جواهر
كانت ستحضر رفقة كاتبات عربيات إلى قسنطينة ..غادة السمان

لطالما أنشدت “قسما” ورددت “جميلة”.. حب الجزائر استثنائي

جواهر الشروق
  • 4153
  • 1

خص رئيس مؤسسة “البيت” جريدة “الشروق” بهذا الملف الذي كان من المفترض أن يصدر في كتيب إعلامي / تكريمي لكلمات خاصة من الأميرة ريم علي، الشاعرة سعاد الصباح، الروائية غادة السمان، والفنانة نضال الأشقر، بمناسبة ملتقى حول: “المرأة.. الحرية والإبداع قرن ما بعد” المندرج ضمن تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015، كان سيتزامن مع الاحتفالات بعيد المرأة المصادف للثامن مارس 2016، ولكن لم يتم عقده في هذا التاريخ لأسباب تنظيمية، وقد طلبت مؤسسة “البيت” تأجيله من طرف الهيئة الوصية أي وزارة الثقافة التي التزمت بإقامته، ولحد الآن لم يرد أي شيء بشأن ذلك.

 

الروائية السورية غادة السمان  

أحبائي في الجزائر لا تخافوا.. لن أطيل وأضجركم

أكتب شاكرة لكم دعوتكم لي إلى الملتقى العربي في الجزائر حول: “المرأة.. الحرية الإبداع / قرن ما بعد”.. والمقام في قسنطينة عاصمة للثقافة العربية 2015، وشاكرة لكم رغبتكم في منحي التكريم الذي يشرفني أن أقبله من وطن ألهم العرب كلهم بنضاله وعاصمة من عواصم قلبي الغالية علي على نحو استثنائي    . 

وأنا هنا لا أخط كلاما تقليديا من قبيل ثرثرة المناسبات، بل أدعم قولي بحقيقة أبجدية ففي كتابي القصصي الأول: “عيناك قدري” الصادر من سنوات طويلة كرست قصتين للنضال الجزائري هما: “مغارة النسور”، و”براري شقائق النعمان”.. ولطالما أنشدت مع الشاعر “وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.. فاشهدوا” ورددت: “جميلة أبية شجاعة قوية”.. وختمت بالإنشاد “وظنوا جميلة لا يولد سواها.. كلنا جميلة.. كلنا فداها.. وهكذا فصلتي بوطنكم الرائع ليست موسمية ولا وليدة مناسبة أو ملتقى.. ومنذ ألف عام وأنا أطير بأجنحة أبجديتي وبأشواقي إلى الجزائر.. أحلق لألثم رؤوس أشجارها وأتنهد كثبان صحرائها وأصالة مدنها وأعانق اللؤلؤ في أصداف بحارها وأقطن حارات مرجانها وأصافح كف رياحها وأقرع نوافذ قراها لأقبّل وجنات أطفالها وأقول لهم: إني أحبهم.. ولكن الأهل يظنون قرعاتي صوت الريح في بلد المليون ونصف مليون شهيد كما تعلمت اسمه في مدينتي الأم دمشق، ولطالما ارتعشت في تحليقي أمام نجوم سماء الجزائر لأنني أعرف أنها بصمات أصابع شهدائها.

في الجزائر المعاصرة توهجت المرأة بحضورها في الحقول كلها ومشاركتها في النضال والبناء المستقبلي.. وثمة علاقة شخصية أدبية تربطني بالعديد من مبدعاتها ومبدعيها من الأجيال كلها.. والمرأة الجزائرية شاركت وتشارك رفيقها المواطن في بناء مجتمع الحرية والتعددية ونبذ التعصب ورفض الإكراه والتضامن مع كل جميل ومشع وراق فيه تدرجات الألوان كلها لا الأبيض والأسود وحدهما كما يقررهما من ليس حليفا لعطاء المرأة ولعطاء الفكر الحر.

وأعترف أنني لم أستطع يوما الفصل بين نضال المرأة ورفيقها الرجل، وأعتقد أن المرأة لن تنال قضمة من رغيف الحرية إذا لم يشاركها الرجل في ذلك، وأن تحرير المرأة يقع على كاهل الذكور أيضا كما على المجتمع ولا حرية لإحداهما بدون الآخر، وهو ما يلفتني في روح الضوء الذي يسري في الجزائر.

 

الأميرة ريم علي – الأردن

التألق الثقافي ترياق للتطرف

يمثل لي هذا التكريم الكثير وأقدّر الشرف الكبير الذي منحتموني إياه. لذا أود أن أشكر مؤسسة “البيت” والشكر موصول أيضا لوزارة الثقافة الجزائرية على هذا الحفل كونهم تذكروني وأعتز أنهم يعتبرونني ممن يستحقون هذا التقدي

لقد ترعرعت وأقمت في عدة بلدان عبر قارات مختلفة.. لكن من ينتمي حقيقة لوطنه لا يضل طريقه.. فجذوري لم تأسرني على الإطلاق بل ساعدتني على أن أنفتح على العالم وأن أتعرف عليه وأفهمه وأقدر تكامل الثقافات فيه عوضاً عن تضاربها.

ومن هنا يأتي معنى عاصمة الثقافة العربية: أن نعلن لأنفسنا أولاً، ومن ثم إلى العالم، مَن نحن وما نمثله، عبر أجمل الأمور وأكثرها خلودا: ثقافتنا.

وقسنطينة هي المكان الأمثل للتذكير بقوة الثقافة العربية وبحيويتها الماضية والحاضرة إلى جانب طموحها إلى العالمية.

من سيرتا عاصمة نوميدية إلى الإمبراطورية الرومانية إلى ممالك وإمبراطوريات الأمويين والعباسيين والفاطميين والزيريين والحماديين والموحدين والحفصيين، وصولا إلى الإمبراطورية العثمانية، من مقاومة أحمد باي إلى مقاومة الولاية الخامسة، تبرز قصة مدينة متمردة ومتسامحة في آن معا.. تحافظ قسنطينة على تاريخها بشكل رائع وعلى ازدواجية هويتها الأمازيغية والعربية.. فهي فريدة وعالمية.. جزائرية الهوية ومواكبة للعالم، تعكس قسنطينة أفضل ما يمكن أن يقدمه العالم العربي: هوية متعددة مبنية على التسامح.. فمن المنطق أن تلد هذه المدينة الرائعة إسلاما إصلاحيا منفتحا – بمبادرة من الإمام عبد الحميد بن باديس – وهو الإسلام الوحيد القادر اليوم على التصدي للتطرف الدخيل على حضارتنا.

إن رسالة قسنطينة إلى العالم ليست عن الماضي، بل هي رسالة تشق طريق المستقبل الذي نتطلع إليه جميعاً في العالم العربي.

بما أن الأمر يتعلق باليوم العالمي للمرأة، أودّ أن أتحدث عن المرأة الجزائرية التي تعلمت منها الكثير: نساء ريفيات يعملن من الفجر حتى غروب الشمس ويحضرن الطعام ويصنعن الملابس وينسجن السجاد ويربين أطفالهن؛ كل هذا طيلة فترة الاحتلال وأثناء حرب التحرير الوطني إلى ما بعد التحرير.

أفكر اليوم بتلك المجاهدات اللواتي لا يجسدن تاريخ هذا البلد فحسب وإنما تاريخ العالم العربي بأسره..أفكر أيضاً بالمعلمات الجليلات اللواتي اختلطت بهن والطبيبات والكاتبات والرسامات؛ وأيضاً بالنساء اللواتي عشن في ظروف متواضعة وبقيت أسماؤهن مجهولة ممن بنين هذا البلد بعملهن في منازلهن ومؤسساتهن إما كربّات بيوت أو ككوادر في الأمة.

إرثٌ كهذا هو مصدر اعتزاز وتواضع وتحدٍ مستمر يتعين علينا النهوض به

كوني أعيش في الأردن – وهو بلد مجاور لسوريا والعراق وفلسطين -، أنا على يقين بأن مجرد البقاء هو شكل من أشكال المقاومة بالنسبة للعديد من النازحات من هذه البلدان.. كيف لي ألاّ أتأثر وألاّ تطغى عليّ مشاعر الإعجاب والاحترام والحزن تجاه تلك النساء اللاجئات اليائسات اللواتي يغامرن بأرواحهن للوصول إلى عالم مجهول على أمل أن يكون أفضل.

يشكل اليوم النساء والأطفال زهاء نصف مَن أُرغموا على النزوح في 2015.. وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة، أكثر من نصف مليون امرأة سورية نازحة حامل.. ففي الأردن الذي -إلى جانب لبنان -، يستقبل أكبر عدد من اللاجئين السوريين بالأرقام المطلقة، وبالتحديد في مخيم الزعتري الذي يحتضن ما يقارب ثمانين ألف شخص، عشر نساء يلدن يومياً بعيداً عن منازلهن وعائلاتهن وبلدهن مع انعدام تام لأي تطلعات مستقبلية.. إنها أعمال صمود وبقاء، يبدو أن النساء فقط يحملن سرّها.

من يتذكر اليوم تاريخنا الحافل بنماذج عن الرأفة؟.. من يتذكر الأمير عبد القادر الذي كرّمه العالم لإنقاذه آلاف المسيحيين في دمشق، وحينها ما فتىء يردد أنه لم يقم إلا بواجبه كمسلم؟

 

الشاعرة الكويتية سعاد الصباح

الدخول إلى الزمن الجزائري

أحباءَ العلمِ والكلمةِ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاعرة عربية مزروعة كالنخلة في الزمن العربي.

أسافر بين الخليج والمحيط على غمامة فرح تحط في مطارات المحبين.

اخترعت الأشياء، وحلمت بأن أكتب قصيدة تشبهني، وحاولت التنقيب عن ماء العشق في عيون الناس العاديين الذين عرفتهم..

وبعت لهم خواتم الدهشة والانبهار، وحوّلت القصيدة إلى قنبلة موقوتة.

فالشعر عمل تحريضي لكسر الخرافة، ونزع الأختام الحمراء.

والحياة العربية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والقومية والعاطفية نجدها مسجلة على شريط الشعر العربي.

الشعر هو الملح الذي نرشه على عواطفنا وعلى أجسامنا حتى لا تتفسخ.

وهو مطر لا جنسية له، يسقط على الربع الخالي كما يسقط على باريس وروما والجزائر، ولا ارتباط للشعر بالعرقية أو بالقبلية أو باللون أو بالتقسيمات الجغرافية.

وحبيبي الشعر هو جواز السفر الذي يسمح لي بالتجول في الوطن العربي، ويمنحني امتياز الجنسية العربية.

وفي هذا العصر الذي يحاول أن يفرض علينا، ورغم أنوفنا، العيش في العصر العبري، نهرب إلى الشعر الذي هو شهادة الحياة التي تؤكد وجودنا وعروبتنا.

إن الشعر هو أول انقلاب في التاريخ يستعمل أدوات الحضارة لتغيير الشرط الإنساني، والثقافة هي المؤسسة العربية التي استطاعت جمع شمل العرب، في حين بعثرت السياسة شملهم وجعلتهم هباءً منثوراً.

يا أصدقاء المعرفة /

أدخل الزمن الجزائري مرتجفة خائفة كسفينة أضاعت المرافئ، وأتعبها الصراع مع الرياح والأمواج.

يحاصرني حزن المدن العربية، فأسافر إلى مدينة العنفوان، إلى الأرض التي لا تشعرني بالغربة، ففي كل زاوية منها أشم رائحة الإنسان، وأتدفأ بنار التاريخ.

إن حبي للجزائر لا أستطيع أن أناقشه، وأحتج عليه، لأنه صار أكبر من مساحة نقاشي، صار نقشاً على ضفاف القلب منذ عرفت الجزائر التي وهبتنا العزة والكرامة.

فالجزائر هي الحلم المدهش في تاريخ التخيل العربي.

وفي هذا العالم المتسلح بالعلم والأرقام والمعرفة.. نحن بحاجة إلى مزيد من العقل، ومزيد من البصيرة والموضوعية ليعوضنا عن أنهار الدم والخراب الذي تركته ورائي.

أيها الأحباء /

أنا مواطنة عربية كويتية، اجتهدت وسافرت في بحار المعرفة والعقل، وجعلت ثقافتها ومعرفتها في خدمة التطور في وطنها.

كنت تحت مظلة الشيخ عبدالله المبارك، أمارس حريتي كامرأة وكإنسان كامل الحقوق والوجود.

سخّرتُ كل إمكانياتي لتحرير المرأة، وانطلقنا معاً إلى حدود الشمس نبني أوطاننا.

وإنني إذ أحيي هذا الجمع المبارك، أتجاوز شعور الامتنان الكبير لتكريمي إلى الامتنان الأكبر  في اختيار مؤسسة “البيت” عنوان: (المرأة.. الحرية.. الإبداع / قرن ما بعد).

فلا إبداع بلا حرية، ولا حرية بلا إبداع.       

ومهما طال ليل الانحطاط، ومهما امتدت الجاهلية الجديدة، ومهما يبس الزرع وانقطع المطر.. فإنني مؤمنة بأن زمن المرأة قادم.. وزمن الحرية قادم، وزمن الإبداع قادم..

دامت الجزائر مدينة للحب والعنفوان..

 

الفنانة اللبنانية نضال الأشقر

لولا الكلمة الحّرة لما كُرمنا في بلد الأحرار

أن يكّرم الفنان أمرٌ يدعو إلى الافتخار، لكن ما يطغى على هذا التكريم مزيداً من الفخر والامتنان أن الجهة المكرﱢمة هي الجزائر، جزائر النضال، جزائر التحرير، جزائر جميلة بوحيرد، جزائر المرأة المقاومة الثائرة، جزائر الشهداء والمناضلين، جزائر الكرامة.

ولبنان بمقاومته المنيعة عبر السنيين يُحيّي الجزائر، يٌحّيي الدولة الجزائرية وشعب الجزائر لهذا الاهتمام المميز بالمبدعين في هذا العالم العربي الذي لولا مبدعيه لكان اندثر اسمه الثقافي الألمعي منذ زمن بعيد.

أُحيي جزائر المناضل الكبير الأمير عبد القادر ضد الاستعمار الفرنسي والذي وبعد نفيه إلى بلاد الشام كانت له المواقف المشرفة في زمن الاضطرابات والاضطهادات، ورفع صوته عاليا لحماية الأقليات والمهمشين والمستضعفين وهي مآثر لاتزال تذكر وندعو الله أن يزيد من أمثاله.. وعلينا نحن أن نهتدي بهذه القامة القومية العالية السمحة في هذا الزمن البائس.

أدامكم الله وشكراً لكم على هذا التكريم الذي أقدره أعلى وأسمى تقدير.

لقد كرست حياتي للمسرح، لأَنه خيرُ سبيلٍ للتفاعلِ، ونحن بحاجة ماسّةٍ للتفاعلِ والحوار.

نحن بحاجةٍ إلى هذه المِساحةِ الإبداعية الحرة للانفتاح على الآخر، والتواصلِ فيما بيننا، وقبولِ الآخرِ واحترامِ الاختلاف، ولِأَنه المكانُ الذي تسقطُ فيهِ الحواجزُ على أنواعها سواءً الطائفيةُ منها أو المذهبيةُ والعشائريةُ والدينيةُ والاجتماعية.

في هذا المكانِ الساحرِ ينمو التّوقُ وينمو الشَّغفُ ويترعرعُ الخيالُ الوثّاب الخلاّق.

في هذا المكانِ تدورُ المعاركُ الدمويةُ، ويقع المئاتُ من القتلى والجرحى.. لكن دون دماء في هذا المكان يعتلي فقيٌر العرش دون إذن أو دستور، ويسقطُ الطاغيةُ في ثانية واحدة.

هنا يُفتحُ بابُ الخيالِ والاحتمالات والتغيير دون خوف… دون أيّ حاجزٍ، دون أي ادعاء.

نعم لقد كرست حياتي لمحاولة مكافحة الظلمة عبر مسرح منفتح حرّ، ولولا الكلمة الحّرة لما كُرمنا في بلد الأحرار.

مقالات ذات صلة