الرأي

لا ملائكة ولا شياطين

صالح عوض
  • 2321
  • 0

الضجة التي أثيرت حول حزب الله اللبناني ألقت من جديد بمشكلة إضافية في الساحة الإسلامية والعربية. والخطورة هذه المرة أنها أصبحت قضية تناقش على أعلى مستوى، وأصبح على الدول والأحزاب اتخاذ موقف من المسألة: من هو مع الموقف الخليجي؟ ومن هو ضده؟ ونشأ نوع من الاصطفاف المكلف الذي يستدعي حملاتٍ إعلامية وجهوداً دبلوماسية لتبرير موقفٍ دون سواه.

لقد تمادى خصوم “حزب الله” من العرب والمسلمين في معاداته وإلصاق التهم به، ولعله من الواضح أن عنصرا مهما يسهم في تشكيل الموقف المعادي له؛ إنه الرأي المذهبي الخاص المتمثل في الوهابية. وهو موقف لا يعادي فقط الشيعة، بل تمتد خصوماته العنيفة ضد الصوفية والأشاعرة والإخوان المسلمين والمعتزلة والخوارج… ويرميها بتهم قاسية من التكفير إلى التفسيق إلى الزندقة والبدع.. وعلى هذا، فإن الموقف المذهبي الوهابي لا يقف عند حدود حزب الله اللبناني.. إلا أن الأمر تجاوز الاختلاف المذهبي ليصل إلى توصيفات سياسية بأن تلصق تهمة الإرهاب بالحزب.

من المهم هنا توضيح أن الاختلافات المذهبية تدور في دائرة ينبغي ألا تخرج منها؛ إنها دائرة التأويل والأفهام المختلفة للنصوص والمدارك المختلفة في التعاطي مع النقل.. وعلى هذا، فإن كل ما هو موجود في ساحة المسلمين اليوم من اجتهادات ومذاهب إنما هو محاولات لفهم الإسلام والالتزام به. وقد يصيب هذا الفريقَ شططٌ وقد ينتاب ذلك الفريق غفلة، ولكن في كل الأحوال، فإن الجميع يندرج تحت عنوان أمة القرآن.. والاختلاف موجود وسيستمر وسوف يتعدد داخل المذهب الواحد، وستتولد مذاهب جديدة لتقدم تفسيرات إسلامية لتحديات لم تكن من قبل.. وفي هذا كله لا يوجد بيننا من يستطيع ادعاء أنه على الحق المطلق في باب التأويلات والتفسيرات والاجتهادات، كما لا يستطيع أحد أن يتهم المختلِف معه في التأويل بأنه شيطان رجيم.

ولكن هناك دائرة من القضايا ينبغي أن تتوحد فيها الأمة ولا يجوز أن تفترق لأن الافتراق فيها يعني الهلاك والفتنة العمياء.. أول هذه الدوائر هو ضرورة تحديد من هو العدو؟ فكما أن على الوهابية التحرر من الحدة والتعنت في وسم مخالفيها بالكفر والزندقة، فإن على الشيعة ألا يعتبروا الوهابية عدوا مهما بلغت الخصومة والصراع، تجسيدا لقول الإمام علي كرم الله وجهه عندما سئل عن الخوارج الذين يقاتلونه: “إنهم إخواننا بغوا علينا”.. وعلى المسلمين جميعا أن يدركوا أن لهم عدوا واحدا هو ذلك الذي يريد أن يمزق رسالة القرآن وينتهك حرمات الإسلام ويستعبد المسلمين وينهب ثرواتهم ويمزق أمنهم وديارهم.. العدو الواحد هو قيادة الاستعمار العالمي الذي يخطط وينفذ مشروعا متكاملا لتفتيت بلداننا.. وقاعدة الاستعمار الغربي تتمثل في الكيان الصهيوني.

حزب الله اللبناني حركة إسلامية مقاومة يتفق معها المسلمون جميعا في قتالها ضد الكيان الصهيوني ودعمها للمقاومة الفلسطينية، ولكن هناك مواقف أخرى للحزب يتفق معه فيها بعض المسلمين ويختلف البعض، والمسألة هنا تعتمد على تقدير الموقف وحسابات الخطورة، ويمكن تقريب وجهات النظر فيها بمزيد من شرح الوقائع وإظهار المخاطر.. ولكن في ظل الاتفاق أو الاختلاف بخصوص وجهات نظرنا إلى مسائل داخلية، فإن العدو الخارجي يظل ماثلا أمامنا فنتوحد على مقاومته..

حزب الله اللبناني حركة بشرية تصيب وتخطئ، وتقديسها عبثٌ وغلو، ولكنها أيضا حركة مقاومة قاتلت وتُعِدّ للقتال وتدعم جهودا جبارة في الداخل الفلسطيني ضد العدو الصهيوني. لهذا، فإن شيْطنتها لا تخدم إلا المخطط الاستعماري ولا تزيد الساحة الإسلامية إلا ارتباكا وفتنة.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة