لعنة التقشـّف!
لعنة التقشف بدأت تلاحق الجزائريين، مثلما طاردتهم لسنوات لعنة التبذير، والحال أن “تزيار السنتورة” يعني الفقراء و”المزلوطين” قبل الأغنياء والمحظوظين، ولكم أن تتصوّروا من المتضرّر أكثر من تجميد المشاريع وتخفيض الدينار والعودة إلى الاستدانة الخارجية وتخصيص بطاقات تموين الوقود وفرض ضرائب على “الزبالة”!
الأكيد أن الأثرياء والمستثمرين ورجال الأعمال وكبار التجار والمستوردين، سيدفعون الفاتورة غالية، لكن الفاتورة ستكون قاصمة ومؤلمة أكثر بالنسبة للمعذبين في الوظائف والورشات، وعامة الناس ممّن يشتكون ويشترون وأجورهم لا تسدّ سوى النصف الأول من الشهر!
كلّ الأخبار والمؤشرات والكواليس والتصريحات والأوامر والقوانين، تؤكد أن ربط وشدّ الأحزمة قد انطلق رسميا وبصفية فيها الكثير من الإفراط، وذلك لمواجهة أزمة بترول تحوّلت في ما يبدو إلى أزمة أو ضائقة مالية حادة، تبرّر ما ورد من إجراءات احتياطية في مشروع قانون المالية التكميلي!
تقليص بعض المشاريع “الحيوية” وتجميد أخرى، وإقرار تسقيف استهلاك المواطنين للوقود، وتحجيم النفقات العمومية، وفرض ضرائب على شراء السيارات الجديدة وعلى رمي القمامة والنفايات، وعلى العقارات والمساكن، كلها تدابير تقرأ حالة الطوارئ التي فرضتها أزمة النفط العالمية!
المصيبة أن الزوالية ربما لم يستفيدوا كثيرا من مرحلة الانتعاش المالي ورخاء الخزينة العمومية، باستثناء الصيروم الذي أحيى شبكة الأجور بالزيادات والمنح والعلاوات، وأيضا القروض الاستهلاكية التي مكنت البعض من شراء سيارات وتأثيث بيوتهم بالتقسيط، إلى جانب القروض العقارية التي سمحت للبعض بامتلاك مسكن بـ“الفاسيليتي“!
فترة “العافية أطرّش” مكّنت أيضا آلاف الشباب من مشاريع “أونساج” و“كناك” و“أونجام“، والمستفيدون من “المجموعة الصوتية” ينتظرون الآن تحت تأثير البذخ والتخمة مسحا للديون، لكن تهبّ رياح التقشف بما لا يشتهيه هواة الإعفاء من “الكريدي” والضرائب!
هي عواصف هوجاء وتسونامي تهبّ على الحكومة بمختلف قطاعاتها الوزارية، على الجماعات المحلية في البلديات والولايات، وعلى الاستثمارات والتنمية ومختلف المشاريع، ولذلك ينتقل رعب التقشف إلى هؤلاء وأولئك ويبشرهم بسنوات عجاف لا مكان فيها لأيّ خوّاف!
لقد فعل التبذير بالجزائريين ما فعلته الحروب بالأمم، وها هو التقشف المناقض للتبذير، يطرق أبوابهم، يُخيفهم، يُرعشهم، يُخلط أوراقهم، ويحمل لهم الأخبار التعيسة والمثيرة للقنطة والقنوط.. فاللهمّ حوالينا ولا علينا.