-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

لغة السُّم في الدّسم

عمار يزلي
  • 5605
  • 3
لغة السُّم في الدّسم

لغة التلقين المدرسي، مسألة في غاية الأهمية، كون اللغة ليست بريئة، ومخطئٌ أو متواطئ أو مُجانِبٌ للصواب من يدَّعي أن اللغة “موضوعية” وعلمية لا دخل للإيديولوجيا فيها. العربية يجب أن تكون لغة التدريس في كل الأطوار، هذا دون تزمُّت، فيما ينبغي أن تبقى دائما بقية اللغات أجنبية باعتبارها كذلك، نختار منها الأفيد لنا لا ما يفيد البلد الأجنبي. اختيار الإنجليزية ليس حبّا في الملكة ولا في العم سام، بل في كونها لغة علم عالمية وفقط.

فرنسا عملت، ولا تزال، هنا في الجزائر وفي المغرب خاصة وفي تونس وبعض الدول التي لا تزال تتمتع بحصانة اللغة فيها، رغم قلة من يتحدث بها عالميا، تخشى على نفسها من الانكماش بانكماش لغتها، فتسعى على التمسك بجثة ميت محاولة أو أن تنتج منها “مسخا” لغويا يشبه فرانكشتاين.

إذا عدنا للتاريخية ذلك، نلاحظ كيف أصبحت هذه اللغة في الجزائر، بداية من 1880، الجهاز “العسكري الأكثر سلمية”. سلاحٌ فتاك.. ذو حدين، صحيح، لكن فرنسا كانت تستثمر فيه ثقافيا، أي للزمن القادم كما فعلت روما المهزومة لكن ثقافتها هي اليوم ثقافة أوروبا. فضعفُ عدد التلاميذ بهذه المدارس بالجزائر عند النشأة، لا يمكن إرجاعه وفقط كأثر للمقاطعة الجزائرية للمدرسة الفرنسية، بل كسياسة وإستراتيجية فرنسية أساسا، الهدف منها تزويد وسائل إدارة المستعمرة بـ”الموارد البشرية” الملائمة بشكل “مدروس وعقلاني”، من منظور فلسفة الرأسمالية الاستعمارية: إنتاج قدر ما يمكن لإعادة الإنتاج الضيق والمحدود في الزمان والمكان، خوفا من أن يفعل نشر التعليم الفرنسي – المشبع بتعاليم الثورة الفرنسية والفولتيرية الليبيرالية – فعله المعاكس ويتحول من سلاح إخضاع إلى “وقود للإقلاع”. وهذا ما سيحدث مع الانتلجنسيا “الفرنكو ـ إسلامية” كما كانت تسمِّيها، والتي هي في الواقع “أنتلجنسيا مزدوجة اللغة”، فقلد كان مبدأ “إجبارية التعليم”، المفروض سنة 1883 بفرنسا، قد أجبر على الإلغاء ابتداء من 1887، حتى لا يتحول “الدواء إلى داء”. وهكذا، سوف نلمس خلال السنوات المقبلة، صراعا حول ضرورة فتح مجال التعليم في المدارس الفرنسية لكل الجزائريين وتوسع نطاق بناء المدارس: صراع حول المبدأ أولا، ثم حول كيفية التلقين والتعليم والبرامج، وهو إعلان عن دخول “المقاومة خندق العدو نفسه”… مقاومة أخرى شكلت “المقاومة – الحوار”، بقيت الإدارة الفرنسية ماسكة بأطراف خيوطها من أجل تضييق الخناق على التعليم في كل من المدارس الفرنسية ومدارس التعليم العربي والقرآني.

وإذا كان مرسوم 1892، قد جاء ليمنع المدارس القرآنية من استقبال الأطفال خلال أوقات التعليم بالمدارس الفرنسية، تضييقا على التعليم العربي بشكل عام، فإنه قد جاء أيضا ليفرض رقابة تامة على مناهج وحجم “التعليم العربي” بالمدارس الفرنسية؛ إذ أخضع هذا الأخير لرخصة مسبقة مع شرط ألا يتجاوز ذلك معدل ساعتين ونصف ساعة خلال الأسبوع، مدة لم تكن مضمونة في غالب الأحيان.

هذا الإرث الفرنسي عندنا، الذي طالما اعتبره البعض من مناصري الفرنسية في الجزائر “غنيمة حرب”، لم يكن في الواقع سوى “غنيمة مسمومة”، ابتلعنا طعمها، لكن طعمها بدا بعد مرور الزمن، مرًّا مذاقه كطعم العلقم، بل إنه كان سمًّا لا ترياقا، وأنه كان الهدف منه قتل عزيمتنا وإضعاف هويتنا وهمَّتنا اللغوية ـ الدينية، التي أنبتت وساهمت في الحضارة العالمية والإنسانية الحالية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • هشيم الهاشمي

    موضوع رايع بارك الله فيك يا أستاذ عمار ي.

  • Werk

    السلام عليكم..قبل حوالي 25 سنة،كنا موضفينا في الإدارة حكومية، و كان حوالي 2/3 البريد الواردة من الإدارة العامة يأتي بالفرنسية، أما اليوم فلا يكاد 1/10 من البريد يأتي بالفرنسية، الفرنسية الي زوال بالجزائر..

  • جزايري حر

    المدرسة تقدم نوعين من العلوم : إنسانية (لغة-تاريخ -دين- أدب -ثقافة ) و تقنية( رياضيات- فيزياء بيولوجيا ....) فالنوع الأول يجب أن تنحاز فيه كل الانحياز إلى هويتك ليس من باب العداء أو المضادة للآخرين بل فقط من أجل المحافظة على ذاتك ... أما النوع الثاني فالبراغماتية المحضة في طلب هذه العلوم فيمكن أخذها من أي وعاء خرجت من الشرق أو من الغرب أستاذ عمار شكرا جزيلا على مقالاتك النيرة ...