لقاءات الأعراش… تقليد اجتماعي صامد في خنشلة
في أعالي الأوراس، حيث تمتد جذور التاريخ عميقا في الأرض، ما تزال لقاءات أعراش الشاوية بولاية خنشلة، تحتفظ بمكانتها كواحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية التقليدية التي لعبت، وما تزال، دورا محوريا في الحفاظ على الاستقرار والتماسك داخل المجتمع، من ثورة التحرير إلى ثورة التشييد.
هذه اللقاءات ليست مجرد تجمعات لأعيان العروش، في الأعراس والمناسبات، بل هي مجالس عرفية لها هيبتها واحترامها، يجتمع فيها كبار السن، والشيوخ، ووجهاء القبائل، وأصحاب الرأي والحكمة، للنظر في القضايا التي تمس المجتمع والسعي إلى حلها بالحوار والتوافق، بعيدا عن الخصومات والتصعيد.
ملاذ للمتخاصمين وجبر للخواطر
يقول الحاج لخضر ولجاني من مدينة المحمل لـ”الشروق اليومي”: “منذ عشرات السنين، كان العرش هو الملاذ الأول لكل من وقع في خلاف عائلي. فكثير من البيوت التي كادت تنهار بسبب سوء تفاهم أو نزاع بين الأزواج، عادت إليها السكينة بعد جلسات الصلح التي يشرف عليها العقلاء وكبار السن. نحن نؤمن بأن الإصلاح بين الناس خير، وأن الكلمة الطيبة والاحتكام إلى الحكمة يحفظان الأسرة قبل أن تصل الأمور إلى المحاكم.”
وقد توارثت أجيال الشاوية هذا التقليد، منذ مئات السنين، حين كانت المجالس العرفية المرجع الأول في فض النزاعات، قبل ظهور المؤسسات الحديثة، فكانت الكلمة الصادقة، والاحترام المتبادل، وحرمة العهد، أساسا لإنهاء الخلافات وإعادة المياه إلى مجاريها، بعيدا عن القوانين الاستعمارية في الزمن السابق.
وفي الأعراس، التي تعد فرصة لاجتماع مختلف الأعراش، يستغل الوجهاء وجود الجميع لطرح القضايا العالقة بين العائلات، أو بين أبناء المنطقة، فيبدأ النقاش بهدوء، ويُمنح كل طرف فرصة لعرض وجهة نظره، ثم يتدخل الشيوخ بما عُرف عنهم من حكمة وخبرة، حتى يصل الجميع إلى حل يرضي الأطراف ويحفظ كرامتهم، ولطالما نجحت هذه المجالس في إصلاح خلافات استمرت لسنوات، سواء كانت بسبب نزاعات حول الأراضي الفلاحية والحدود العقارية، أو خلافات بين عائلتين بسبب الميراث، أو خصومات نشأت إثر شجارات بين الشباب، أو خلافات بين الجيران حول حقوق المرور أو استغلال المياه، أو حتى نزاعات كادت تتطور إلى قطيعة بين أعراش كاملة لولا تدخل العقلاء.
ويقول عمي علي شبدن، وهو من أعيان ششار: “لا يقتصر دور العرش على الصلح بين الزوجين فقط، بل يمتد إلى فض النزاعات بين الإخوة حول الميراث، وحل الخلافات بين العائلات المتخاصمة، وجبر الخواطر بين الأقارب. عندما يجلس كبار العرش مع الأطراف المتنازعة، يكون هدفهم الأول إعادة المودة وصلة الرحم، لأن العائلة إذا تفرقت خسر الجميع، أما إذا تصالحوا ربح المجتمع كله”.
حوادث المرور والشجارات في مجالس الصلح
كما كان لأعيان الأعراش دور بارز في إبرام الصلح بعد حوادث المرور، والمشاجرات الجماعية، وحوادث الأعراس، وحتى في بعض القضايا التي خلفت ضحايا، حيث يسعون إلى تهدئة النفوس، وإقناع الجميع بضرورة الاحتكام إلى القانون، مع العمل في الوقت نفسه على إزالة أسباب العداوة ومنع أعمال الانتقام والثأر.
ولا يتوقف دورهم عند الإصلاح بين المتخاصمين، بل يمتد إلى التدخل في القضايا الاجتماعية، كإقناع شاب بالعودة إلى الدراسة، أو إنهاء خلاف بين زوجين حفاظا على الأسرة، أو مساعدة عائلة محتاجة، أو جمع التبرعات لعلاج مريض أو بناء منزل متضرر، أو تنظيم حملات تضامن لفائدة الأسر المعوزة خلال شهر رمضان أو في فصل الشتاء.
وفي كثير من الأحيان، يتدخل مجلس الأعراش لإصلاح ذات البين بين أفراد الأسرة الواحدة، فيقنع الإخوة المتخاصمين بالمصالحة، ويعمل على إعادة صلة الرحم بعد سنوات من القطيعة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأسرة المتماسكة هي أساس المجتمع القوي، ولم تقتصر مساهمة هذه المجالس على حل النزاعات، بل لعبت أيضا دورا مهما في حماية العادات الأصيلة، وترسيخ قيم الاحترام والتكافل، وحث الشباب على نبذ العنف والمخدرات والجريمة، وتشجيعهم على العمل والتعلم وخدمة مجتمعهم.
ورغم التطورات التي عرفتها مؤسسات الدولة والقضاء، فإن لقاءات الأعراش لا تزال تحظى باحترام واسع، لأنها لا تنافس القانون، بل تكمله من خلال الإصلاح الودي وتقريب وجهات النظر قبل أن تتفاقم الخلافات، لذلك يحرص الكثير من المواطنين على اللجوء إلى حكماء الأعراش طلبا للنصيحة أو الوساطة، لما عُرف عنهم من حياد ونزاهة وحسن تدبير.
إن لقاء الأعراش في خنشلة ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو مؤسسة عرفية حافظت على السلم الأهلي لعقود طويلة، وأسهمت في تجنيب المجتمع الكثير من النزاعات والانقسامات. وهو موروث ثقافي وإنساني يستحق التثمين والتوثيق، لأنه يجسد روح التضامن التي ميزت مجتمع الشاوية، ويؤكد أن الحوار والحكمة كانا دائما السبيل الأقصر إلى المصالحة والوئام.