-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تكشف من الصين حلول ذكية غيّرت حياة 1.4 مليار نسمة:

لا كيس نقود… لا ازدحام… لا بيروقراطية!

إيمان كيموش
  • 318
  • 0
لا كيس نقود… لا ازدحام… لا بيروقراطية!

لم يعد الصينيون بحاجة إلى محفظة نقود في الكثير من معاملاتهم اليومية، بعدما تحولت بلادهم إلى واحدة من أكبر تجارب الدفع عبر الهاتف في العالم، تقودها منصتا “علي باي” و”ويشات باي” اللتان جعلتا شراء وجبة أو قارورة ماء من متجر صغير، وتسديد ثمن المشتريات وتحويل الأموال، يتم في ثوان عبر مسح رمز إلكتروني أو ضغطة على الشاشة، بدأت الرحلة مع “علي باي” أواخر عام 2004، ثم اتسعت مع انتشار الهواتف الذكية، قبل أن يمنح “ويشات باي” الدفع الرقمي دفعة قوية منذ عام 2013، مستفيدا من ارتباطه بتطبيق يستخدمه الصينيون في التواصل وتبادل الرسائل، حيث صار الهاتف يؤدي وظيفة المحفظة في عدد كبير من المعاملات، في تجربة تطرح سؤالا يتجاوز التكنولوجيا إلى مستقبل التعاملات المالية، وما الذي يمكن أن تستفيد منه الجزائر وهي تتجه نحو توسيع الدفع الإلكتروني وتقليص الاعتماد على السيولة النقدية، بل وأقرت إجراءات جديدة لتعميمه عبر مشروع قانون المالية لسنة 2027 الموجود حاليا على طاولة البرلمان.

في الأيام الأولى لوصولنا إلى الصين، في إطار إقامة تدريبية وتبادل صحفي ينظمه المركز الصيني الدولي للتبادل الصحفي، كنت أحرص على وضع النقود في حقيبتي قبل الخروج، كما أفعل كلما وصلت إلى بلد جديد، إلى أن بدأت أكتشف أن بعض الأشياء التي نعتبرها ضرورية في دول أخرى لا تحضر هنا بالطريقة نفسها في يوميات كثير من الناس، إذ يتعامل الصينيون مع الهاتف أكثر مما يتعاملون مع محفظة النقود، يفتحون “ويشات” للتواصل مع زملائهم وأصدقائهم، ثم يستخدمونه في الدفع وتبادل المعلومات وإنجاز أمور أخرى، وبعد أيام قليلة، أدركت أنا وكافة الوفد الصحفي الذي قدم إلى بكين من دول مختلفة أن النقود التي أعددناها تحسبا للطوارئ ليست ضرورية في عدد كبير من المواقف اليومية، لأن الهاتف أصبح مقبولا لدى شريحة واسعة من التجار ومقدمي الخدمات، وبات استخدامه في الدفع أمرا عاديا لا يحتاج إلى شرح أو استغراب.

كنا نفكر في ذلك كلما تذكرنا عدد المرات التي يحتاج فيها الإنسان إلى النقود، وإلى البحث عن الفئات المناسبة وانتظار الباقي، ثم أعود إلى السؤال الذي يهمني كصحفية جزائرية، ما الذي يمنع أن تصبح هذه السهولة جزءا أكبر من حياتنا نحن أيضا؟ لقد قطعت الجزائر خطوات في هذا المجال، لكن إطلاق تطبيق لا يكفي لتغيير عادات استقرت سنوات، فالهاتف لا يدفع وحده، وإنما يحتاج إلى خدمات تعمل، وتجار يقبلون الدفع الرقمي، وشبكات موثوقة، وقواعد تحمي أموال الناس وبياناتهم، مع توفير بديل لمن لا يستطيع استخدام الهاتف.

وقد نبهنا أحد الأساتذة الصينيين الذين يدرسوننا بجامعة رنمين في بكين إلى ضرورة الحذر من الروابط المشبوهة، خصوصا في زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرا على تركيب صور تحاكي ملامح الأشخاص وتقليد أصواتهم، فلم يعد الصوت الذي نسمعه أو الوجه الذي نراه دليلا كافيا دائما على هوية المتحدث، ومن هنا، لم يعد الدفع الإلكتروني مسألة تقنية فقط، بل مسألة ثقة وأمان، ومعرفة أن المال لن يضيع بسبب خلل وأن البيانات لن تصبح في متناول من لا يحق له استخدامها.

من محلات الأحياء إلى تريليونات اليوانات

لم يكن انتشار الدفع الإلكتروني في الصين، التي يتجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، مجرد نتيجة لتطور التكنولوجيا، بل جاء أيضا استجابة لحاجة يومية إلى تسهيل المعاملات وتقليص الوقت والجهد، فقد أتاحت منصتا “علي باي” و”ويشات باي” للتجار، بمن فيهم أصحاب المحلات الصغيرة، استقبال الأموال عبر رموز إلكترونية لا تتطلب تجهيزات مصرفية مكلفة، وساهم انتشار إرسال الأموال في المظاريف الحمراء الرقمية خلال احتفالات السنة الصينية الجديدة عام 2014 في تعريف أعداد أكبر من المستخدمين بالخدمة.

وتكشف الأرقام حجم هذا التحول، إذ تشير بيانات بنك الشعب الصيني إلى أن البنوك نفذت خلال عام 2024 نحو 210.98 مليار عملية دفع عبر الهاتف المحمول، بقيمة إجمالية بلغت 563.7 تريليون يوان، فيما عالجت مؤسسات الدفع غير المصرفية نحو 1.34 تريليون عملية دفع عبر الإنترنت بقيمة 331.68 تريليون يوان، وهي فئة إحصائية منفصلة عن المدفوعات المصرفية عبر الهاتف، كما تجاوز عدد المستخدمين النشطين شهريا لتطبيق “ويشات” ونسخته الدولية 1.4 مليار مستخدم عالميا مع نهاية الربع الأول من عام 2026، وفق الشركة المطورة، فيما تخطى متوسط المدفوعات التجارية عبر “ويشات باي” مليار عملية يوميا منذ الربع الأخير من عام 2019، ولا تعني هذه الأرقام أن جميع مستخدمي “ويشات” يستخدمون خدمة الدفع أو أن كل هذه العمليات تتم داخل الصين.

ولم يقتصر نجاح التجربة على سهولة الدفع، بل ارتبط باتساع قبول التجار لهذه الوسيلة وانتشارها بين المواطنين، إذ كلما زاد عدد المحلات التي تقبل الدفع بالهاتف، أصبح استخدامها أكثر فائدة للمستهلك، وأظهرت دراسات تناولت الأسر الريفية الصينية أن الدفع عبر الهاتف يمكن أن يساعد على زيادة الإنفاق الاستهلاكي من خلال تسهيل المعاملات وتحسين الوصول إلى الخدمات المالية، مع اختلاف النتائج بحسب ظروف الأسر والمناطق، ومع ذلك، لم يؤد هذا التحول إلى الاستغناء الكامل عن الأوراق النقدية، إذ ما زالت السلطات الصينية تؤكد على ضرورة ضمان قبول النقد وتوفير وسائل الدفع لمن لا يستطيعون استخدام التطبيقات، خصوصا كبار السن وبعض الزوار الأجانب.

عند الخامسة صباحا… لا تنتظر المدينة أن يستيقظ الجميع

في حديث أساتذتنا عن الصينيين، توقفت عند ملاحظة أنهم يميلون إلى النوم باكرا والاستيقاظ باكرا، وبدأت أفكر فيها بطريقة مختلفة عندما ربطتها بإيقاع الحياة في بكين، فعند الخامسة صباحا يكون بعض الناس قد خرجوا إلى الحدائق لممارسة الرياضة، ويبدأ آخرون يومهم استعدادا للعمل، بينما تستعد وسائل النقل لاستقبال الركاب، لا يعني ذلك أن بكين مدينة تنام كلها باكرا، لكن الصباح يمنح فرصة لمشاهدة جانب من حياة الناس قبل أن تزدحم الطرقات وتبدأ ساعات العمل، والتفكير في كيفية تدبير حياة هذا العدد الكبير من السكان.

في بكين، يوفر المترو وسيلة مهمة للتنقل، وتكمل الحافلات جزءا من الشبكة، بينما تساعد الدراجات الهوائية والكهربائية على قطع المسافات القصيرة، وتستفيد بعض الحافلات من مسارات مخصصة تساعد على تحسين حركتها، ومع ذلك، لا تختفي الزحمة، ولا يصبح المترو الخيار الأفضل لكل رحلة، فأحيانا يكون اختيار الطريق أهم من اختيار وسيلة النقل نفسها، وأحيانا يكون الخروج مبكرا أكثر فاعلية من قضاء الوقت في الاختناق المروري.

وهذا ما يجعلنا نتوقف عند طريقة التفكير في الازدحام في الجزائر، فكثيرا ما ينصب الحديث على السيارات التي تملأ الطرقات، بينما يستحق السؤال أن يتسع ليشمل البدائل المتاحة أمام أصحابها، هل يستطيع الموظف الاعتماد على حافلة يمكن توقع موعد وصولها؟ وهل ترتبط الأحياء الجديدة بشبكة نقل تسمح للسكان بالوصول إلى أماكن العمل والخدمات؟ حين لا يجد المواطن بديلا موثوقا، تصبح السيارة ضرورة حتى لو كانت الرحلة قصيرة، وحين تتوفر شبكة نقل متكاملة يصبح الاختيار ممكنا، لذلك لا يتمثل الدرس في أن الناس يستيقظون مبكرا فحسب، بل في أن إدارة حركة المدينة تبدأ بالتخطيط للخدمات وتوزيع وسائل النقل.

ولفتت الأستاذة أيضا إلى قواعد الدراجات الكهربائية وارتداء الخوذة للحد من الحوادث، ويمكن أن تتدرج إجراءات الرقابة بحسب القواعد المحلية من التنبيه إلى الغرامة ثم تدابير أشد في بعض الحالات، ولا يمكن تعميم إجراء واحد على جميع المدن الصينية، لكن انتشار وسيلة نقل جديدة يستدعي قواعد واضحة للسلامة، فالطريق يجمع سائق السيارة والحافلة وراكب الدراجة والمشاة، وإذا توسع استخدام الدراجات من دون مراعاة سلامة الآخرين، فقد تتحول الوسيلة التي توفر الوقت إلى مصدر خطر، وفي المقابل، لا تكفي العقوبة وحدها إذا كانت الطرقات غير مهيأة أو كانت القواعد غير واضحة للمستخدمين.

بصمة الوجه في محطات القطار والمترو

في محطات القطار، يتعرف الزائر إلى جانب آخر من الحياة الرقمية، إذ يمكن أن تتيح بعض أنظمة النقل التحقق من هوية المسافرين عبر التعرف على الوجه لتسريع الدخول وإجراءات العبور، لكن ما يستحق الانتباه ليس سرعة المرور وحدها، بل ما يحدث عندما تصبح بيانات الإنسان جزءا من منظومة الخدمة، فالوجه ليس بطاقة يمكن استبدالها إذا فقدناها، لذلك، كلما توسع استخدام تقنيات التعرف على الوجه، ازدادت أهمية معرفة حدود استخدامها والجهات التي تستطيع الوصول إلى البيانات والضمانات التي تحميها.

وقد لاحظنا شعورا بالاطمئنان في أماكن عامة كثيرة خلال إقامتنا، وهي ملاحظة شخصية لا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل عن الأمن في الصين، لكن التنظيم حاضر في تفاصيل كثيرة من الحياة العامة، وما ينبغي الانتباه إليه هو أن الراحة والخصوصية ليستا بالضرورة نقيضين، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تسهل الدخول والتنقل، لكن نجاحها ينبغي أن يقاس أيضا بقدرتها على احترام حقوق الأشخاص الذين يستخدمونها.

شكوى تصل إلى المسؤولين بسبب البيروقراطية… ماذا يحدث بعدها؟

من الأمور التي شرحها لنا الأساتذة في الجامعة وجود قنوات لتلقي الشكاوى والملاحظات داخل مؤسسات وهيئات صينية، ومنها الجامعات، حيث يمكن تخصيص صندوق بريد أو وسيلة إلكترونية لإيصال الانشغالات إلى المسؤولين، فكم من مشكلة لا تبدأ من غياب الحل، بل من عدم معرفة الشخص أين يذهب، ومن المسؤول عن ملفه، وكيف يستطيع أن يثبت أنه تقدم بطلب أو شكوى؟ في بعض المؤسسات، يمكن استخدام أدوات رقمية للمساعدة على صياغة الشكاوى وتصنيفها، وقد يسهم الذكاء الاصطناعي في تنظيم الرسائل وتوجيهها إلى الجهات المختصة، كما تستخدم مؤسسات مختلفة مؤشرات الأداء لقياس نتائج العمل ومتابعة تحقيق الأهداف، لكن السؤال الأهم يتعلق بما يحدث بعد تقديم الشكوى، هل يعرف صاحبها أين وصلت؟ وهل يحصل على رد؟ وهل تتغير الإجراءات إذا كشفت عن خلل متكرر؟ فوجود هذه القنوات لا يعني تلقائيا أن كل شكوى تحل أو أن كل مسؤول يحاسب، إذ يحتاج تقييم فعاليتها إلى معرفة آليات المتابعة والنتائج الفعلية.

وهنا مجال للاستفادة في الجزائر، حيث يمكن للرقمنة أن تقلص التنقل بين المكاتب وتسمح بتتبع الملفات والشكاوى، بشرط ألا نكتفي بنقل الإجراءات الورقية إلى شاشة، فإذا كان المواطن يحتاج إلى الوثائق نفسها، وينتظر المدة نفسها، ولا يعرف الجهة التي تتولى مشكلته، فإن البيروقراطية لم تختف، بل تغير شكلها فقط، فالإدارة التي توفر الوقت ليست تلك التي تملك أكثر التطبيقات، وإنما تلك التي تجعل المواطن يعرف ما المطلوب منه، ومن يتولى معاملته، ومتى يستطيع الحصول على جواب.

بعد أكثر من أربعين يوما في الصين، أدركنا أن ما يستحق أن تنقله الجزائر فعلا هو القدرة على تحويل التكنولوجيا والتنظيم إلى تفاصيل تجعل حياة الناس أسهل، فالصين ليست وصفة جاهزة، لكن وراء تجربتها دروسا تبدأ من أبسط معاملة يومية، وقد تصنع الفارق الأكبر في حياة المواطن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!