الجزائر
وزارة التربية أشادت وفاعلون ينخرطون في الحملة

“لا ترم كُراسك”… هكذا تُحوّل الكراريس إلى ثروة وطنية مفيدة

مريم زكري
  • 89
  • 0

عادت إلى الواجهة بعض السلوكيات السلبية، التي تمس بحرمة الفضاء التربوي، مع نهاية كل موسم دراسي، ومنها إقدام التلاميذ على تمزيق الكراريس ورمي الكتب المدرسية أو إحراقها ونثرها أمام مداخل مؤسساتهم التربوية. وهو ما رصدناه خلال نهاية الأسبوع المنصرم، إثر خروج التلاميذ في عطلتهم، من خلال ممارسات تتنافى مع قيم التربية والمحافظة على البيئة، ودون أدنى احترام لقدسية المؤسسة التعليمية، تاركين بذلك الفضاءات التربوية في حال من الفوضى طيلة العطلة الصيفية. ومع ذلك، لمسنا وعيا لدى تلاميذ آخرين، بسبب حملات التوعية والتحسيس التي أطلقتها خصوصا وزارة التربية الوطنية.

أشادت وزارة التربية الوطنية بالصور الواردة من عدة ولايات، حول اتساع الانخراط في الحملة الوطنية لاسترجاع الكراريس والكتب المستعملة من أجل إعادة تدويرها، في مشاهد ميدانية تعبّر، بحسب بيان الوزارة، عن ترسّخ الوعي البيئي وروح المسؤولية لدى التلاميذ، وتعكس تفاعلاً إيجابيًا واسعًا داخل المؤسسات التربوية مع هذه المبادرة ذات البعد التربوي والبيئي والمجتمعي.

وتبرز هذه المشاهد “حجم التعبئة التي رافقت مختلف مراحل الحملة، من خلال مساهمة التلاميذ بوعي وانضباط، ومرافقة الأسرة التربوية بمختلف مكوّناتها من أطقم إدارية وتربوية وعمال، إلى جانب الدعم القيّم لأولياء التلاميذ والشركاء المرافقين، بما يجسد روح التعاون والتكامل خدمةً للمدرسة الجزائرية وللبيئة.”

بن زهرير: اعتماد أساليب تحفيزية داخل الأقسام لتوعية التلاميذ

وتؤكد وزارة التربية الوطنية أن المدرسة الجزائرية تواصل “أداء رسالتها في غرس قيم المواطنة والمسؤولية والعمل الجماعي، وترسيخ ثقافة الحفاظ على البيئة لدى التلاميذ، بما يسهم في إعداد جيل واعٍ ومبادر ومتشبّع بروح الانتماء”، مشيدة بوعي التلاميذ وأفراد الجماعة التربوية الذين ساهموا في إنجاح هذه الحملة الوطنية.

ويُشار إلى أن وزارة التربية الوطنية، أطلقت، بالتنسيق مع عدد من القطاعات الحكومية من بينها وزارة الشباب، منذ أيام بالتزامن مع بداية اختبارات الفصل الثالث حملة وطنية لاسترجاع الكراريس والكتب المستعملة وإعادة تدويرها، وتهدف هذه المبادرة في طبعتها الثانية إلى ترسيخ قيم المواطنة والعمل التطوعي، وتشجيع جمع الكراريس المستعملة واستغلالها بطريقة مسؤولة تحافظ على المحيط وتحد من التبذير، وذلك في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى الحد من ظاهرة تمزيق الكراريس ورميها مع نهاية الموسم الدراسي.

وبالموازاة، نادى مختصون، بضرورة وضع حد لمثل هذه السلوكيات التي تكررت مؤخرا بشكل لافت، وذلك من خلال إطلاق مبادرات وحملات تحسيسية للمساهمة في نشر الوعي لدى التلاميذ، وتشجيع جمع الكراريس المستعملة وإعادة استغلالها بطريقة حضارية واستثمارها للحد من مظاهر التبذير والتلوث، وتحويل النفايات الورقية إلى مورد اقتصادي وبيئي مفيد.

جمع الأوراق واستثمارها في مشاريع الرسكلة

ومن جهتها، تفاعلت العديد من المؤسسات الاقتصادية المختصة في فرز وجمع النفايات، مع الحملة الوطنية التي أطلقتها الوزارات المعنية، من أجل الانضمام لها من خلال تنظيم برامج لجمع الكراريس والكتب التي لا تستعمل لاحقا، من أجل استثمارها في مشاريع إعادة التدوير والرسكلة.

وفي الموضوع، أكد إسماعيل كحلوش، مسيير شركة “مستفيد”، المختصة في جمع وبيع النفايات عبر تطبيق خاص بها، أن مؤسسته شرعت ومنذ السنة الماضية في الانخراط ضمن المبادرة ستشرع هذه الأخيرة في العملية قريبا. مشيرا، أن الحملة التي أطلقتها المؤسسة مؤخرا تأتي في سياق بيئي وتربوي يهدف إلى الحد من المظاهر السلبية التي تتكرر كل سنة بعد نهاية الموسم الدراسي، المتمثلة في رمي الكراريس أو إحراقها، بدلا من استغلالها أو تدويرها بشكل حضاري ونافع.

وأضاف المتحدث، أن الشركة تعمل على “رفع مستوى الوعي لدى التلاميذ والأولياء وحتى المؤسسات التربوية بضرورة تثمين هذه الثروة الورقية، التي تتحول للأسف إلى نفايات رغم قيمتها القابلة لإعادة التوظيف”.

وأوضح كحلوش، أن آلاف الكراريس والكتب ترمى سنويا بعد انتهاء الدراسة، رغم إمكانية إعادة تدويرها والاستفادة منها اقتصاديا وبيئيا، مؤكدا أن الحملة تسعى إلى غرس سلوك حضاري يبدأ من البيت، ويقوم على فرز الورق المستعمل وجمعه بدل رميه عشوائيا.

وأضاف المتحدث، أن المبادرة تحمل أبعادا توعوية وتربوية، من خلال ترسيخ ثقافة المسؤولية البيئية لدى الأفراد، خاصة فئة الشباب، مشيرا إلى أن كل ورقة قديمة يمكن أن تتحول إلى فرصة جديدة تحافظ على الأشجار وتقلل من التلوث.

كما دعا بالمقابل المواطنين إلى التسجيل عبر التطبيق المخصص للعملية، من أجل بيع الكراريس والأوراق المستعملة في إطار من الشفافية والتنظيم، مؤكدا أن هذه الخطوة تسمح للتلميذ والطالب وحتى رب الأسرة بالاستفادة المادية، بالتوازي مع المساهمة في الحفاظ على نظافة الأحياء والمؤسسات التربوية.

سلوكيات تتطلب معالجة تربوية متواصلة

ومن جانبه، أكد الخبير التربوي الدكتور بن زهرير بلال، أن ظاهرة تمزيق الكراريس التي تتكرر مع نهاية كل موسم دراسي داخل بعض المؤسسات التربوية، تعد من السلوكيات السلبية التي تستوجب تكثيف الجهود التوعوية والتربوية للحد منها، مشيدا بالحملة الوطنية التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية لمجابهة هذه الظاهرة، تحت إشراف ومتابعة مباشرة من وزير التربية الوطنية، في إطار مقاربة تقوم على الوقاية قبل الردع.

وأوضح بن زهرير، لـ”الشروق”، أن الحملة سجلت خلال الموسم الدراسي الماضي استجابة إيجابية من مختلف الفاعلين في القطاع، حيث انخرطت الأسرة التربوية والمجتمع المدني والأولياء في جهود التحسيس، ما ساهم بحسبه في تراجع الظاهرة داخل العديد من المؤسسات التعليمية عبر الوطن.

وأشار المتحدث إلى أن وزارة التربية الوطنية لم تكتفي بالجانب التحسيسي فقط، حيث قامت بتدعيم الحملة بجملة من الإجراءات العملية، من بينها تكثيف الدروس والمرافقة البيداغوجية خلال الفصل الثالث، بهدف تخفيف الضغط النفسي والبيداغوجي الذي يعيشه التلميذ مع نهاية الموسم الدراسي، خاصة بعد فترة طويلة من الجهد والتحصيل العلمي، كما ثمن بالمقابل دور الطواقم التربوية والإدارية في مرافقة التلاميذ وتوعيتهم بشكل يومي داخل المؤسسات التعليمية.

وفي السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أهمية الحملات الإعلامية والنشاطات الجمعوية في نقل الرسائل التوعوية إلى الفضاء المجتمعي، معتبرا أن الحد من هذه السلوكيات يتطلب معالجة تربوية متواصلة تتجاوز الحلول الظرفية.

مرافقة نفسية ومسابقات تشجيعية

واقترح الدكتور بن زهرير جملة من الحلول العملية لتعزيز نجاح الحملة مستقبلا، من بينها ترسيخ ثقافة احترام الكراس منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي، وإشراك الأولياء عبر لقاءات دورية توعوية، إلى جانب اعتماد أساليب تحفيزية داخل الأقسام من خلال الجوائز والتشجيع وتثمين السلوك الإيجابي، كما دعا إلى إدماج القيم السلوكية ضمن الأنشطة الصفية واللاصفية، وتوفير مرافقة نفسية للتلاميذ الذين يعانون من صعوبات دراسية أو ضغوط نفسية، فضلا عن تنظيم مسابقات مدرسية لأحسن كراس وأنظف قسم، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الوعي بطريقة تتماشى مع اهتمامات التلاميذ.

مُؤكّدا على أن الحدّ من ظاهرة تمزيق الكراريس ليس هدفا ظرفيا مرتبطا بنهاية الموسم الدراسي، باعتباره مسار تربوي طويل يتطلب تضافر جهود الجميع، من أجل بناء تلميذ واع ومسؤول، ومدرسة جزائرية أكثر انضباطا ورقيا.

مقالات ذات صلة