا عن إمكانية استعمال التسجيلات لاحقا في التنمر أو التشهير أو الابتزاز. ولا تتوقف المشكلة عند حدود التشويش على الدرس، إذ يمكن للبث المباشر أن يكشف أيضا معطيات وصورا لأشخاص لم يمنحوا موافقتهم على التصوير أو النشر.

من جهتنا، التقينا بتلميذ في الطور الثانوي بسطيف، سبق له أن قام بتصوير القسم أثناء الدرس، فقال بأنه أقدم على هذه الخطوة من باب المزاح لا أكثر محاولا جلب الانتباه والقيام بتصرف غير معهود داخل القسم ليثير ردود أفعال وسط زملائه. وعن عواقب هذا التصرف، يقول محدثنا بأنه لا علم له بالعواقب، وبالنسبة إليه هي مجرد لعبة عبر الهاتف تنتهي بإضحاك الزملاء.

في بعض المؤسسات، بدأت الإدارات تتعامل مع الظاهرة بإجراءات أكثر صرامة. ومن بين النماذج التي ظهرت مؤخرا بولاية سطيف، تعليمة داخلية صادرة عن ثانوية “سعد دحلب” بعين أزال، مؤرخة في 1 أكتوبر 2026، ذكّرت التلاميذ والأولياء بمنع إحضار الهاتف النقال واستعماله والتصوير أو البث المباشر من داخل الأقسام، مع التنبيه إلى سحب الهاتف من التلميذ طوال السنة وتعريضه لعقوبات تأديبية، من دون المساس بالمتابعات الجزائية عند الاقتضاء. وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع أعلنت فيه وزارة التربية الوطنية عن اعتماد نظام داخلي موحد للمؤسسات التربوية، مؤكدة أن الهدف منه ضبط الحياة المدرسية وإلزام مختلف أفراد الجماعة التربوية، بمن فيهم التلاميذ والأولياء، باحترام أحكامه بما يحفظ النظام ومناخ المدرسة.

وفي حديثنا عن الظاهرة مع مجموعة من الأساتذة بولاية سطيف، يقول أحدهم أن “المشكلة لا تكمن في الهاتف بحد ذاته، وإنما في الطريقة التي يتم بها استعماله داخل القسم. فالأستاذ الذي يقف أمام عشرات التلاميذ مطالب بمتابعة الشرح والانضباط والإجابة عن الأسئلة، وقد لا ينتبه في كل لحظة إلى تلميذ يجلس في آخر الصف ويستغل انشغال الأستاذ لفتح هاتفه وتصوير ما يحدث”.

ويحذر أستاذ آخر من استمرار هذه السلوكيات التي تؤثر على هيبة القسم وفي العلاقة التربوية بين الأستاذ والتلميذ. فوجود هاتف موجه نحو الأستاذ أثناء شرحه، أو معرفة التلميذ بأن زميله يقوم بتصويره، قد يدفع بعض التلاميذ إلى التصرف بصورة استعراضية بحثا عن الظهور، فيما قد يشعر آخرون بالحرج أو الخوف من أن تتحول لحظة عفوية إلى مادة منشورة أمام جمهور واسع.

الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية مشتركة

وأما بالنسبة للأستاذ نور الدين المعروف وطنيا كمختص في الرياضيات، فيرى في رسالة وجهها إلى الأولياء، عبر صفحته في “الفايس بوك” التي لها أكثر من 1.7 مليون متابع، أن استعمال بعض التلاميذ، خصوصا في مرحلتي المتوسط والثانوي، للهواتف داخل الأقسام من أجل التصوير أو إجراء بث مباشر أثناء الدرس أصبح أمرا يستوجب الانتباه، داعيا العائلات إلى متابعة طريقة استعمال أبنائها للهواتف الذكية وعدم الاكتفاء بشراء الجهاز ومراقبة استعماله من المنزل. ويطرح الأستاذ نور الدين تساؤلا: من اشترى هذا الهاتف للتلميذ؟ ومن وزوده بالأنترنت؟ ويستشهد الأستاذ بالمادة 43 من القانون الداخلي للمؤسسات التربوية التي تمنع إحضار الهاتف النقال من طرف التلاميذ.

وتزداد المشكلة تعقيدا عندما يتحول البث المباشر إلى وسيلة للتنمر. فبعض التلاميذ قد يجدون في الكاميرا فرصة للسخرية من زميل بسبب مظهره أو طريقة كلامه أو إجابته، بينما يتولى آخرون التعليق والضحك واستعمال ألفاظ غير لائقة. ومع انتشار البث، يصبح المشهد قابلا للتوسع في ثوان معدودة، ويخرج من حدود القسم إلى فضاء مفتوح يصعب التحكم فيه.

وتعكس هذه الشهادات حجم القلق الذي بدأ يرافق هذه الظاهرة، إذ حمّل متابعون جزءا من المسؤولية للأولياء، وطالب آخرون بتشديد الانضباط داخل المؤسسات، فيما ذهب بعضهم إلى تحميل الأستاذ والإدارة مسؤولية أكبر في مراقبة القسم ومنع هذه الممارسات. وبين هذه الآراء المتباينة، تبدو الحقيقة الأوضح أن الظاهرة لا يمكن معالجتها من طرف واحد، لأن الهاتف يدخل المؤسسة من بوابة الأسرة، ويستعمل داخل القسم في غياب رقابة كافية، ثم ينتقل محتواه إلى فضاء رقمي، كلها خطوات لا تتحكم فيها المؤسسة التربوية.

ويرى المختصون أن المسؤولية تقع على الأولياء بالدرجة الأولى، وتبدأ من السؤال البسيط، لماذا يحتاج الابن إلى هاتف ذكي داخل المؤسسة؟ وكيف يستخدمه؟ ومع من يتواصل؟ وما التطبيقات التي يستعملها؟ وهل يدرك أن البث المباشر ليس لعبة بلا عواقب؟ وفي المقابل، يحتاج الأستاذ أيضا إلى دعم المؤسسة وعدم تركه وحيدا أمام الظاهرة، خصوصا داخل الأقسام المكتظة التي تجعل متابعة كل التلاميذ في كل لحظة أمرا صعبا. فالانضباط داخل القسم مسؤولية جماعية، والنظام الداخلي لا تكون له قيمة حقيقية إلا إذا عرفه التلميذ وطبقه الولي وتابعت الإدارة احترامه.

وكان الوزير سعداوي، خلال ندوة وطنية مع مديري التربية، ثمّن يقظة مديري المؤسسات التربوية وحسن تعاملهم التربوي مع الحالات المسجّلة، لبث فيديوهات مباشرة من داخل أقسام دراسية. ودعا ر إلى إحالة الفاعلين على المجلس التأديبي، بعد حضور أوليائهم. فالالتزام بأخلاقيات وقدسية العملية التعليمية مفروض على الجميع، كما قال الوزير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!