لعبةٌ شيطانية في سوريا
لا يُمكن أن تُفهم الخطوات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا هذه الأيام إلا في سياق البدء الفعلي في تقسيم البلد إلى دول وكيانات عديدة خدمةً للكيان الصهيوني الذي طالما صرّح قادته بأنهم يتمنون بلْقَنة سوريا وتقسيمها.
في جنوب سوريا، وعلى حدود محافظتي السويداء ودرعا، تستعدّ قواتٌ أمريكية وبريطانية وأردنية لاقتحامها تحت غطاء مكافحة “داعش” مع أن وجود هذا التنظيم على الحدود الأردنية محدودٌ ولا يستدعي قوات كبيرة مجهَّزة بأحدث الأسلحة، ويأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من الكشف عن “وثيقة حوران” التي تؤسس لإقامة كيان فدرالي بمحافظات درعا والسويداء والقنيطرة. ولا ندري كيف تقبل الأردن بالتورّط في هذه اللعبة الأمريكية الخطيرة ضد بلدٍ عربي شقيق، وهي تدرك أن النيران ستشتعل حتماً بأثوابها هي الأخرى؟!
أما في شمال البلد، فقد قرَّرت أمريكا منح أسلحة ثقيلة للأكراد لتحرير الرقة من “داعش”، ومنها عربات مدرّعة ومدفعية ثقيلة وصواريخ مضادَّة للدروع… مع أن أسلحة أقلّ بكثير كان يمكنها مساعدة الأكراد على إنجاز المهمة لو كانت أمريكا صادقة في مسعاها، والدليل أن “وحدات حماية الشعب” الكردية نفسها، كانت قد تصدّت لـ”داعش” في عين العرب “كوباني” منذ نحو عامين بنجاح، وحررت المدينة منه وهي مسلحة بأسلحة خفيفة، فلماذا تلجأ أمريكا إلى منحها أسلحة ثقيلة الآن لتحرير الرقة؟ ولماذا استبعدت تركيا من المشاركة في العملية لو كانت نيّتُها هي فقط تحرير المدينة؟
اللعبة الشيطانية الأمريكية واضحة؛ فنوعية الأسلحة الممنوحة لأكراد سوريا، التي عادة ما تُوجّه إلى تسليح الجيوش النظامية للدول وليس للميليشيات والجماعات المسلحة، تؤكد أن أمريكا تريد أن تكون “وحدات حماية الشعب” هي نفسها الجيش الكردي القادم الذي سيتكفل بحماية الدولة الكردية التي ستقوم في شمال سوريا بإرادةٍ أمريكية صهيونية بعد التخلّص من “داعش” الذي “انتهت مَهمّته” فيما يبدو، ورغما عن الدولة السورية وتركيا وكل من يعارض تفتيت المنطقة على أساس عرقي، أو طائفي.
وغنيٌّ عن القول أن نار الانفصال ستمتدّ بعد سوريا إلى الدول الثلاث الأخرى التي يعيش فيها الأكراد وهي العراق وتركيا وإيران، وسيكبر الحلم في إنشاء دولةٍ كردية كبرى موحّدة تضمّ أجزاء من هذه الدول الأربع، ولتحقيق ذلك ستعيش المنطقة حروبا ضارية تأتي على الأخضر واليابس؛ فلا دولة تقبل بأن تقف مكتوفة اليدين وهي ترى أجزاء من أراضيها تُقتطع وتُفصل عنها لصالح الدولة الكردية الناشئة…
ما تعيشه سوريا اليوم، هو نتيجة حتمية لاستطالة هذه الحرب التي دخلت عامها السابع دون أن تلوح في الأفق بوادر حقيقية لتسويةٍ تنهي المأساة.. طالما حذّر الشرفاء في العالم العربي من أن طول هذه الحرب وضراوتها سيؤديان حتما إلى تفكك سوريا وانقسامها، وإلى حدوث انفجار كبير في المنطقة لا يستثني حتى الدول التي دعمت هذه الحرب المجنونة، وهاهي الأيام تؤكد صحّة هذه التحذيرات، وباتت سوريا والمنطقة كلها مهددة بانفجار كبير قد يعيد رسم خارطتها بشكل جذري.