الرأي

“لا تلعنوا أهل اليمن!”

سلطان بركاني
  • 114
  • 0

لعلّ من أكثر الحقائق التي كاد يلفها النسيان، في هذا الزّمان، تحت وطأة التجاذبات السياسية والاختلافات المذهبية والطائفية، فضائل أهل اليمن ونصاعة تاريخهم في نصرة الإسلام وأهمية دورهم في تحديد بوصلة الأمّة في آخر الزّمان، مع أنّ النصوص التي تنطق بذلك بلغت حدّ التواتر المعنويّ، بل إنّ كتاب الأمّة الخالد قد أشار ضِمنا إلى أنّ أهل اليمن هم ذخر الأمّة ومددها في الأوقات التي يتلكأ فيها عامّة المسلمين ويقعد كثير منهم عن حمل رسالة الإسلام ويجبُن أغلبهم عن نصرة قضاياه.

 أخرج الحاكم في “المستدرك” والطبراني في “المعجم الكبير”، بسند صحيح، عن عياض الأشعريّ -رضيَ الله عنه- قال: “لما نزلت هذه الآية ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) (المائدة: 54)، أومأ رسول الله –صلـى الله عليه وسلم- إلى أبي موسى الأشعري بشيء كان معه، فقال: “هم قوم هذا” (السلسلة الصحيحة للألباني، برقم 3368)… وهذه الآية التي أثبت اليمنيون مصاديقها في تاريخهم الحافل بالمسارعة إلى نصرة الحقّ وحمل رايته، تُجلّي بوضوح صفات أهل اليمن التي لا تزال تميّزهم إلى يوم النّاس هذا؛ فهم الذين يَصدقون في محبّتهم لله، ويتواضعون للمؤمنين، ويعتزّون بكلّ شموخ على الكافرين، ويحملون راية الجهاد ضدّ الأعداء لا يخافون في ذلك لومة لائم ولا قوة غاشم، لا يضرّهم أن يخاف النّاس وينكصوا عن نصرة الحقّ ونجدة المظلوم، ولا يجبنون لقلة عددهم وضعف عتادهم.

وأكثر ما يأخذ بالألباب في شأن هذه الآية 54 من سورة المائدة، التي جاءت التفاسير تشير بوضوح إلى أنّ أهل اليمن هم أكثر من تَمثّلها، هو أنّها جاءت في سياق عجيب، بين آيات يشعر من يقرؤها أنّها تتحدّث عن هذا الزّمان الذي نعيش أيامه، تقول الآيات: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54))) (المائدة).

ونحن الآن نرى بكلّ وضوح كيف يوالي بعض المسلمين اليهود والنصارى ويسارعون فيهم (أي يُلقون إليهم بالمودّة ويستعينون بهم) خوفا ورهبة، ويفتحون لهم أراضي الأمّة ليقيموا عليها قواعد عسكرية، ويحرّضونهم على المرابطين ويدفعون تكاليف حروبهم الظّالمة… ونرى كيف أنّ قلّةً من المسلمين في أرض العزّة غزّة هي من تصمد في مواجهة الصهاينة وحلفائهم من الصليبيين رغم قلّة العدد والعدّة، وقلّة أخرى في اليمن هي من تنصر المرابطين وتجرؤ على مواجهة الصهاينة وتدعوهم إلى الوقف الفوريّ لعدوانهم على أرض الإسراء.

ولا عجب أن يكون لأهل اليمن حظّ وافر وشرف كبير في نصرة الإسلام وشدّ أزر المرابطين، وهم الذين بُشّر النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- بأنّهم سيكونون مددَه وظهره، فعن أبي أمامة –رضـي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله استقبل بي الشام، وولّى ظهري اليمن، وقال لي: يا محمد، إني جعلت لك ما تجاهك غنيمة ورزقاً، وما خلف ظهرك مدداً” (أخرجه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الجامع)… ولا عجب أن ينتخي أهل اليمن وينتفضوا لنصرة راية الحقّ في الأرض المقدّسة آخرَ الزّمان، وهم الذين انطلقوا أوّلَ الأمر لدحر المرتدّين، ثمّ كانوا القوة الضاربة لجيوش الفتح، ووطئت أقدامهم الراسخة بلاد فارس، وقد سجّلت كتب التاريخ أنّ غالب جند المسلمين في معركة القادسية ضدّ الفرس كانوا من أهل اليمن، وكانت قبيلة بجيلة اليمينة يومها تمثّل وحدها ربع المجاهدين… وكان لهم دور مهمّ في معارك المسلمين ضدّ الرّوم، وفي فتح بلاد السّند، وأبلوا بلاءً عظيما في فتوح شمال أفريقيا وفي معركة بلاط الشهداء جنوب فرنسا.

لقد كان النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- لا يكاد يدّخر مناسبة يجري فيها الحديث عن نصرة الإسلام إلا أشار فيها إلى فضل أهل الشّام وأهل اليمن، بل قد كان ينهر كلّ من أراد أن يعلي على أهل الشام وأهل اليمن قوما آخرين. ومن أمثلة ذلك أنّه –عليه الصّلاة والسّلام- كان في يوم من الأيام يعرض خيلاً، وعنده عيينة بن حصن الفزاري، فقال له النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “أنا أفرس بالخيل منك”. فقال عيينة: وأنا أفرس بالرجال منك! فقال له النبي: وكيف ذاك؟ قال: خير الرجال رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم، جاعلين رماحهم على مناسج خيولهم، لابِسو البرود من أهل نجد! فقال رسول الله –صلـى الله عليه وسلم-: “كذبت، بل خير الرجال رجال أهل اليمن، والإيمان يمان إلى لخم وجذام وعاملة…..” (أخرجه أحمد، وهو في السلسلة الصحيحة للألباني).

وكثيرا ما كان النبيّ –عليه الصّلاة والسّلام- يقارن بين أهل اليمن وأهل نجد خاصّة، فكان يعلي من شأن أهل اليمن إلى العلياء وينزل أهل نجد إلى الغبراء، ومن ذلك أنّه أشار يوما نحو اليمن، فقال: “الإيمانُ يَمانٍ هاهنا. ألا إنَّ القَسوةَ وغِلَظَ القُلوبِ في الفَدَّادينَ، عِندَ أُصولِ أذنابِ الإبِلِ، حَيثُ يَطلُعُ قَرنا الشَّيطانِ في رَبيعةَ ومُضَرَ” (صحيح البخاري)، ودعا يوما قائلا: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا”، فقال بعض من معه: ونجدنا، قال: “اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا”، قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا، فقال في الثالثة: “هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان” (رواه البخاري).

والأحاديث التي يمدح فيها النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أهل اليمن ويذمّ أهل نجد من الشهرة والكثرة بمكان. وقد حاول بعض العلماء في هذا الزّمان أن يرحّلوا المقصود بـ “نجد” في تلك الأحاديث إلى نجد العراق، ولكنّ الحقيقة أنّ “نجدا” في ذلك الوقت كان المقصود بها نجد الحجاز التي منها خرجت أغلب الفتن التي عصفت بالأمّة، على رأسها فتنة الردّة، وحتى الخوارج كان مبدأ كثير من رؤوسهم من تلك المنطقة!

وأيا يكن الأمر، فاليمنيون في أيامنا هذه، يقفون -في مجملهم- في صفّ راية الحقّ في فلسطين، ما جلب لهم عداوة الصهاينة والأمريكان، وقد كان في وسعهم أن يطلبوا السّلامة كما طلبها غيرهم، أو يقصدوا مصلحة بلدهم الاقتصادية في كنف الرضا الصهيو-أمريكيّ، لكنّهم أبوا كلّ ذلك، واختاروا الوقوف في صفّ الحقّ، وأثخنوا –كعادة أجدادهم- في الكافرين المعتدين، وتحمّلوا الحصار والتجويع والترويع الممارس ضدّهم.

إنّه لا يجوز لنا، نحن المسلمين، في مثل هذه الأيام، أن ننساق خلف الدعايات التي تحرّضنا على لعن اليمنيين، فاللعن يجب أن يتوجّه إلى الكفّار المعتدين من صهاينة وصليبيين، عملا بوصية النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-؛ فقد روى الهيثميّ في “مجمع الزّوائد” أنّ رجلا قال: يا رسول الله العن أهل اليمن! فإنّهم شديدٌ بأسُهم كثيرٌ عددُهم حصينةٌ حصونُهم! فقال النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “لا”، ثُمَّ لعن رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الأعجميِّين فارس والرُّوم، وقال: “إذا مرَّ بكم أهلُ اليمنِ يسوقونَ نساءَهم، ويحمِلونَ أبناءَهم على عواتقِهم؛ فإنَّهم منِّي وأنا منهم”.

ليس يلزمنا في أيامنا هذه أن ننساق خلف الروايات التي تصف أهل اليمن بأنّهم حوثيون رافضة يسبّون الصّحابة ويطعنون في عرض النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، فمثل هؤلاء السبابين لا يمثّلون غالبية من ينصر غزّة ويقف في وجه المشروع الصهيو-أمريكيّ… وحتى لو كانوا كلّهم شيعة حوثيين، فإنّ منطق الدّين والعقل يفرض على الأمّة أن تنكر شذوذاتهم وتدعوهم إلى تصحيح أخطائهم، وتعتدّ في المقابل بإسلامهم وترفض السّماح للصهاينة والصليبيين بحصارهم وتجويعهم ودكّ أرضهم.

ولعلّ الموقف الجزائريّ الذي يرفض الدخول في حرب ضدّ أيٍّ من الأطراف المتقاتلة في اليمن، ويدعو إلى الحوار والمصالحة الوطنية، ويعتبر الحوثيين طرفا أساسيا في المعادلة السياسية اليمنية، هو الموقف الأصوب في مثل هذه المرحلة التي يتداعى فيها العالم الظّالم إلى إسكات كلّ صوت من شأنه أن يزعج الصّهاينة ويؤخّر مشروعهم الذي يبتدئ من القدس وينتهي عند مكّة والمدينة!

مقالات ذات صلة