الجزائر
حظر الممارسات التعسفية وتشديد على الاستفسار والتبليغ تفاديا للنزاعات

لا خصم من مرتبات مستخدمي التربية إلا بشروط !

نشيدة قوادري
  • 13156
  • 0
ح.م

أثارت مذكرة إدارية جديدة أصدرتها مديريات تربية للولايات جدلاً واسعاً داخل القطاع، بعد أن حذرت مصالحها المختصة من اللجوء إلى الخصم من رواتب المستخدمين، من دون الالتزام بتطبيق الإجراءات الإدارية المعمول بها قانونا والمتمثلة أساسا في اللجوء إلى استفسار المعنيين ثم المرور لتبليغهم، وذلك لأجل المحافظة على حقوقهم كاملة غير منقوصة، حتى يتسنى لهم ممارسة مهامهم وتحمّل مسؤولياتهم في أريحية من دون ضغوطات.
وفي الموضوع، أفادت مصادر “الشروق” أن المذكرة التي وجهتها مديريات تربية لبعض الولايات، بتاريخ 30 نوفمبر الفائت، إلى مديري الثانويات والمتوسطات ومفتشي الإدارة للمدارس الابتدائية، قد جاءت في سياق متصاعد من الشكاوى الميدانية حول خصم مبالغ مالية من أجور الموظفين من دون تبليغ مسبق أو من دون استيفاء المسار القانوني.
وإلى ذلك، أبرزت مصادرنا أنه رغم أن ظاهر المذكرة ذاتها يوحي بتعزيز الشفافية والمساءلة الإدارية، إلا أنها طرحت في المقابل تحديات إضافية أمام رؤساء المؤسسات التربوية ومصالح الرواتب، الذين أصبحوا مطالبين بتطبيق إجراءات إدارية دقيقة قبل وبعد تنفيذ أي اقتطاع، بما يضمن حقوق الموظف المالية ويحدّ بذلك من أي تجاوزات.

أربع ركائز تنظّم المسار الإجرائي للاقتطاعات
ومن هذا المنطلق، لفتت ذات المصادر إلى أن المذكرة قد تمحورت حول حزمة من الإجراءات الإدارية الأساسية، والتي وُصفت داخل المؤسسات التربوية بأنها محاولة لسدّ “ثغرات قانونية” طالما أفرزت تنازعات ونزاعات بين الإدارة والموظفين، بحيث حثّت على ضرورة العمل في شفافية تامة، وذلك من خلال السهر على تفعيل كل الإجراءات الإدارية المنظمة للاقتطاع من المرتبات، بما في ذلك إشعار الموظف مسبقاً بالخصم، وتبليغه به رسمياً بعد تنفيذه، مع تدوين ذلك في استمارته.
بالإضافة إلى ذلك، فإن رؤساء المؤسسات التعليمية مطالبون وجوبا بأهمية الانخراط على نطاق واسع في مسعى إبلاغ الموظف بالتقييم، مع ضرورة تسليم الموظفين بطاقة تقييم منحة الأداء التربوي وورقة النقطة الإدارية للاطلاع والتوقيع، باعتبارهما وثيقتين أساسيتين في احتساب الأجر والمنح، وبما يضمن نزاهة العملية التقييمية.
وعلاوة على ذلك، فإن المديرين على مستوى مؤسساتهم التربوية ملزمون أيضا بعرض وثيقة الاقتطاع من الراتب على الموظف للإطلاع المسبق والتوقيع، ما يشكل ضمانة فعلية للحد من الخصومات غير المبررة أو التقديرات العشوائية.
كما توصي المذكرة بالتأشير على وثائق الموظفين وإرسالها للوصاية بعد الإطلاع عليها، مع التأكيد على عدم حجب أي وثيقة تتعلق بالحقوق، حتى يتمكنوا من أداء مهامهم على أساس ملفات إدارية واضحة ومفتوحة من جهة ومن جهة ثانية لأجل ضمان حماية الوثائق والحقوق.

هل تسدّ المذكرة الثغرات؟
وفي هذا الإطار، لفتت مصادرنا إلى أنه بينما تعتبر مديريات التربية للولايات هذه المذكرة الإدارية “إطاراً قانونياً تصحيحياً”، يهدف إلى حماية الموظف من الاقتطاعات غير المبررة وتفعيل تطبيق النصوص القانونية بدقة، يطرح العديد من مديري المؤسسات التربوية ومفتشي الإدارة للمدارس الابتدائية تساؤلات بشأن الأعباء الإضافية التي قد يولدها هذا الإجراء.
فحسب آراء متداولة ميدانياً، فإن المذكرة – رغم إيجابياتها – قد تؤدي إلى تضخم في المعاملات الإدارية، إذ تتطلب معالجة كل اقتطاع ضمن ملف كامل من الوثائق والإشعارات، وهو ما يستدعي وقتاً وجهداً في مؤسسات تعليمية تعاني أصلاً من ضغط مهني كبير.
ومن جهتهم، رحب مفتشون بهذا الإجراء، حيث أبرز مفتش التربية الوطنية (ق.م) قائلا: “المذكرة خطوة مهمة في تكريس حقوق الموظفين، لكن نجاحها مرهون بإرفاقها بآليات رقمية للإبلاغ والإمضاء الإلكتروني، حتى لا يتحول كل اقتطاع إلى عبء إداري ضخم”.

النتائج المتوقعة: ضبط أكبر.. ومساءلة أشد
وبناء على ما سبق، فإن هذه المذكرة تأتي في ظل ارتفاع مستوى الوعي القانوني لدى الموظفين، وتزايد شكاوى الخصم غير المبرر، سواء تعلق الأمر بالغيابات أو الإضراب أو مستحقات مالية متراكمة.
ومن بين النتائج الإيجابية المنتظرة هو تحسين الرصد والإحصاء الوطني لحالات الاقتطاع وأسبابها، إلى جانب تعزيز حق الموظف في الطعن في أي خصم يتم من دون تبليغ أو من دون مسوغ قانوني، فضلا عن تسليط الضوء على مسؤوليات المديرين في احترام النصوص الإجرائية والتبليغ الكتابي.
ومع تفعيل هذه الإجراءات الإدارية قد تتراجع حالات النزاع بين الموظفين والإدارة، مقابل ارتفاع منسوب المساءلة الإدارية في حال مخالفة التعليمات الجديدة.

مسؤولية مشتركة لتجنب التوترات
وختاما، فإن المذكرة الإدارية الخاصة بالاقتطاعات، تعيد التأكيد على ضرورة الالتزام الصارم بالقانون، واحترام حق الموظف في الإشعار والتقييم والإطلاع على ملفه المالي.
ولإنجاح هذا التوجه، يتوجب على المؤسسات التربوية تعميم الإطلاع لضمان أن كل موظف يطّلع ويوقّع على بطاقات التقييم ووثائق الخصم، بالإضافة إلى السهر على تخصيص دورات تكوينية لفائدة مصالح الرواتب حول الإجراءات الجديدة واللغة القانونية الملائمة، إلى جانب العمل على تعزيز الشفافية، من خلال اعتماد وسائل اتصال رسمية ودورية مع الموظفين حول كل ما يتعلق براتبهم.
وبالتالي، فإن تطبيق المذكرة بروح مسؤولة، بعيداً عن التعقيد والانتقائية، سيساهم في تخفيف التوتر داخل القطاع ويحمي الحقوق المالية للموظفين، ويفتح الباب أمام إدارة أكثر فعالية وانسجاماً مع متطلبات التسيير الحديث.

مقالات ذات صلة