الرأي

لا حديقة خلفية ولا غابة.. بل قوة صاعدة!

محمد سليم قلالة
  • 158
  • 0

يُصرح ساسة وقادة عسكريون أوروبيون بين الحين والآخر بشأن أمن بلدانهم معتبرين إفريقيا وغرب آسيا تارة حديقة خلفية لسياساتهم الزمنية، وأخرى غابة تحتاج إلى تدخلات منهم لتنظيمها  وترويضها والتحكم فيها لكي تبقى الحديقة آمنة! هكذا قال “جوسيب بوريل” (الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي السابق) في 13 أكتوبر 2022 بمدينة “بروج” البلجيكية: “إن أوروبا حديقة، ومعظم بقية العالم عبارة عن غابة، والغابة يمكن أن تجتاح الحديقة!” ومنذ يومين، صرح “مارك روته” Mark Rutte الأمين العام للحلف الأطلسي في معرض حديثه عن مضيق هرمز وباب المندب أن على أوروبا ألا تنتظر الولايات المتحدة الأمريكية تدافع عن حديقتها الخلفية، معتبرا أن مساهمة القواعد الأوروبية في الحرب على إيران بانطلاق 5000  طلعة من قواعدها العسكرية، غير كافية، وعلى أوروبا أن تبني قدرات جوية وبحرية قادرة على تنفيذ وقيادة مثل هذه العمليات لحماية أمنها وخطوط ملاحتها وأن لا تكتفي بمساندة الأمريكيين الذين لا يُعتبر الشرق الأوسط حديقتهم الخلفية!

هل نحن أمام خطاب كولونيالي جديد؟ أم  أن أوروبا باتت اليوم تعترف أنها بنت أمجادها وجعلت حديقتها زاهية نتيجة استغلال القارتين الإفريقية والآسيوية، وأنه ينبغي منع بقية الدول من امتلاك قدرات دفاعية تمنعها من أن تسلك السلوك الإيراني واليمني والصمود في وجهة سياسة الهيمنة بالقوة بدل التعاون المتبادل الذي يحقق مصالح جميع الأطراف؟

يبدو بالفعل أننا اليوم أمام واقع جيواستراتيجي جديد ينبئ بأن القوى الاستعمارية التقليدية أصبحت تفكر في العودة إلى أشكال جديدة من الهيمنة لتمنع ما تسمّيه “الغابة” من بناء قدراتها الدفاعية ومنعها من استغلالها كما كانت تفعل في حقبة الاستعمار التقليدي.

لقد بات بناء قدرات دفاعية مستقلة لبعض دول الجنوب يقلق من لم يتخلصوا بعد من النظرة الاستعلائية الأوروبية التي ما فتئت تنظر لبقية العالم وكأنه الأطراف لمركز، هم أسياده بلا منازع وينبغي أن يبقوا كذلك.

ولعلهم باتوا اليوم قلقين بعد أن فشلت محاولة الهيمنة من قبلهم على بقية العالم  من خلال تصدير الديمقراطية باعتبارها “نهاية التاريخ”، فطرحوا على لسان “مارك روته” بديل “عسكرة المحيط الجغرافي” من قبل الأوروبيين بدل انتظار الولايات المتحدة تفعل ذلك وتفشل كما يحدث الآن! ليقولوا: أن هذه “الغابة” التي لم تخضع بالوسائل المرنة رغم كافة المحاولات، ينبغي أن تخضع من خلال الوسائل الصلبة أي القوة!

وكأننا اليوم، ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين، نعيش المنطق ذاته الذي ساد العالم بداية القرن التاسع عشر وأدى إلى موجة الاستعمار التقليدي الذي دام أكثر من قرن ونصف القرن من الزمن ومازالت آثاره إلى اليوم ظاهرة للعيان. في القرن التاسع عشر، بدأ الشعار بالرسالة التمدينية للغرب تجاه الشرق وانتهى المطاف بالغزو والاستعمار، ومع بداية القرن العشرين، تم استبدال الرسالة التمدينية بالديمقراطية ويخططون اليوم لينتهي بهم المطاف إلى غزو جديد ليس فقط لإيران بحجة تحرير الملاحة بمضيق هرمز (الذي كان مفتوحا بالأساس)! وليس فقط بباب المندب والقرن الإفريقي، إنما إلى بقية القارة الإفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية!

شيء واحد يبدو أنهم لم يدركوه أن دول الجنوب، وقد تحولت الكثير منها إلى قوى صاعدة بمقدرات دفاعية عالية اليوم، ما زالت تتذكر مقولة الجنرال الفيتنامي جياب: “الاستعمار تلميذ غبي، لا يستوعب الدروس ولا يتعلم إلا بالضربات”، وأن ضرباتها اليوم أصبحت أقوى لمن أراد أن يتعلم الدرس مرة أخرى، وإيران أمامكم!

مقالات ذات صلة